تشكيلة من المهازل المأساوية

19 ابريل 2020
ـ وسط سيل من الأخبار التي تتحدث عن مأساة نقص الكمامات والأقنعة الطبية في المستشفيات الأميركية، قرأتُ تقريراً كتبه ديف ليبير في صحيفة (دالاس مورنينغ نيوز) يتحدث فيه عن بعد هزلي لتلك المأساة، بطلته شركة (برستيج أميريتيك) التي كانت لفترة طويلة تعتبر أكبر مصنّع داخل أميركا للأقنعة الطبية الجراحية وأجهزة التنفس، وكان يفترض أن تعمل في ظروف كهذه بكامل طاقتها، لمواجهة نقص وسائل الحماية الشخصية التي تحتاجها المستشفيات والمراكز الطبية، لكنها لم تفعل شيئاً من ذلك، لأنها ما زالت متضررة من آثار ما حدث لها في أعقاب وباء إنفلونزا الخنازير في عام 2009، حين حاول مالك الشركة مايك باون، أن يستغل الفرصة ليقنع الكثيرين بأن شركته قادرة على تلبية احتياجات جميع مستشفيات أميركا من وسائل الحماية الشخصية للاستعداد لأي وباء قادم. 

على عكس ما كان يتوقع مالك الشركة، فقد "حلقت له" جميع الجهات التي تعاقدت معه، فور أن انحسر الوباء، وظهر أنه لم يكن بالخطورة التي ظنها الجميع، ليفضل أغلب مديري المستشفيات والمراكز الطبية شراء الأقنعة المصنوعة في الصين، التي يكلف شراء القناع الواحد منها سنتَين، بدلاً من قناع شركة (بريستيج) الذي يبلغ ثمنه عشرة سنتات، وهو ما دفع الشركة إلى حافة الإفلاس، واضطرها إلى تسريح 150 عاملاً لم تشفع لهم مساهمتهم في تلبية احتياجات مستشفيات أميركا من وسائل الحماية الشخصية خلال وباء إنفلونزا الخنازير، وكما أصبحنا نعلم، فتسريح العمال هو أول إجراء تتجه إليه الشركات لحماية نفسها من الإغلاق، بدلاً من تخفيض رواتب مسؤوليها وكبار موظفيها. 

طوال السنوات الماضية، حاول مالك الشركة حماية شركته وإنعاش مبيعاتها، باللجوء إلى المجلس التشريعي لولاية تكساس، محاولاً إيقاظ مشاعرهم الوطنية، بتذكيرهم أن من الخطورة على الأمن القومي أن يكون كل احتياطي وسائل الحماية الشخصية في المستشفيات الأميركية مرتبطاً بإنتاج دولة أجنبية مثل الصين. وحين أثبتت الأيام الأخيرة أن تحذيره كان صحيحاً، لم يعد هاتفه يتوقف عن الرنين، حاملاً إليه كل دقيقتين طلبات للتعاقد على كمامات وأقنعة طبية من إنتاج الشركة، ليشرح مالك الشركة للزبائن المتلهفين أن تلبية طلباتهم يحتاج إلى ماكينات جديدة وتدريب عمال وموظفين، وهو ما سيتطلب المزيد من الوقت لكي تستعيد الشركة قوتها الإنتاجية، لكنه حرص على التأكيد للجميع أنه هذه المرة سيحتاج إلى ما هو أبعد وأقوى من مجرد الكلام للاتفاق على الشراء، وأنه سيوقّع عقود محكمة وخالية من الثغرات، تضمن له ألا يخلع الزبائن مرة ثانية بعد انحسار الوباء أو تلاشي آثاره.

في الوقت نفسه فشلت محاولة الاستعراض التي قام بها دونالد ترامب قبل أسابيع، حين أعلن أنه سيصادر إنتاج شركة (ثري إم) من الكمامات والأقنعة الطبية الموجودة في مصنعها الضخم بولاية مينيسوتا، وأنه سيمنعها من تصدير منتجاتها إلى كندا وعدد من دول أميركا اللاتينية، وهي الخطوة التي هلل لها الكثير من مؤيديه، الذين ظنوا أن الأقنعة الطبية والكمامات الواقية ستخرج من مخازن الشركة لتصل إلى بيوتهم، وعلى رأسها بالطبع القناع الطبي موديل N95 الشهير الذي تنتجه الشركة، والذي يقوم بفلترة 95 في المائة من البكتيريا الموجودة في الهواء.

