الساروت والموقف من القوى الجهادية

03 يوليو 2019
الصورة
أنتج خبر استشهاد الشاب السوري الثائر، عبد الباسط الساروت، سجالاتٍ عديدة بشأن الموقف من القوى الجهادية المتطرّفة والمتعاونين معها، ومن عسكرة الثورة أحيانا، وإن كانت غالبيتها متخفية بالحديث عن الموقف من الساروت ذاته، وخصوصا بما يتعلق بموقفه من هذه القوى جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحديداً؛ بعدما أثار نبأ استشهاده مشاعر الغالبية العظمى من السوريين المناصرين للثورة الذين اعتبروه رمزا ثوريا، أو تجسيداً حقيقياً للثورة السورية بكل ألقها وكبواتها وعثراتها وأهدافها ونبلها. وعليه، من المجدي البناء على هذا النبأ الأليم، لتسطير مراجعة دقيقة وموضوعية شاملة لمسار الثورة، ولتكن البداية من تفنيد الموقف من القوى الجهادية والمتطرّفة وشرحه بكل وضوح، بهدف توضيح الظروف السورية والمنطلقات الأساسية التي يُبنى عليها الموقف السياسي والإعلامي، وربما العسكري، من دون الدخول في مهاترات إدانة الساروت أو تبرئته، مع التأكيد على ضرورة إدانة جميع الأصوات السياسية والإعلامية المسؤولة عن تضليل وحرف وعي السوريين ومواجهتها، لما دافعت عن دور القوى الأصولية والمتطرّفة والرجعية في أي مرحلة كانت.
مؤاخذة (أو محاكمته؟) الساروت، أو أي سوري، مهما كانت درجة تحصيله العلمي؛ عمره؛ خبراته السياسية، يجب أن تنطلق من دراسة الظروف الموضوعية والذاتية، ومكانته ودوره في جميع مراحل الثورة، وقراءة تقاطعاتها مع توجهات قوى الثورة المضادة، وخصوصا الجهادية والمتطرّفة منها. وهو ما يتطلب تفكيك بنية القوى الجهادية والمتطرّفة، بغرض ملاحظة 
التناقضات داخل تركيبتها القيادية والقاعدية، ومن أجل فهم أسباب التحاق بعض السوريين، أو كثيرين منهم، بها في بعض الأحيان، والانكفاء عنها في أحيان أخرى، بل والتصدّي لها ومواجهتها. إذ تتكون التنظيمات الجهادية والمتطرّفة، كأي بنية أخرى، من مستويين تنظيميين، قيادي وقاعدي، ومن مستويين عقائديين، يمثل الأول من تشربوا عقيدة التنظيم، والثاني يمثل مجموعة عملت ضمن التنظيم لغايات مختلفة؛ منها الحماية؛ العائد المالي؛ المكانة الاجتماعية؛ السلاح... إلخ. والمعلوم أن أعباء إدارة التنظيم داخليا وخارجيا تقع على مستوى القيادة التي تتحمل كذلك تحديد الخطاب والنهج والسياسات المرحلية والاستراتيجية. وبالتالي، هي المسؤولة، بالدرجة الأولى، عن الخطاب الطائفي والإقصائي، وعن تحريض القاعدة الشعبية تجاه المختلفين عنهم فكريا وعقائديا، وأحيانا المختلفين بالمظهر أو السلوك الشخصي، ما يجعلها المسؤول الأول قانونيا وسياسيا وأخلاقيا عن جميع توجهات التنظيم وممارساته، وفق حجم كل من مكوناته العسكرية؛ العقائدية؛ المالية؛ والإعلامية، ودوره. بينما يتم التعاطي القانوني والأخلاقي والسياسي مع المنتمين للتنظيم أو مناصريه، وفق محدّداتٍ تعنى بتقصي الأفعال والممارسات الشخصية والجماعية التي شاركوا فيها، وهي عملية صعبة جداً قد تحول دون التأكد من حجم مسؤولية كل منهم، ما يجعلهم أقل عرضة للمحاسبة القانونية؛ باستثناء من ثبت بالدليل القاطع دوره أو سلوكه في تلك الحقبة.
