تحترق الكاتدرائية فينبعث التاريخ

25 ابريل 2019
الصورة

حريق في كاتدرائية نوتردام في باريس (15/4/2019/Getty)

+ الخط -
حريق كاتدرائية نوتردام الباريسية فتح كل الصفحات. الخفيف منها كانت تلك السخافة التي سُرّبت من المنجّم اللبناني السوبر ستار، ميشال الحايك، أنه تنبّأ بهذا الحريق. ثم لغطٌ تلى "النبوءة"، استوجب حواراً تلفزيونياً لا يقلّ سخافة. بعدها أو خلالها، كانت الشماتة، أو الاستنكار ممن رأوا في حظوظها من الاهتمام ظلماً نال حرائق أخرى، معابد أخرى.. وأيضا، من فصيل المواقف نفسها، جسَّدها رئيس الوزراء المجري، زلوت سمجن، أن الحريق دليل على "فقدان الحياة الروحية في الغرب"... إلى ما هنالك مما يشبهه، حيث يتساوى انعدام الذوق مع حبٍّ جارفٍ لتسجيل نوع من الحضور، لا تستحقه الكاتدرائية، ولا تاريخ فرنسا. تلك الصفحة مكانها الإهمال. لا تفعل سوى اجترار مرارات، على خلفية هويتية ضيقة. صفحات أخرى فتحها الحريق، أكثر جدارة:
رئيس الوزراء المجري، عندما نطق بكرهه هذا للغرب، كان يعزف على نغم موجود في فرنسا، أحياه مشهد المصلِّين ركوعاً أمام الكاتدرائية وهي تحترق، ومعهم حشد الواقفين المشدوهين، يشاركونهم الغناء والصلوات، وبعده تدفّق الراهبات إلى المكان، وتصوير أحاديث عن الإيمان إلخ... كان هذا كله إشكالياً. أعاد النقاش عن الهوية الفرنسية، عن علاقة المسيحية بالعلمانية، داخل هذه الهوية. عن الشق الحضاري، والشق الإيماني في هذه الهوية. وتلخيص الإشكالية أن الكاتدرائية واحدة من رموز الأمة الفرنسية، وأن القاعدة الأخرى لهويتها هي العلمانية، وأن فرنسا تبقى كاثوليكية ثقافياً. هذا التخليص، المكرّر من زمان، لن يُعفي أحداً من سجالات لاحقة، سوف يعود فضلها إلى حريق الكاتدرائية.
صفحة الأديب والشاعر الرؤيوي، فُتحت أيضاً، فيكتور هوغو (1802-1885). كان عمره ثلاثة وعشرين عاماً عندما أصدر كتيّباً عنوانه "تدمير المعابد في فرنسا"، وبعدها بسبع سنوات مقالاً "الحرب على المهدِّمين"؛ يدين فيهما هدم الكنائس التاريخية من أجل الربح المادي 
الصافي. لكن روايته، "نوتردام باريس" خلّدت الكاتدرائية وشخصياتها الآسرة: الأحدب كازيمودو، المتيّم بالشخصية الثانية، الغجرية الجميلة إزميرالندا. لاحقاً، الرواية أُشبعت رواجاً في السينما والمسرح والأوبرا والكوميديا الراقصة. لكن وقت خروجها، انطلقت الموجة الرومانطيقية، صاحبة الحنين الجارف إلى أزمنة القرون الوسطى؛ بعدما كانت الثورة الفرنسية قد كرهتها، ودمرت جزءاً كبيراً من تراثها المعماري، من دون أن تقضي عليه. واليوم، بعد الحريق، عادت الرواية إلى قائمة الأكثر مبيعاً؛ وقد تعهدت دور النشر المصدِرة للطبعات الجديدة بأن تعطي جزءاً من أرباحها لصندوق إعادة بناء الكنيسة. وكأنها بذلك تردّ ديناً معنوياً للكنيسة التي أعادت القراء إلى الرواية. (تُرجمت الرواية إلى العربية بعنوان "أحدب نوتردام"، فيما هي في الأصل "نوتردام باريس". والفرق واضح بين العنوانين. "الشخصية" الرئيسة المقصودة بالرواية الأصلية ليست الأحدب، إنما الكاتدرائية).