كانت كندا قد تعاقدت على شراء 3 ملايين قناع من هذا الموديل، قبل أن يُعلن ترامب وقف البيع، لتحدث أزمة عنيفة بين أميركا وكندا، وتضطر الشركة إلى استخدام كل وسائل الضغط على إدارة ترامب، لتذكيرها بأن الرجوع عن تنفيذ التعاقدات سيكون له آثار دولية وخيمة، وقد يؤدي إلى إيقاف تصدير جميع المعدات الطبية الأميركية إلى كندا والاتحاد الأوروبي، خاصة أن عدداً من الدول الأوروبية احتجّت على ممارسات القرصنة التي تنتمي إلى عهد رعاة البقر، والتي قامت بها الإدارة الأميركية، والتي كان من أبرزها وأكثرها فضائحية قيامها بالبرشطة على شحنة أقنعة وكمامات كانت موجودة في مطار تايلاندي، بانتظار شحنها إلى ألمانيا، ومع أن إدارة ترامب اضطرت إلى التراجع عن قرارها وسمحت للشركة بتنفيذ تعاقداتها، إلا أن الإعلام اليميني المؤيد لترامب، لا يزال يطنطن كل يوم بأمجاد القائد المحنك الوطني المنقذ للبلاد، الذي لن تتنفس أميركا الهواء الخالي من الفيروسات إلا ببركات قيادته الحكيمة.

.... 

ـ تحت عنوان (حين يكون جثمانك مرفوضاً في كل مكان) نشر الكاتب الإندونيسي كورنيليوس بوربا في صحيفة (جاكرتا بوست) مقالاً يتحدث عن المهازل المأساوية المرتبطة بعمليات دفن ضحايا وباء كورونا اللعين في العديد من المدن الإندونيسية التي انتشر فيها الوباء بسبب تراخي السلطات الإندونيسية في مواجهته، لكنها غيرت سياستها بعد أن ظهرت الآثار الكارثية للوباء، فمنعت كل التجمعات، بما فيها جنازات ضحايا الوباء الذين تجاوز عددهم الأسبوع الماضي 450 متوفىً، ولا يزال الرقم في ازدياد للأسف. 

في الأسبوع الماضي، دُفن 15 ضحية في مقبرة تيجال ألور العامة في غرب العاصمة الإندونيسية جاكرتا، ولم يسمح لأهاليهم بحضور الدفن، منعاً للمزيد من حالات العدوى، ليُسمح لعدد قليل جداً من أهاليهم بالوقوف في طرف بعيد من المقبرة لمراقبة عمليات الدفن التي قام بها عمال المقبرة المزودون بالكمامات والأقنعة. وبرغم ألم المشهد وصعوبته على النفس، إلا أن الكاتب اعتبر هذه العائلات محظوظة، لأنها لم تتعرض للمآسي التي تعرضت لها عائلات ضحايا آخرين، مُنعوا من الدفن في المقابر العامة لقراهم ومدنهم، لأن أهاليها خافوا من انتشار العدوى بينهم، ومنعوا مرور السيارات التي تحمل توابيت الضحايا، وهو ما دفع عدداً من محافظي المقاطعات الإندونيسية إلى تسجيل فيديوهات ينددون فيها بتلك التصرفات، ويذكّرون الأهالي الذين قاموا بها بأن ما فعلوه ملعون ومجرّم في كل دين، مستعينين ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحضّ على احترام قدسية الموت. 

حرص الكاتب على التذكير بأن مأساة رفض دفن ضحايا الوباء ليست قاصرة على إندونيسيا وحدها، بل هي "ظاهرة عالمية" طبقاً لتعبيره، مستشهداً بما حدث في مدينة ميلانو بإيطاليا، حين اضطرت أسرة إلى البقاء مع جثمان أحد أفرادها لمدة 36 ساعة، بعد أن رفض الإسعاف حمل الجثة خوفاً من التقاط عدوى الفيروس الذي قضى على حياة الفقيد، وبما حدث في العاصمة العراقية بغداد، حين ظل مواطن اسمه سعد مالك يبحث لمدة أسبوع عن مقبرة تستقبل جثمان والده الذي مات بفعل مضاعفات الفيروس، وحين حاول دفن والده في إحدى المقابر، هدده أحد زعماء عشيرة تقع المقبرة بالقرب من منطقتها، بحرق السيارة التي تحمل جثمان والده إذا لم يسارع إلى مغادرة المنطقة، ليضطر سعد إلى إعادة والده إلى مشرحة المستشفى، حتى يجد قبراً يضم جثمانه. 

أعترف بأنني تخيلت أن هناك مبالغة ما لجأ إليها الكاتب الإندونيسي في حديثه عن المواطن العراقي، ليُشعر قراءه بأن إندونيسيا بخير مقارنةً بغيرها، حيث لم يستمر منع دفن أحد الضحايا فيها لمدة أسبوع كامل، خاصة بعد تدخل حكام الولايات لإصدار عدد من القوانين التي تنظم عمليات الدفن، لكنني وجدت الخبر منشوراً بذات التفاصيل في أكثر من موقع موثوق فيه، ويبدو أن الكاتب الإندونيسي لم يصل إلى مسامعه خبر ما جرى في بعض قرانا المصرية المنكوبة بالجهل الذي زاده الخوف اشتعالاً، فلم يستشهد بتلك الأحداث في مقاله، الذي حرص على أن يذكر فيه أنه مسيحي كاثوليكي، ربما لكي ينبّه القارئ إلى أنه لن يستطيع الحديث بصراحة عن مفارقة أن الذين استماتوا في منع جثامين الضحايا من الدفن، خوفاً على أنفسهم، كانوا قبل أسابيع يسبّون ويلعنون كل من ينبههم إلى خطورة الوباء، ويطلب منهم وقف التجمعات الدينية لكي لا يُلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وحين أفاقوا من غفلتهم، تشطّروا على الموتى. 

....

يبدو أن عام 2020 حريص على تنويع المصائب التي يحملها لكوكب الأرض المنكوب بأهله وناسه. ففيما يواصل فيروس كورونا اللعين انتشاره في البلاد وفتكه بالعباد، ينتشر في جنوب أوروبا الآن وباء يفتك بأشجار الزيتون بالتحديد، تمكن أخيراً من القضاء على مليون شجرة زيتون في إيطاليا، وهو ما يشكل نسبة 17 في المائة من أشجار الزيتون التي تمتلكها إيطاليا، وقد انتقل منها إلى مزارع الزيتون في كل من إسبانيا والبرتغال وفرنسا. 

الوباء الذي يسميه المزارعون "جُذام الزيتون" ليس له علاج حتى الآن، وتسببه بكتيريا خطيرة برغم أن اسم (زيليللا فاستيديسوسا) الذي أطلق عليها يبدو مضللاً عن خطورته، وللأسف كل ما يفعله المزارعون لمقاومة انتشاره، هو قطع أشجار الزيتون التي تصيبها البكتيريا، هي والأشجار المجاورة لها، ولو كانت سليمة، لخلق مساحة عازلة تمنع انتشار البكتيريا التي تنقلها الحشرات من شجرة إلى أخرى، وهو ما سبّب خسائر لصناعة الزيتون وزيت الزيتون، وصلت إلى 22 مليار دولار أميركي، وأدى إلى دمار العديد من البساتين التي تتوارثها العائلات العاملة في زراعة الزيتون منذ أجيال. 

بجملة المصائب، شهدت عدة مناطق في أفريقيا الأسبوع الماضي ظهور سحابات ضخمة وكثيفة من الجراد، حجمها أضخم بنحو عشرين مرة من جحافل الجراد التي ضربت غرب أفريقيا في فبراير الماضي، والتي اعتبرها الخبراء الهجوم الأسوأ للجراد منذ سبعين عاماً، ولم يكن يتوقع أحد أن يحدث في وقت قصير هجوم أضخم لجحافل الجراد في عدة مناطق من كينيا وأوغندا والصومال وإثيوبيا. حذرت الأمم المتحدة في تقرير لها من أن الموجة الجديدة من زحف الجراد ستقود إلى خطر غير مسبوق على الأمن الغذائي في أفريقيا، ستنتج منه خسائر فادحة في الأرواح، بسبب تأثير زحف الجراد على المزارع والحقول، لأن سحابة الجراد التي تغطي نحو ثلاثة أرباع ميل مربع، تستهلك في يوم واحد حجم الغذاء الذي يمكن أن يستهلكه 35 ألف إنسان، وهو ما جعل مزارعاً أوغندياً يقول للصحافيين إنه لم يعد يخشى من فيروس كورونا بقدر ما يخاف من هجوم الجراد الذي تبلغ آثار دماره عشرة أضعاف دمار الفيروس.  

يا منجّي من المهالك يا رب.  

تعليق: