السيسي يبتدع "منظوراً غربياً" لحقوق الإنسان

17 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
هناك ملاحظات عديدة على أداء عبد الفتاح السيسي الإعلامي أمام الإعلام الغربي، في المؤتمرات الدولية واللقاءات والتصريحات والمؤتمرات الصحافية بحضور رؤساء وزعماء أوروبيين، أو حتى في اللقاءات الإعلامية المنفردة أمام وسائل الإعلام الغربية. ومن أهم هذه الملاحظات أنه لا يستطيع وقتها تكرار الهراء الذي يذكُره في مصر عن نظريات المؤامرة وحروب الجيل الرابع ودول الغرب التي تريد تدمير مصر، فهذه الخرافات هي للاستهلاك المحلي، ولخداع البسطاء، ولتبرير الفشل في إدارة الدولة.
الملاحظة الثانية استخدام المخرج نفسه (أو المهرب) للهروب من الأسئلة وانتقادات حقوق الإنسان، فيتجاهل الرد عمّا يُثار من معلوماتٍ ووقائع عن انتهاكات وممارسات مثبتة، ليتحدّث عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأنها أيضاً من حقوق الإنسان، وهذا صحيح بالمناسبة، لكنها كلمة حق يراد بها باطل، ويراد بها المراوغة والهروب من الإجابة. والملاحظة الجديدة هي الذريعة التي بدأ استخدامها، منذ المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، في إبريل/ نيسان الماضي، عندما تحدّث عن المفهوم الغربي لحقوق الإنسان (أو المنظور الغربي)، وهي أيضا عبارة يُراد بها باطل. فهل لحقوق الإنسان مفهومان، غربي وشرقي؟ وهل توجد قيم أساسية وقيم مشتركة؟

يعيدنا السيسي، بهذه الذريعة الجديدة، عشرات السنين إلى الوراء، إنه يستخدم ذرائع أجواء الحرب الباردة وحججها والنقاشات الفلسفية والفكرية بين المعسكرين، الشرقي والغربي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
ربما لا يعلم أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرّته الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 1948، وكان بمثابة الجيل الأول لحقوق الإنسان. لكن، هل يعلم السيسي أن مقرّر لجنة حقوق الإنسان التي وضعت الإعلان كان عربياً لبنانياً، هو شارل مالك؟ لا أعتقد أن السيسي يهتم بتلك التفاصيل، فهو في خطابه الشعبوي الداخلي، أو خطابه المراوغ الخارجي، لا يعترف بحقوق الإنسان. هل يعلم أنه كان هناك مقرّر عام في الوفد المصري في لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، هو محمود عزمي الذي شارك أيضاً في المشاورات الخاصة بالإعلان، وترأس اللجنة في إحدى السنوات. ربما كان يعلم، لكنه بشكل عام يعتبر أن هناك منظوراً شرقياً ومنظوراً غربياً، وبالتالي، لا بد أن يتجاهل ما يطلق عليه منظوراً غربياً لحقوق الإنسان، لأنه لا يتوافق مع مصر، ولا مع الحرب المزعومة على الإرهاب.
ولكن، ما هو الذي يعتبره السيسي منظوراً غربيا لحقوق الإنسان، ولا يصلح للتطبيق في الحالة المصرية، وما هو المنظور الشرقي الذي يسعى إلى تطبيقه، ويبيح له ما يفعله أو يشجعه من انتهاكات؟ هل يمكن اعتبار التعذيب في السجون وأقسام الشرطة من هذا المنظور الشرقي لحقوق الإنسان؟ وهل يمكن اعتبار تلفيق التهم والتوسع في الحبس الاحتياطي من مفاهيمها الشرقية التي تتوافق مع القيم والأخلاق الشرقية؟ وماذا عن الاختفاء القسري والكذب والتدليس والمراوغة؟ وماذا عن تشويه السمعة والاغتيال المعنوي لكل من يعارض أو يخرج عن القطيع؟ وماذا عن التسريبات غير القانونية وانتهاك الحياة الشخصية والقصص واللصق بهدف التضليل والتشهير؟ هل يمكن نسبة هذه الانتهاكات إلى المنظور الشرقي لحقوق الإنسان التي تتوافق مع التقاليد والدين والأخلاق الشرقية؟
ولكن، أليس وجود مصري ولبناني في لجنة حقوق الإنسان التي صاغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينفي مزاعم السيسي وذرائعه وتقسيمه قيم حقوق الإنسان شرقية وغربية؟ ألم توقع الدولة المصرية على معاهدات وإعلانات دولية عديدة لحقوق الإنسان، والتي تلزمها بما تم التوقيع عليه من بنود، مثل احترام حرية الرأي والتعبير والعقيدة والمساواة في الحقوق والحفاظ على الكرامة وعدم التمييز بين المواطنين؟
الجدير بالذكر أيضاً أن ذرائع وعبارات مماثلة للتي يستخدمها السيسي، هذه الأيام، من أجل المراوغة والالتفاف على الالتزام بحقوق الإنسان، كانت تستخدم قبل عدة عقود، وانتهت بانتهاء الحرب الباردة، فقد كان الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية يستخدمون ذرائع السيسي، عندما يوجه لهم نقد في الأمم المتحدة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، وكانت الأنظمة السلطوية الفاشية والعسكرية تستخدم الذرائع والحجج والتنظيرات نفسها عن القيم الغربية أو ذريعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وبالطبع، لا نذكر أن فكر حقوق الإنسان ذو أصول غربية يعود إلى عصر النهضة ونظرية القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية التي تلازم الإنسان بمجرد ولادته. ولذلك، لوحظ التركيز الغربي الليبرالي على الحقوق الفردية للإنسان، والتي تتمثل كذلك في الحقوق السياسية والحريات، فيما كان تركيز الفكر الاشتراكي على فكرة الحقوق الجماعية والحريات الجماعية. وقد لوحظ هذا التعارض (أو الصدام) بين الفكرين الليبرالي والاشتراكي للمعسكرين الغربي والشرقي، منذ بدايات صياغة ميثاق الأمم المتحدة، ثم صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أربعينيات القرن الماضي. ولكن، حدث بعض التوازن بعد إصدار ما يطلق عليه الجيلين، الثاني والثالث من حقوق الإنسان، مثل العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في 1976، ثم الإعلانات والمعاهدات الدولية عن الحق في التنمية وفي بيئة سليمة.
وقد خفت الجدال النظري حول المنظور الشرقي والغربي، أو الحقوق الفردية وحقوق الجماعة، بعد صدور العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واختفى هذا الجدال تقريباً منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبدء اعتبار الديمقراطية قيمة أساسية ونظاماً عالمياً للحكم، وكذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واتجاه دول شرق أوروبا نحو الديمقراطية. وها هو السيسي يحاول إعادتنا إلى تلك المصطلحات التي عفا عليها الزمن، ويستخدمها للمراوغة، فعلى الرغم من أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصبحت جزءاً من حقوق الإنسان، ولا تقل أهمية عن الحقوق السياسية، وعلى الرغم من أن حقوق الإنسان، في عصرنا هذا، تعتبر وحدة واحدة لا تتجزأ، تشمل السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هذا النظام الذي يتشدّق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما كان يفعل المستبدون منذ عشرات السنين، لا يستطيع حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وينتقل من فشل إلى فشل أكبر وأزمات اقتصادية أكبر، بسبب غياب الشفافية وغياب التخطيط وغياب الحكم الرشيد وغياب الديمقراطية وإشراك الشعب.

