تركيا عشية 24 يونيو

30 ابريل 2018
الصورة
يتطلع قرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، من 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 إلى 24 يونيو/ حزيران المقبل، إلى التعجيل بتنفيذ التعديل الدستوري، تغيير نظام الحكم إلى رئاسي، وطي صفحة النظام البرلماني. وأيضا قطع الطريق على المحاولات الداخلية والخارجية للتأثير في ملفات سياسية واقتصادية وأمنية تستعد حكومة حزب العدالة والتنمية للتعامل معها في الأشهر المقبلة، ومنح أردوغان مزيدا من القوة والاستقلالية في رسم السياسات التركية الإقليمية الجديدة.
نصف ساعة بين الرئيس أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية (اليميني)، دولت بهشلي، كانت كافيةً لرسم مسار جديد في الحياة السياسية التركية للعقد المقبل ربما. ويرى متابعون أن تفاهمات ما قبل اللقاء بشأن إعلان الذهاب الى الانتخابات البرلمانية المبكرة كانت قد بدأت قبل أسابيع، وأن أردوغان لم يكن ليأخذ باقتراح مصيري من هذا النوع لو لم يكن يرغب بذلك، خصوصا أنه الذي أعلن مرات رفضه دعوات تقديم موعد الانتخابات عن تاريخها المعلن.
قرار الانتخابات المبكرة خطوة سياسية هدفها مباغتة المعارضة السياسية في الداخل، وهي تعيش حالة من التشرذم والتشتت، ثم التخوف من تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في الأشهر المقبلة، بسبب الخضات والانتكاسات الاقتصادية والمالية أخيرا. وقد أراد أردوغان، بهذه الخطوة المباغتة، اصطياد المعارضة، وهي في ثباتها أولاً، ثم قطع الطريق على خطط ومشاريع أجهزة وعواصم كثيرة كانت تستعد لطرح استراتيجية إبعاده، هو وحزبه، عن الحكم خلال عام ونصف العام، ففاجأها بقرار الذهاب إلى الصناديق بعد شهرين فقط.
قد يكون زعيم حزب الحركة القومية (اليميني)، دولت بهشلي، هو من فتح الأبواب أمام هذا الخيار، لكن أردوغان هو من تلقفه وتمسك به وصفة علاج تنقل تركيا خلال أسابيع من حالة سياسية ودستورية إلى حالة أخرى، مختصرة مرحلة الانتظار بنحو خمسة عشر شهراً، وبأقل المخاطر والأضرار كما تقول قيادات حزب العدالة والتنمية (الحاكم).

تتحدث قيادات "العدالة والتنمية" بثقة عن فوزها المؤكد في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فالرئيس أردوغان بدأ قبل أشهر حملاته الدعائية في أغلب المدن التركية، ثم هناك انتصار عملية "غصن الزيتون" العسكرية في عفرين في شمال سورية، وتعطيل مشروع ربط الكانتونات الكردية ببعضها في شمال سورية، والتفاهمات الاستراتيجية الضخمة مع روسيا، الشريك الجديد، وفشل الالتفاف حول مرشح رئاسي واحد يقود المعارضة، بعدما سقط مشروع عبد الله غول محط آمال المعارضة، والفرصة الوحيدة القادرة، كما قيل، على التقريب بين أصوات الناخبين من مختلف الميول والتوجهات السياسية والعرقية والحزبية.
24 يونيو/ حزيران المقبل يوم حاسم في الحياة السياسية التركية، وأبعد من أن يكون مجرد انتخابات عادية. هناك أولا تكريس عملية تغيير شكل النظام رئاسيا بصلاحيات واسعة لرأس الدولة، وهناك أيضا حقيقة تحديد مسار خريطة التحالفات التركية الإقليمية والدولية التي ستختلف، في أحسن الأحوال، عما هي عليه اليوم، وعما كانت عليه قبل أربعة عقود، ثم موضوع الثقل الإقليمي لتركيا الذي يقلق كثيرين ويزعجهم، وهم يحتربون، إما لكسبه إلى جانبهم، أو لإضعافه وإطاحته وإخراجه من المعادلة.
