العرب.. موعد مع ربيع آخر

02 ابريل 2019
الصورة
تموج شوارع العرب من جديد. أعمى من لم يشاهد هذا الحراك، حراك شوارع؛ اعتقد بعضهم أنها ماتت بعد سنوات من القتل والقمع والتنكيل بشتى الأساليب والأسلحة. يكفي أن تتابع الأخبار الآتية من سورية، تلك التي أراد لها سفاحها أن تموت تحت رحمة قنابله، وأن يقتل فيها حراك شعبها السلمي، فبعد ثماني سنوات من القتل والتنكيل والقصف والتهجير والاستعانة بكل شذّاذ الآفاق، ها هي ثورة الاحتجاج على هذا النظام تخرج للعلن، ما عليك سوى أن تتابع مواقع التواصل الاجتماعي لأكثر الداعمين لهذا النظام، وهي تخبرك بأن الثورة آتية من جديد. 
يكفي أن تقرأ ما يكتبه سوريون لم يخرجوا من مناطق سيطرة النظام، حتى تدرك أن ما كان يحاول النظام أن يلهي به شعبه بأنه يحارب الإرهاب، وأن مؤامرة كونية لإسقاطه، بات حجة بالية لم يعد يستمع لها أحد أو يصدقها.
هناك، في الشام اليوم، تدبُّ روح الثورة تدبّ، وهي التي بقيت متقدة. بدأ الناس يدركون أن الثورة بناء، الثورة إصرارٌ وتحدٍّ، الثورة لا تنجز في عام أو عامين، بل ربما تحتاج إلى جيل أو جيلين. في درعا تحديداً، تتجدد تلك الروح، الروح التي نفخت في جسدٍ ظنه بعضهم ميتاً، فمن هذه المدينة التي انطلقت منها ثورة الشام البيضاء، عادت الجموع تتحدّى، خرجت رفضاً لتمثال الأسد الأب الذي تم نصبه، خرجت لتقول للنظام مات من مات، ولكن من بقي مصرّا على مواصلة الدرب، فقد دفع الشعب الثمن الأكبر، ولن يتراجع.
وكذا الحال في اليمن، فهذا الشعب الذي أثقلته الحروب، وأنهكته الأمراض، وملأ الفقر أرضه 
السعيدة، يحاول الآن أن يستعيد زمام مبادرته، إنه يريد أن يقول للجميع إن أهل اليمن أدرى وأعرف وأحكم بحالهم وحال شعابهم، وأنه آن الآوان للجميع أن يغادروا، كل هذا الجميع الذي جاء قادما من إيران أو من السعودية أو من الإمارات.
ولعلك سمعت بما جرى ويجري في مصر، فحكم القمع الذي اعتقد بعضهم أنه قضى على روح الثورة لدى الشعب المصري، يعاني اليوم من بوادر موجةٍ ثوريةٍ جديدةٍ بدأت تقترب، نعم قد لا يلاحظها كثيرون، ولكنها قادمة، وهي "مش لوحدها"، فقد انطلق من جديد قطارها، وبات يستقبل كل يوم ركابا جددا، يريدون أن ينتقلوا من محطة اللاثورة أو الثورة غير المكتملة إلى الثورة، ثورتهم التي خطفها العسكر في غفلةٍ من الزمن، أو ربما في لحظة تآمر كبرى، ما زالت أسطوانتها تصدح في شوارع القاهرة.
لن أتحدث عن الجزائر، تلك الثورة الخضراء الناضجة التي تسير بحكمة وبصيرة إلى طريقها الذي تريد، فقد تحدثت شوارع الجزائر بلغةٍ واضحة مفهومة. الغريب أن النظام هناك هو نفسه الذي كان في سورية أو مصر قبل ثورة 25 يناير أو حتى تونس أو اليمن أو ليبيا. لا يفهم تلك اللغة، على الرغم من أنها لغة مكررة، وتشبه لغة أشقائهم في شوارع عربية أخرى، ولكن النظام هو أيضا، على ما يبدو، نسخة أخرى من أنظمة العرب، لا يريد أن يفهم، وربما سيفهم بعد فوات الأوان.
في الجزائر، لم تبدأ الثورة قبل أسابيع، إنها امتداد سنوات طويلة من النضال الشعبي الجزائري، قبل أن تختطفه يد الإرهاب المصطنع، وما نشاهده اليوم من حراك شعبي ما هو إلا امتداد لتلك الروح الثورية التي تريد أن ترى مكاناً لوطنها، يليق به وبتضحياته وبشهدائه. وفي السودان، يبدو أن الثورة نضجت، وحان موعد قطافها، فقد أجبرت الاحتجاجات الشعبية النظام على إجراء تغييرات كبيرة، ربما نجحت في تهدئة الشارع، إلا أنه هدوء من يراقب الأوضاع، فإذا لم تنجح تلك التغييرات في تلبية مطالب الشعب، فإن الثورة جاهزة والشعب مستنفر.
موجة الربيع العربي الثانية بدأت، وعلى الجميع أن يستعد، غير أن ما يميز هذه الموجة أنها ستكون أكثر وعياً، سواء لدى من يحرّكها من قادة الرأي في المجتمعات العربية، أو لدى الجماهير نفسها، فهي لن تكون بالعشوائية والعفوية التي انطلقت بهما قبل أكثر من ثمانية أعوام.
حتى الأنظمة العربية التي تعاملت بقوة وعنف مفرط لن تكون، هذه المرة، قادرةً على أن
 تمارس الدور نفسه، الشعوب اليوم أكثر وعياً وأكثر قدرة على الاحتجاج بطريقةٍ يمكن أن تضع الأنظمة في زاوية حرجة. وبالتالي على الأنظمة العربية أن تدرك ذلك جيداً، وأن لا تغامر مرة أخرى باستخدام العنف ضد شعوبها.
وربما حتى القوى الدولية الكبرى التي لعبت دوراً في إخماد ومحاربة الموجة الأولى من ربيع العرب. عليها، هي الأخرى، أن تعيد حساباتها، خصوصا أن بعض الأنظمة العربية التي استخدمتها لإنجاز الثورة المضادة، مثل الإمارات والسعودية، تعيش، هي الأخرى، أزمتها الخاصة، سواء في اليمن والحرب الكارثية التي شنتها الرياض وأبو ظبي، أو بسبب سياسات السعودية الداخلية والخارجية التي ألّبت عليها الرأي العام الدولي.
الموجة الثانية لربيع العرب قادمة، كل الأسباب التي أدّت إلى موجة الثورة الأولى ما زالت قائمة، بل وأكثر منها، فقد عرفت الشعوب حقيقة أنظمتها، فتجربة السنوات الثماني أسقطت كل الأقنعة التي كانت تتخفى وراءها أنظمة وحكومات عربية.
تعليق: