القضية الفلسطينية على رصيف الانتظار

21 مارس 2016
الصورة
تمرّ القضية الفلسطينية بحالة من شلل وجمود تاريخي، احتشدت له أسباب دولية وإقليمية ومحلية وشخصية عديدة، أدخلتها في حالة من الستاتيكو السلبي، لم تعد تحرّكها أحداث كبيرة، كانتفاضة القدس، ولم تجد لها شخصيات تاريخية، كياسر عرفات، تكسر الستاتيكو بتغيير دراماتيكي، سلباً أم إيجاباً.
أعلنت الولايات المتحدة تجميد عملية السلام التي قادها وزير الخارجية جون كيري، وجال في المنطقة، من أجل تسوية مقبولة، لكنه أعلن عجزه أمام تعنّت نتنياهو. وزاد من الاعتزال الأميركي الموسم الانتخابي الذي لا يتحمّل أية سقطاتٍ سياسيةٍ من هنا أو هناك. ويبدو أن الدب الروسي دخل في حالة تحدٍ صلبة مع إدارة باراك أوباما، غير الجريئة على دخول تحديات ميدانية. وبالتالي، دخلت القوة العسكرية الروسية، للمرة الأولى، في الحراك الجيوسياسي في المنطقة، فضلاً عن صعود القوى الدولية الأخرى، وتأثيراتها المترافقة مع اختلاف وجهات النظر بينها. وبذلك لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد في المنطقة.
إقليمياً، تتأثر القضية الفلسطينية بالحراك العربي والإسلامي، وبمرحلة تشكيل الخرائط في المنطقة (في مئوية سايكس بيكو)، حيث يبدو أن الأزمة السورية تقترب من خواتيمها، وأن الجميع يريد حصةً من الحلّ، وينتظرون وضوح الصورة. لكن الوضع الأخطر ضغط النظام المصري المدعوم من دول حليفة في عدة اتجاهات، منها الضغط على المفاوضات التركية الإسرائيلية، وحثّه دولة الاحتلال على عدم القبول بتخفيف الحصار عن غزة، وهي معركة يعتبرها النظام جوهرية، ويرفض أن تكون غزة (كحديقة خلفية يراها منطلقاً إخوانياً للعمل ضده) منفتحة على غيره، أو حتى مرتاحة. بل بات التشديد على معبر رفح المصري أسوأ منه على معبر إيريز التابع للاحتلال. فضلاً عن خلافه الواضح مع تركيا. ويأتي تعيين أحمد أبو الغيط، أحد رموز نظام حسني مبارك، أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، أحد تجليات تحدي النظام المصري الربيع العربي، والمقاومة كفكرة، قبل أن تكون فعلاً. وإمعاناً في ممالأة دولة الاحتلال الإسرائيلي.
محلياً، تتجلى أسباب الشلل والجمود، في فشل عملية التسوية واقتصارها على التنسيق الأمني الذي يُعتبر شوكة في خاصرة الشعب الفلسطيني، خصوصاً مع اشتعال انتفاضة القدس. يؤكد عليه دائماً رجال السلطة الفلسطينية وقواها الأمنية، ومنها تصريح مدير المخابرات العامة، اللواء ماجد فرج، عن إفشال مائتي عملية ضد الاحتلال. كما أن حصار غزة والمقاومة يجعلهما منشغلتين عن أي تحريكٍ لمصلحة فك الحصار الذي يُعدّ الأقوى عليهما حتى الآن. يُضاف إلى ذلك، تعثّر مفاوضات المصالحة التي تحركت قبل شهر على خلفية اقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية، وحلّ مشكلة الموظفين في غزة. يسير كل ذلك الجمود المحلي على إيقاع الانتظار، انتظار الحركة البطيئة للرئيس الفلسطيني محمود عباس. وانتظار مرحلة ما بعد عباس التي أصبحت هاجساً يشغل أركان السلطة، ومنظمة التحرير وحركة فتح، ويتفاعل بالتأثيرات الإقليمية والدولية المحيطة به.
إذن، تقف القضية الفلسطينية الآن على رصيف الانتظار والجمود، في انتظار تحرّك المستنقع، إمّا بنشاط دولي أو إقليمي، يحل أزمة المنطقة، ويخرجها من عنق الزجاجة، وتتحرّك القضية ضمن حزمة واحدة للحل. أو أن ترمي جهةٌ من خارج هذه الحزمة حجراً في المستنقع، مثل حربٍ قريبة، وهذا ما نراه بعيداً بحساب مصلحة الجهات المتحاربة. أو كحركة غير عادية على طريقة المبادرات الخارجية والداخلية للرئيس الراحل ياسر عرفات.. أما الحركة البطيئة شبه المشلولة للرئيس عباس فهي أحد أسباب الستاتيكو القائم.
نحن أمام مرحلة تاريخية ومفصلية، تقتضي رفض هذا الجمود، وإيجاد الحل من الداخل، بخطوتين أساسيتين. الأولى: أن تكون القوى الرئيسية قادرةً على حمل المسؤولية وقيادة المرحلة، وهذا يتطلّب توحّد حركة فتح من جديد، بعيداً عن التشرذم وصراعات الوراثة الداخلية، فقوة فتح وضعفها يؤثران تأثيراً مباشراً على القضية الفلسطينية. والثانية: أن تؤدي هذه الوحدة إلى مصالحةٍ داخليةٍ جديّة استراتيجية، ليست مرتبطةً بالتغيّرات الإقليمية أو الدولية، بعيداً عن الصراعات الداخلية ومراكز القوى. ولا بدّ، هنا، من انخراط كل الفصائل الفلسطينية في المصالحة، فهي ليست كالتانغو الذي لا يتم إلا بشريكين، كما تقول الفصائل، بل كالدبكة الفلسطينية التي تحتاج جهد الجميع صفاً واحداً، وكتفاً بكتف.