التحديات التي تواجهها أحزاب المعارضة التركية في الأيام القليلة المقبلة صعبة وحاسمة في تحديد استراتيجيات التحرك نحو الصناديق، وهي قد تكون نجحت في نقلة إفشال محاولات استبعاد حزب "يني بارتي" القومي المنشق عن حزب الحركة القومية عن المشاركة في الانتخابات، عبر التكتيك المفاجئ الذي لجأ إليه حزب الشعب الجمهوري المعارض باسم "الدفاع عن الديمقراطية" بنقل 15 نائبا من نوابه إلى الحزب الجديد، لكن رئيسة الحزب، ميرال أكشنار، لم تتعاون مع مطلب رد الجميل بإصرارها على ترشيح نفسها لانتخابات الرئاسة، وعدم التنازل لصالح الرئيس الأسبق غول.
لن يكون حزب العدالة والتنمية، ورئيسه أردوغان، بعد 24 يونيو/ حزيران المقبل، مجبرين على التقيد بمناورات المهادنة والمراعاة والحسابات السياسية الضيقة في الداخل التركي بين المناطق والولايات والأقضية، أو الالتزام بسياسة التوازنات بين الشرق والغرب، بين أميركا وروسيا وأوروبا والعالم الإسلامي وإسرائيل وإيران ودول الخليج، بل هي أرقام الربح والخسارة المحسوبة بالورقة والقلم والمصالح الاقتصادية والأمنية، أولا وأخيرا. لن يعود حلم العضوية في الاتحاد الأوروبي أو البقاء تحت سقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) والالتزام بمعايير المجلس الأوروبي العامل الأول في رسم السياسات وتحديد المواقف، والدليل أن لا أحد في أنقرة يسمع بالحملات السياسية اليومية التي تشنها العواصم الغربية ضد تركيا، والتقارير المفصلة التي تنشرها بروكسل الأوروبية وستراسبورغ حقوق الإنسان ولندن منظمة العفو الدولية، ولا يريد أن يرد عليها.
يبحث أردوغان عن تحصين موقعه الرئاسي أكثر فأكثر في مواجهة المعارضة، ويريد مزيدا من الدعم الشعبي، عند اتخاذ قراراته في التعامل مع ملفات إقليمية حساسة تنتظر الحلول منذ سنوات، لا بل عقود، بينها الملفات، القبرصي واليوناني وشرق المتوسط والعقدة الأوروبية والأطلسية والعقبة الروسية والإيرانية. ولهذا أيضا نحن ذاهبون إلى الانتخابات هذه المرة. فبعد 24 يونيو/ حزيران المقبل، سنقول في تركيا وداعا لمواقف وسياسات عديدة معتمدة في ملفات وتحالفات تاريخية ثابتة منذ عقود. وكذلك هو حال الناخب التركي الذي يعرف أهمية المرحلة السياسية المقبلة في البلاد، ويعرف أن تركيا، بعد هذا التاريخ، ستكون تماما غير تركيا ما قبله، وهو على هذا الأساس سيذهب إلى الصناديق، للتصويت إلى جانب هذا الخيار أو ضده.
"التعبئة الشعبية" التي استطاع حزب العدالة والتنمية أن يضعها في مواجهة قوى المعارضة تتركها أمام المهمة المستحيلة خلال شهرين، اختيار المرشح الرئاسي القادر على منافسة أردوغان الذي يقود حزبه وتركيا منذ 15 عاما، ثم الدخول في تفاهماتٍ حزبيةٍ باتجاه انتزاع حصةٍ أكبر داخل البرلمان التركي المقبل، والوصول إلى موقع القيادة.