وما قيمة الحديث المعاد عن حقوق اقتصادية واجتماعية، واستخدامها الذرائع والمراوغة، إذا كانت الحقوق المدنية والسياسية تنتهك بشكل ممنهج، فالتجربة أثبتت أن من ينتهك الحقوق السياسية سينتهك، بالتأكيد، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومن يحترم الحريات والكرامة سيستطيع، بالتأكيد، تحقيق التقدم والنمو والتنمية والعدالة الاجتماعية.
ولذلك، لا تتعجب عندما تجد الخلط المتعمد نفسه، والذرائعية والمراوغة وإدخال الأمور في بعضها لدى نواب البرلمان المصري المشوّه، فبمنطق مراوغة السيسي، وجدنا نائباً، من المفترض أنه يمثل حزباً يدّعي الليبرالية، يكرّر الخرافات نفسها عن المؤامرات الكونية، والاتهامات نفسها للمنظمات الدولية غير الحكومية، مثل "هيومان رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، أنها مخابراتية ومتآمرة على مصر، وأن تقاريرها عن الانتهاكات وحملات الاعتقالات والتوسع في الحبس الاحتياطي المفتوح غير حقيقية، لأن مصر بلد الديمقراطية، وخالية من أي انتهاكات. وتساءل عن تقارير هذه المنظمات عما يحدث في فلسطين أو معتقل غوانتنامو. ولا يعلم هذا النائب أن تقارير لهذه المنظمات تنتقد الانتهاكات الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، وتقارير تنتقد أوضاع المعتقلين في غوانتنامو، وهو لا يعلم أن ردود نواب الكنيست الإسرائيلي وبعض نواب الكونغرس من الحزب الجمهوري تتشابه مع خطابه وخطاب الذرائع والمراوغة والحديث عن الحرب على الإرهاب. وغاب عنه أن إسرائيل تعتقل الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم، والولايات المتحدة تعتقل المقاتلين من أعضاء تنظيم القاعدة وتنتهك حقوقهم ولا تعاملهم أسرى حرب، لكن السلطات المصرية تفعل الأسوأ ضد مواطنين مصريين، جريمتهم المعارضة والتعبير عن الرأي، وربما التظاهر السلمي، ولم يرفعوا سلاحاً، ولم يحاربوا الدولة ولم يستخدموا العنف، ولن يفعلوا.