الحكومة التونسية ومحاذير المرحلة

الحكومة التونسية ومحاذير المرحلة

20 ابريل 2017
الصورة

ضوت احتجاج في العاصمة التونسية (13/4/2017/الأناضول)

+ الخط -
تشهد تونس، هذه الأيام وفي مناطق مختلفة، احتجاجات شعبية على خلفية اجتماعية، تطالب بالتنمية وبالعدالة في توزيع الثروة الوطنية، من أجل مجاوزة التفاوت بين الجهات. وإذا كان من الطبيعي أن تشهد الدول النامية مثل هذه التحركات، خصوصا عند الأزمات الاقتصادية، وتعطل سير النمو الاعتيادي للاقتصاد، فإن نمط التعامل مع مثل هذه الأحداث هو الذي يصنع الفرق بين الأنظمة السياسية الحاكمة والحكومات التي تدير الشأن العام. فثمة مسافة فاصلة بين الأنظمة الاستبدادية التي تمارس القمع والعنف ضد المحتجين، وتقوم بالتعتيم إعلاميا على سير الأحداث والأنظمة التي تتيح هامشا من الحريات لشعبها ليعبر عن غضبه وضيقه من السياسات الرسمية الفاشلة، غير أن هذا لا يعني أن الحكومات في الأنظمة الأكثر ديمقراطية تمارس نوعا من اللامبالاة تجاه مطالب قسم من شعبها، وإنما عليها أن تبذل جهدا من أجل حل الأزمات، والحد من الأضرار المجتمعية، وتحقيق الحد الأدنى من المطالب الشعبية على الأقل.
وفي الوضعية الحالية في تونس، تعاني حكومة يوسف الشاهد عجزا حقيقيا في التعامل مع الأحداث، وفي إيجاد سبل واضحة لتصريف الأزمات، فما يجري في تطاوين وفي ولايات أخرى تعاملت معه الحكومة بنوع من العجز الظاهر، سواء في التواصل مع جمهور المحتجين أو في تقديم حلول واقعية وفعلية قادرة على إقناع جمهور الناس بأن الحكومة بذلت ما في وسعها، وليس بإمكانها أكثر مما هو ممكن فعلا. ولأن تونس أصبحت محط الأنظار في المنطقة العربية، لخصوصية ثورتها مسارا وإنجازا، كان ولا بد من أن تفكر النخبة السياسية الحاكمة في اختراع حلول مبتكرة خارج المعتاد السياسي، أو أن تترك الفرصة لغيرها في إدارة الشأن العام، من خلال الآليات القانونية التي يحدّدها الدستور التونسي.

وعلى الرغم من حالة الاضطراب الواضح لدى الجهاز الحكومي في تعامله مع الأزمة الحالية، وظهور رئيس الحكومة بشكل مهزوز في حواراته وخطاباته التي وجهها للرأي العام، وهو ما جعله يبدو غير قادر على الإقناع، فإنه من الصعب أن يتحول المشهد السياسي التونسي نحو الفوضى، بالنظر إلى جملةٍ من العوامل، كان قد لخصها مرة المفكر عزمي بشارة، بقوله إن الدولة في تونس "ليست هشة، ولكنها قوية، وفيها مؤسسات تسيطر على البلاد، والناس مع مؤسسات الدولة وليسوا ضدها". ويطرح هذا الأمر على النخبة الحاكمة اليوم في تونس جملةً من التحديات، أهمها كيف يمكن إنجاح الانتقال الديمقراطي، وفي الوقت نفسه، منح الأمل لعامة الناس بمستقبل أفضل في الجانب الاجتماعي، فالثورة التونسية انطلقت برفع مطالب اجتماعية، وهي في تحولها السياسي نحو إرساء نظام جديد لإدارة مرحلة ما بعد الاستبداد تمكّنت من
إجهاض محاولات الانتكاس إلى النظام القديم. ما يعود أساسا إلى أن "التيارات الرئيسية في تونس أثبتت أنها قادرة على التعايش، وأن هناك إمكانية للتوافق ونزع فتيل الأزمات في مراحل الاحتقان الخطيرة، وهي إمكانيات لا غنى عنها لتمر المرحلة الانتقالية بسلام" كما يقول بشارة، غير أن هذا لا يعفي هذه القوى السياسية الكبرى المتحالفة في الحكومة من مسؤوليتها في حل الأزمات الاجتماعية، فلا يمكن تسويق النجاح السياسي باعتباره المنجز الوحيد الممكن، وإنما ينبغي أيضا تقديم حلول فعلية (وليس مجرد وعود) لقضايا التفاوت الجهوي، ومحاربة الفساد، والتهرب الضريبي التي تثقل كاهل الاقتصاد التونسي، وهو أمر يقتضي توفر عاملين أساسيين، وجود خطاب سياسي رسمي مقنع وشفاف، ومنح الفرصة لكفاءات قادرة على العمل الميداني، وتحقيق إنجازات فعلية تشعر القطاعات العريضة من الجمهور بأثرها في حياتها اليومية، فحكومة الوحدة الوطنية التي أشرف على تشكيلها الرئيس الباجي السبسي، انطلاقا من وثيقة قرطاج، قامت على الترضيات السياسية أكثر مما هي حكومة كفاءات فعلية، يمكنها إدارة الشأن اليومي، وأن تتحمل مسؤولية خياراتها في الانتخابات المقبلة. ولعله كان من الأجدى أن تتشكل الحكومة بأكملها من الحزبين الكبيرين (نداء تونس والنهضة)، وأن يتحملا مسؤوليتهما كاملة فيما يخص الأداء الحكومي، فاشلا كان أم ناجحا.
وعموما، لا يتحمل المشهد السياسي التونسي المماحكات السياسية، أو منطق المزايدات الذي تعمد إليه بعض قوى المعارضة في هذه الفترة الحرجة من الانتقال الديمقراطي التونسي. وفي الوقت نفسه، لم يعد الشعب التونسي يتعامل مع حكامه بالطريقة نفسها التي كانت زمن الاستبداد، فهو قادر على الاحتجاج والتعبير عن رفضه السياسات الرسمية، وهذا كسب مهم للديمقراطية التونسية الناشئة.