بروز نجم عبد الله غول أياما بصيص أمل للمعارضة، ثم انسدال الستار سريعا، سببه أن الرجل لا يستطيع أن يفعل الكثير لمعارضةٍ مشتتة مفككة، غير جاهزة لتتوحد من ورائه، خصوصا أنه لا يريد أن يتدخل كثيرا في رسم خريطة تحركها، كي لا يغامر بما كسبه من شعبية وتاريخ سياسي تحت سقف "العدالة والتنمية" عقودا.
فرص المعارضة المتبقية بيدها هي أن تصغي لما سيقوله الطرف الأقوى في المواجهة، حزب الشعب الجمهوري اليساري، وأن تفسح الطريق أمام الشريك الجديد المفترض "إيي بارتي"، وأن لا تهمل حزب الشعوب الديمقراطية، المحسوب على الأكراد في تركيا، إذا ما كانت تريد
أن تراه إلى جانبها في المواجهة، والاحتماء بالأحزاب المحافظة والإسلامية الصغيرة، وكل هذا يتطلب السرعة والدقة والحذر في الاختيار والتصويب والتخطيط، وهو بين المستحيلات، بسبب الفترة الزمنية القصيرة، وحجم التفكك والتباعد وعنصر المباغتة الذي تعرّضت له من الرئيس التركي.
وكان أردوغان قد بدأ منذ سبتمبر/ أيلول 2017 تغيير رؤساء البلديات والقيادات الحزبية، على ضوء نتائج الاستفتاء الدستوري الذي جرى في إبريل/ نيسان العام الماضي. وكان يدعو يوميا القواعد الحزبية للاستعداد للصناديق والانتخابات المفترضة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019. وكان يستعرض دائما، أمام المواطن التركي، إنجازات حزبه، واعدا بمزيد من المشاريع والخطط الإنمائية الإقليمية العملاقة، لكن "العدالة والتنمية" أيضا أمامه مشكلة التوفيق والجمع بين أصوات الأكراد في مدن جنوب شرق تركيا، والحصول على أصوات اليمين القومي في الأناضول التركي على السواء، فهل تعطيه هذه القواعد الشعبية والحزبية المتباعدة، والتي لم تلتق سياسيا وحزبيا حتى الآن فرصة لعب ورقتها للوصول إلى ما يريد؟
ستكون تركيا حتى موعد الانتخابات وسط حراك سياسي وإعلامي واقتصادي دائم، وتحت تأثير أكثر من عامل داخلي وخارجي، شاءت أم أبت. وستجري انتخابات يونيو/ حزيران في تركيا، لكن ارتداداتها وتأثيرها ستعني عواصم ومراكز صنع القرار ولوبيات عديدة في الخارج.
حزب العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية (اليميني) يعتبران أن المسألة تحولت إلى مسألة أمن قومي تركي، والرد على خطط محاصرة تركيا وإضعاف نفوذها وقدراتها، ومنعها ليس فقط من الوجود أمام طاولة صناعة المشهد الإقليمي، بل أن تكون هي نفسها في سلة الاستهداف. لذلك، يعني امتحان الانتخابات أردوغان أولا، ثم قواعد حزبه وقياداتها ثانيا في اختبار الشراكة مع حزبٍ آخر سيقاسمها السلطة. وبالتالي إبقاء الحزب موحداً ومتماسكاً خلف قياداته التي تطالبه بقبول مرحلة التغيير والتأقلم معها. وبعد ذلك، هناك اختبار أحزاب وقوى المعارضة التي تعرف أنها فرصتها الأخيرة، لقطع الطريق على الانتقال بالبلاد من حقبة إلى أخرى، وتقول إنها تملك القوة الكافية لتسلم القيادة، لكن الامتحان يعني كذلك النظام السياسي التركي الجديد نفسه، وقدرته على الإمساك بالبلاد متراصّة خلف السلطة السياسية، فالمسألة في غاية الخطورة، وما نتحدث عنه هو تركيا اللاعب الإقليمي الصاعد في العقد الأخير.

دلالات