تحية لهذا العمل

تحية لهذا العمل

15 يونيو 2018
الصورة

ميشال شماس وإبراهيم القاسم ومازن درويش وأنور البني

+ الخط -
اعتاد السوريون، عند سماع كلام جيد ومفيد أو رأي صائب، أن يقولوا "هذا الحكي يلي بيجيب علامات". وفي رواية أخرى "هاد الحكي يلي بيجيب مصاري"، وذلك في عملية تعبير واستحسان عن إعجابهم بهذا الكلام وموافقتهم عليه.
شيء كهذا ننطقه ونقوله ونعلنه، ونحن نرى النتائج العملية لفريق عمل سوري، فريق عمل تمكّن، وسط الفوضى واليأس السوري الذي استوطن الجميع، أن يقدّم عملا مفيدا وجدّيا، ترفع له القبعات احتراما، وهو تمكّن فريق العمل من رفع دعاوى قضائية ضد مسؤولين سوريين في محاكم أوروبية، في عملٍ أخذ سنواتٍ من الجهد والبحث، وستليه سنواتٌ أخرى من العزيمة والإصرار والمتابعة، حتى يجلب النتائج المرجوة منه، أي وضع الطغاة والمجرمين في أقفاص الاتهام، لينالوا "محاكمات عادلة ونزيهة".
اللافت هنا أنه، وسط فشل ذريع سجلته المعارضة السورية على أكثر من مستوى، ووسط فشل كبير سجله السوريون المعارضون في عدم قدرتهم على تأسيس حزب سياسي، أو حركة/ تجمع سياسي منظم، سواء على الصعيد السياسي أو المدني أو المجتمعي أو حتى الثقافي، حيث تتضخم المشاريع الفردية والأنوات على حساب العمل الجماعي المنظم.. وسط هذا الفشل العميم، يأتي هذا النجاح. من دون شك، نجد نجاحا فرديا هنا وآخر هناك، إلا أنّ المحصلة فشل كبير في آليات العمل الجماعي والتنظيم. وندرك فداحة الأمر هذا، حين نعلم أن الأوطان تُبنى بالعمل الجماعي والمثابر والملتزم، وأيضا لا يمكن للثورات أن تنجح، مهما امتلكت من مطالب محقة أو عادلة، من دون امتلاك خصيصة التنظيم والمثابرة، كما لا يمكن لنظام أن يسقط من دون هذا التنظيم الموجه ضده، حتى لو فقد كامل مشروعيته الأخلاقية والسياسية والوطنية.
استنادا إلى عمل الفريق المعني بالمحاكمات السورية، يمكن تلمس عدّة نقاط، جعلت من عملهم ناجحا، وهي نقاطٌ يمكن تعميمها بهذا الشكل أو ذاك على عمل كل فريق سوري آخر، أو مجال آخر، بدءا من السياسي، وحتى المدني والاجتماعي.
أولا، امتلاك المؤهلات العلمية اللازمة لمزاولة أي عمل شرط ضروري ولازم، إذ لا يستقيم 
أي عمل من دونه، إذ ما كان لفريق العمل المذكور أن يحقّق ما حققه حتى الآن من نتائج، لو لم يمتلك القائمون عليه الخبرة والمؤهلات اللازمة، للقيام به، وهذا ما ينطبق على كل مجال آخر، حيث بتنا نجد "سياسيين" لا علاقة لهم بالسياسة، و"محللين" سياسيين أو اقتصاديين لا علاقة لهم بالتحليل، وامتلأ الوسط الإعلامي والمدني بمن لا علاقة له بهذا المجال، ما انعكس سلبا وفشلا في كل مكان.
ثانيا، لا يكفي امتلاك الخبرة والمعرفة ما لم يقترنا بآليات العمل الصحيحة والجدية، آليات تبدأ من معرفة البيئة التي يعمل فيها المرء ومقتضياتها. وبالتالي تحدد خطوات العمل بما يتناسب مع تلك البيئة وظروفها، إذ لا عمل في الفراغ، بل في بيئةٍ لها مصاعبها وشروطها التي على المرء أن يعرف كيف يذللها، ويتعامل معها. وهنا تقترن المعرفة بالخبرة بآليات العمل، إذ لا يكفي التحدث والصراخ عن إسقاط النظام، بل يجب العمل معرفيا ومهنيا لتحقيق ذلك.
ثالثا، المثابرة المقترنة بالإيمان بأهمية العمل الذي نقوم به، تغدو شرطا ضروريا للوصول إلى نتائج جيدة. وهنا لا معنى للمثابرة أيضا، ما لم تقترن بإيمانٍ من نوع آخر، ونعني الإيمان بأن الدرب طويل، ويتطلب صبرا وجهدا، وقدرةً على التغلب على الفشل الذي سيصادفنا خلال مسيرتنا هذه. وهذا درس مهم يمكن تعميمه على كل مجالات العمل السورية، بل أحد أسباب الفشل السوري في العمل العام يكمن هنا، فالجميع يبحث عن نتائج سريعة، غير مدركين أن العمل الناجح والجدي يحتاج زمنا وتراكما سبق لماركس أن تحدث عنه اقتصاديا، ويمكن تبنّيه (التراكم) في العمل المدني والسياسي والحقوقي، إذ لا تسقط الأنظمة في خمسة أيام، ولا تبنى البدائل في خمسة أيام، أيضا.
دروس ثلاثة مهمة، يقدمها لنا الفريق الذي عمل على رفع دعاوى قضائية ضد المجرمين والطغاة السوريين في أوروبا، وهي دروس يمكن أن تكون بمثابة دليل عمل لسوريين عديدين للخروج من حال الفوضى التي تحكم العمل السوري اليوم، وعلى أكثر من مستوى.
تحية لأنور البني وإبراهيم القاسم وميشال شماس ومازن درويش، وغيرهم من العاملين في الظل، ممن لا نعرف أسماءهم.
هكذا يُبنى الأمل، بالعمل والعمل.