صفحة من التاريخ، أيضاً؛ ارتفعت الكاتدرائية عام 1163، في زمن الصعود الاقتصادي والمديني لفرنسا. زمن محو الكنائس رومانية الطراز، لصالح الجديدة منها، أي الغوتيكية. احتضنت الكاتدرائية أول اجتماع فيدرالي فرنسي (1302)؛ ثم زفاف ماري ستيورت والملك فرنسوا الثاني (1558)، فضلاً عن زفاف مارغريت دي فالوا وهنري الرابع (1572). الزفاف الأول مهّد للحروب الدينية بمراحلها السبع، فيما الثاني لحقها في أواسطها. أيضا: تتويج نابليون بونابرت إمبرطوراً على فرنسا (1804) والذي خلّده الفنان الفرنسي جاك لوي دافيد. بل نداء الرئيس الفرنسي شارل ديغول للاحتفال بالتحرير من النازيين عام 1944، بقدّاس في كاتدرائية نوتردام؛ مسجلاً لحظة وطنية عالية يستعيدها الفرنسيون سنوياً. ثم وصية الرئيس السابق فرنسوا ميتران، أن يصلّى على جثمانه في الكاتدرائية، ومن بعده جورج بومبيدو. تواريخ كلها تربط الحدث بالكاتدرائية ربطاً محكماً.
كنوز الكاتدرائية المحترقة لا تقدّر بأي ثمن: رُفات قديسين، إكليل الشوك الذي علا جبين السيد المسيح يوم جلْجلته، حاجيات الطقوس الكاثوليكية للصلاة والشعائر الأخرى، نوافذ زجاجية 
مرسومٌ عليها وجوه القديسين، لوحات زيتية كلاسيكية بمشاهد دينية وروحية، تماثيل دينية.. كل هذا أثار نقاشاً عن البدائل. مثلاً: كيف نعيد بناء الأساس، أي الهيكل المحترق؟ بالمعادن أو الباطون؟ والجواب بالخشب السندياني نفسه الذي بُني به، فرحلة في غابات فرنسا، المزروعة بأشجار السنديان، وتأكيد بأن إعادة بناء الهيكل سوف يتم بهذه الأخشاب. وتصريح اختصاصي بالشجر أن "غابتنا تزوّدنا سنوياً بأكثر من مليوني متر مكعب من السنديان النبيل". تاريخياً، هذه الشجرة كانت ذات محمولٍ رمزي كثيف. إنها شجرة العدالة التي لا يجلس ملك إلا على كرسي من صنعها. ففي القرن الثاني عشر، لم تكن معروفة شجرة الأرز المقدّسة، المذكورة في الإنجيل. أما العمال المهرة الذين سينفّذون هذا الترميم، فلا بد أن يكونوا من جماعة "رفاق الواجب"، وهي جمعيةٌ عماليةٌ قديمة، مرتبطة بتاريخ بناء الكاتدرائيات الفرنسية، تهتم بإعداد العمال المهرَة إعداداً وثيقاً، بإيمان البنّائين القدماء، وبذلهم الروحي.
رئيس الجمهورية الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيس وزرائه، لم يتركا كلمة ولا طلّة ولا معنويات. ماكرون فتح باب التبرّعات، فانهالت أرقامٌ وصلت، حتى الآن، إلى 850 مليون يورو، ما يقترب من المليار دولار. العديدون انتقدوا تسرّع ماكرون بوضع حدّ زمني لإعادة ترميم الكاتدرائية، ورموا الظنون المعروفة بأنها قد تكون بوادر حملة انتخابية رئاسية مبكرة، فالرئيس التقط بسرعة مزاج الفرنسيين بعد احتراق الكاتدرائية.
من المؤسسات الفرنسية التي تبرّعت لإعادة الترميم، المعروفة لدينا، شركة أوريال لمواد التجميل، وتوتال للنفط، وعائلة أرنو المنتجة للكماليات.. إلخ. وهذا السخاء لم يمنع السخرية الغاضبة من السوبر أغنياء الذين يتهرّبون بهذه الطريقة من دفع الضرائب، ويصدّرون إلى الإعلام صورة القلوب الطيبة المعطاءة.. والاستهزاء برؤساء من دول العالم الثالث، ذارفي دموع التماسيح على الكاتدرائية، فيما هم يتسبّبون بتراجيدياتٍ إنسانيةٍ وعمرانيةٍ لا تُحصى.
بركات الكاتدرائية المحترقة نزلت على كنائس أميركية منسيّة. صحافي في "النيويورك ماغازين" استوحى من الحريق رسالةً إلى رواد السوشيال ميديا للتبرع لثلاث كنائس عائدة لأميركيين - أفريقيين في جنوب لويزيانا، أحرقها، الشهر الماضي، شابٌّ أميركي كاره للسود. الرجل حوكم، ولكن الكنائس بقيت مدمّرة. "رجاء، تبرّعوا لها كما تبرعتُ أنا!"؛ كان هذا نداء الصحافي الأميركي. راهنَ على الموجة العاطفية التي حلّت على الكاتدرائية الفرنسية، فحصد مليونا وثمانمائة ألف دولار أميركي.