السياسة الأميركية وأسعار النفط

27 سبتمبر 2018
الصورة
ترامب يطالب أوبك وروسيا بتخفيض أسعار النفط (Getty)

شهد الأسبوع الماضي حدثاً جديداً في سوق النفط العالمية. الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالب مجموعة أوبك وروسيا بالعمل على تخفيض أسعار النفط عن طريق زيادة إنتاجهما، أو المعروض منهما في الأسواق العالمية، بمقدار مليون برميل يومياً. وهذا يساوي تقريباً 3.3% من إنتاج "أوبك" اليومي، وحوالي 1% من صادرات النفط العالمية. وكان ترامب يهدف إلى عدم السماح لأسعار النفط بالارتفاع. 

أجاب وزير النفط السعودي، خالد الفالح، يأن المملكة لن تقدر على ذلك لأسباب فنية، ولأن طاقتها الإنتاجية تراوح عند حدودها القصوى.

وكان رد الفعل الروسي أكثر وضوحاً، إذ رفضت روسيا ذلك. وبسبب هذا الموقف المحدّد من عدم التأثير المباشر على أسعار النفط لكي تنخفض، فقد ارتفعت أسعار النفط ليتجاوز سعر البرميل حاجز الثمانين دولارا، أو بزيادة تقدر بدولار وربع الدولار، أو ما يساوي 1.6%.
ولقد أكدتُ كثيراً، عبر المقالات التي كتبتها في "العربي الجديد"، وفي المقابلات التلفزيونية التي أجريتُها، أن "أوبك" وحدها ربما لا تكون قادرة على التأثير على أسعار النفط صعوداً، لأن هذا يعني أنها سوف تقلّل إنتاجها فيرتفع السعر، وتدخل الدول النفطية المنتجة من خارج "أوبك" لكي تزيد إنتاجها.

ووجدت المملكة العربية السعودية تحديداً أن استمرار الاعتماد عليها في تقليل إنتاجها اليومي الكبير لدعم الأسعار بفقدها في المدى المتوسط والطويل بعض الأسواق. ولهذا، قاومت المملكة أي ضغوطٍ عليها، لتنفرد بتخفيض إنتاجها.

وأمام هذه الظروف، تضافرت معها دول من خارج "أوبك"، وخصوصا روسيا الاتحادية، ما أحدث قوة تقدر بحوالي 39 مليون برميل إنتاجا يوميا، ما يجعل هذه الكتلة أكثر تأثيراً في تحديد السعر في الأسواق العالمية.

والسؤال المطروح على بساط البحث: لماذا طالب الرئيس الأميركي بزيادة الإنتاج في الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة أكبر دولة منتجة للنفط؟ ولم تتبوأ الولايات المتحدة هذا المنصب إلا بسبب ارتفاع أسعار النفط السائل، ما مكّن الآبار الهامشية في الولايات المتحدة من أن تستعيد جدواها، وتبدأ في الإنتاج من جديد. وكذلك فإن صناعة الحفارات ازدهرت مبيعاتها للراغبين في التنقيب عن النفط.
وأخيراً وليس آخراً، فإن كلفة استخراج النفط السائل من الصخر الزيتي أعلى من كلفة استخراج النفط التقليدي. وبسبب وفرة النفط الصخري تحديداً في الولايات المتحدة، فقد زاد إنتاجها، وصارت تقول إنها صارت الأولى على العالم في إنتاج النفط.

هذه الحقائق تجعل طلب الرئيس الأميركي بوضع سقف لأسعار النفط أمراً يلحّ على إيجاد مبرّراتٍ لمثل هذا الطلب. وقد شهد الاقتصاد العالمي، خصوصا في النصف الثاني من هذا العام، زيادة ملحوظة في الطلب، ما أدّى إلى قفز سعر النفط (برنت) من حوالي 70 إلى حوالي 80 دولاراً للبرميل الواحد، أو ما يساوي تقريبا 71 دولارا كسعر للنايمكس.

قد يكون السبب الأساسي عائداً إلى رغبة الرئيس الأميركي في إبقاء الناخب الأميركي سعيداً بعدم رفع أسعار وقود السيارات عليه. ويقدّر عدد السيارات المرخصة للسير على الطرق في الولايات المتحدة عام 2017 بأكثر من 270 مليون سيارة.

ويشكل هؤلاء عدداً يفوق عدد المقترعين بكثير. ولذلك، فإن رفع أسعار البنزين بالذات لن يُحدِث أثراً طيّباً على نتائج انتخابات الكونغرس النصفية، والمقرّر أن تجري في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
المبرّر الثاني لهذا الطلب أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى تعزيز دورها الدولي في مختلف المجالات، علماً أنها بدأت تنسحب تدريجياً من الأسواق العالمية. فقبل أيام، بدأت الإدارة الأميركية بتطبيق زيادة التعرفة الجمركية على مستوردات إضافية من الصين بقيمة مائتي مليار دولار، وبنسبة 10%، وفعلت الشيء نفسه، قبل ذلك مع أوروبا. وهي تفرض عقوبات اقتصادية على دول كثيرة، وتدخل في حرب عملاتٍ وغيرها.

وتعتمد إدارة الرئيس ترامب في التفاوض على إثبات مقدرة إدارته على انتزاع تنازلاتٍ من غُرَمائه التجاريين والاقتصاديين. وهو لذلك يريد دائماً أن يبقى، في نظر باقي العالم، السيد الآمر الناهي. وهكذا، فإنه لم يجد القبول لهذا الطلب حتى من حلفائه.

والمقاربة بين ما فعلته الولايات المتحدة والدول الأوروبية من أجل احتواء هيبة منظمة أوبك، واستبدال المؤثرات الأساسية على أسعار النفط لتعتمد على كل ما هو أميركي مثل سعر صرف الدولار، وسعر الفائدة على الدولار، والتغير في المخزون الأميركي من الوقود، وغيرها. قد بدأت تثبت أن الأمور آخذةٌ في التغير.

الموقف الأخير للمملكة العربية السعودية ومجموعة أوبك وروسيا يسعى إلى تذكير الولايات المتحدة بأن سمة الاقتصاد الدولي هو التغيير، وأن الطبيعة تكره الفراغ، فانسحاب الولايات المتحدة إلى الحمائية، والانزواء الداخلي يفتح المجال أمام دول كبرى، مثل روسيا والصين والهند واليابان، والاتحاد الأوروبي، لكي تملأ ذلك الفراغ.
ولعل المبرر الثالث هو السعي، عن طريق تخفيض سعر النفط، إلى إيذاء خصوم الولايات المتحدة المعتمدين على النفط بشكل خاص مصدرا أساسيا لإيراداتهم، مثل روسيا وفنزويلا، وبالطبع إيران.

ومع نجاح سياسة إرباك اقتصادات بعض الدول، عن طريق التلاعب بأسعار صرف عملاتها، كما حصل في إيران وتركيا وفنزويلا والأرجنتين، فإن الإدارة الأميركية قد تسعى إلى فرض مزيد من الضغوط عليها، بحرمانها من إيرادات النفط.

ومن المفارقات اللافتة للنظر أن الولايات المتحدة نفسها قد ساهمت بسياساتها من أجل حرمان إيران من تصدير نفطها، ورد إيران بأنها ستغلق مضيق هرمز لمنع تصدير نفط دول الخليج عبره، وغيرها من التهديدات ساهم في تحريك أسعار النفط إلى الأعلى.

النقطة الأخيرة التي تستحق التأمل هي لماذا صرّح وزير النفط والصناعة السعودي، وهو أيضاً رئيس مجلس إدارة شركة أرامكو، رافضاً الطلب الأميركي.

قد يتصل السبب الأول بالقرار الذي أجل عرض 5% من أسهم شركة أرامكو في أسواق البورصة العالمية، والذي كان متوقعاً أن يستقطب حوالي 100 مليار دولار للشركة، بافتراض أن قيمة الشركة تساوي تريليوني دولار، وإذا ارتفع سعر النفط، فإن قيمة الشركة سوف تزداد، وترتفع معها قيمة سهم الشركة في الأسواق العالمية.

وقد يكون السبب الثاني هو كلفة الحرب في اليمين، وخصوصا المبالغ المدفوعة للولايات المتحدة مقابل الخدمات اللوجستية والفنية والاستخباراتية التي تقدمها وحدات الجيش الأميركي لقوات التحالف. وبحسب التقارير المنشورة، فإن كلفة هذه الخدمات قد تصل الى عشرة مليارات دولار شهرياً.
وقد يكون السبب الثالث متصلاً بتغير الموقف السعودي الرسمي حيال نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، واعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة يهودية. وقد صرح العاهل السعودي، قبل شهرين، إن حل الدولتين قائم، وإن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين.

وضع حد للتدخل الأميركي في القضايا العربية بادعاءات أن دول الخليج تقف معه في كل مشاريعه العدوانية في المنطقة يجب أن يُدحض، لأن شهية إدارة ترامب، ولامعقولية طلباته من حلفائه، تزداد كماً وكلفةً، كلما وجد استجابة من هؤلاء الحلفاء.

وإن خالفوه مرّة، فإنه يمسح كل ما قدموه له سابقاً، ويعتبر أن شيئاً لم يكن. وهو يفعل هذا مع أقرب الحلفاء إليه في أميركا الشمالية وأوروبا والمحيط الهادئ.