وبالتالي، الموقف السياسي والأخلاقي والقانوني الواضح من هذه التنظيمات هو إدانة جميع الأطراف المسؤولة عن ممارساته وخطابه، من الداعمين والممولين إلى القيادات، مروراً بأدواته التنفيذية المباشرة، مثل بعض المجموعات المسؤولة عن تجسيد سياسات التنظيم، كالمحاكم الشرعية، دور الإفتاء، هيئات الأمر بالمعروف وما شابهها، والذين يعبرون، بالقول والفعل، عن تشربهم عقيدة التنظيم الإقصائية والطائفية والإجرامية، ويخدمون، بقصد أو من دونه، مصالح داعمي التنظيم الرامية إلى تخريب الثورة وحرفها عن مسارها الوطني والإنساني. أما بقية بنية التنظيم البشرية، فمنها فئات شعبية مهمة أُرغمت على مشاركة التنظيم، وعملت معه في موضع أو مرحلة معينة، نتيجة غياب البديل الحقيقي، أو حتى الوهمي، أو ربما بغرض الاستفادة من إمكاناته العسكرية الكبيرة والضخمة، من أجل صد اعتداءات النظام وحلفائه الطائفيين والدوليين، أو بغرض حماية أنفسهم، وربما عائلاتهم، من إجرام التنظيم، وربما نتيجة بحثهم عمّا يسد رمقهم، ويعينهم على مواجهة أيام الحصار الطويلة والصعبة، وهم من الأشخاص الذين لم يفوّتوا أي فرصةٍ للخلاص من التنظيم ومغادرة مركبه. ومنها أيضاً فئاتٌ اعتقدت، في مرحلةٍ، أن هدف التنظيم الحقيقي يتجسد في تحرير سورية من قبضة الأسد، وتحقيق أهداف الثورة، خصوصا بعد الاستماع إلى تصريحات بعض السياسيين والإعلاميين، أو بحكم عجزهم عن سبر أسرار التنظيم وإدراك غاياته، قبل الانخراط في العمل معه.
في كل الأحوال، لا تمكن إدانة هذه الفئات الشعبية من دون إيصال أصواتنا إليها، وشرح حقيقة الأوضاع التي قد تجهل بعضها، والأهم من دون منحها خياراً آخر، وطنيا بالضرورة، قريبا 
منها يعيش الظروف السيئة والصعبة نفسها التي تواجهها، ويمتلك خطة أو استراتيجية، ولو بسيطة، لمواجهة هذا الوضع، ومحاولة تغييره، بما يصبّ لصالح المدنيين المحاصرين والمعرّضين لإجرام الأسد وحلفائه من جهة، والجهاديين والمتطرّفين، من جهة أخرى، وبما يكفل لاحقا واقعا جديدا يلبي مصالح الغالبية العظمى من السوريين ومطامحها، ويساهم في بناء دولة مواطنة، تكفل حقوق جميع أبنائها. وما دون ذلك، الأحرى بنا إدانة أنفسنا على تقصيرنا في بناء هذا البديل الوطني الذي ساهم غيابه في إفراغ الساحة لصالح القوى الجهادية والمتطرّفة ووكلاء الخارج، وأتاح الفرصة أمام دول العالم، لتتلاعب بمصير سورية. رفض التنظيمات الجهادية والمتطرفة وإدانتها يمثلان الحد الأدنى غير الكافي للقضاء عليها، الذي لن يكتمل من دون بناء بديل وطني داخل سورية، وفي أشد الأماكن صعوبة وقسوة، ومن بعدها سوف نجد أن عملية قهر التنظيم وطرده من جميع حارات سورية وأزقتها أمرٌ سهل وفي المتناول، وبأقل الخسائر والتكاليف. كيف لا؛ ولنا أمثلة عديدة ومتعدّدة، تمكن فيها المدنيون من طرد التنظيمات الجهادية بكل يسر وسهولة، في غوطة دمشق ودوما تحديدا؛ وحمص؛ وبعض قرى إدلب أيضاً.
في الختام، يجب التذكير بأن الصوت الذي هدر بالجموع "جنة جنة جنة"، و"حانن للحرية حانن"، لم يزعم يوما أنه قائد سياسي أو ثوري، ولم يسع إلى تبوء أي منصب داخل سورية أو خارجها، بل كان، منذ البدايات، ثائرا كغيره من الثوار الذين ينشدون الحرية والعدالة والمساواة لجميع أبناء بلده، أجبره عنف النظام وخواء المعارضة وضيق أفقها على حمل السلاح دفاعا عن المدنيين والبلدات السورية، مع يقينه ويقين مئاتٍ وآلاف مثله بأن العين لا تقاوم المخرز، وبأن النظام صامد حتى اللحظة، نتيجة الدعم والحماية الدولية، لكنه كان موقنا أن إرادة الشعب أقوى من جبروت النظام والعالم أجمع؛ وأنه الضامن الوحيد لدحر وكلاء الخارج والجهاديين والمحتلين والمستبدين عندما يستعيد حيويته الأولى.
تعليق: