الحرب تخطف إفطار السوريين للمرة السابعة

الحرب تخطف إفطار السوريين للمرة السابعة

25 مايو 2017
الصورة
حركة خجولة (عامر المهيباني/ فرانس برس)
+ الخط -
لطالما كانت الأيام التي تسبق رمضان تُطبَع بخصوصية مميّزة لدى السوريين، إذ تستنفر العائلة بأكملها لتأمين وتجهيز ما سوف تحتاجه في الشهر الكريم. ومن المعروف أنّ للطقوس الرمضانية الشاميّة طابعها الخاص والغنيّ، من موائد إفطار وسحور تكاد تكون الأكثر تنوعاً في الوطن العربي، تُضاف إليها السهرات الرمضانية وما يرافقها من أجواء اجتماعية حميمة. لكنّ الأحوال تبدّلت في السنوات الأخيرة، وباتت الأجواء مختلفة. فرمضان يمرّ على السوريين للمرة السابعة على التوالي وسط المآسي، مع مزيد من الموت والجوع والتهجير والفقر.

قبل عام 2011، كانت الأسواق قبيل شهر رمضان تعجّ بالسوريين الذين يقصدونها لشراء مؤونة رمضان من تمور وعرق سوس وتمر هندي، بالإضافة إلى المواد الأولية الخاصة بالحلويات وبعض الأكلات الشعبية. وكان التجار يتحضّرون لهذه الفترة وكذلك أرباب الأسر، من عام إلى عام. أمّا اليوم، فتكفي جولة سريعة في بعض من أسواق دمشق مثل باب سريجي وباب الجابي والبزورية، لنكتشف أنّ الحياة في دمشق في مثل هذه الأيام لا تشبه ما كانت عليه.

أبو محمد الميداني من سكان حيّ الميدان الدمشقي العتيق، جازم بأنّ أجواء شهر رمضان هذه السنة لن تختلف عن أجواء السنوات الأخيرة، لا بل يظنّ بأنّ "الأوضاع قد تكون أكثر سوءاً". يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "حالة الناس المادية تسوء في كل يوم. عائلات كثيرة باتت عاجزة عن تأمين قوت يومها، فكيف نتحدّث عن استعداداتها لشهر رمضان؟". ويشرح أنّ العائلات السورية كانت تشتري "كميات كبيرة من المؤن تكفي احتياجاتها لمدّة شهر كامل. وهي غالباً ما كانت تعدّ الولائم للأقرباء والأصدقاء".

لا تختلف الأوضاع في الغوطة الشرقية المحاصرة في ريف دمشق، ويخبر ابنها أمير أبو جواد وهو ناشط أنّ "لا مظاهر تشير إلى استقبال رمضان. ولعلّ ذلك يعود إلى أسباب عدّة، منها ارتفاع الأسعار وإغلاق المعابر. وهو ما تسبّب في اختفاء سلع غذائية كثيرة". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّه "قبل إغلاق المعابر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان سعر كيلوغرام السكر الواحد 400 ليرة سورية، واليوم تضاعف أربع مرّات ليبلغ 1600 ليرة، فيما ذلك قابل للزيادة في الفترة المقبلة. أمّا ربطة الخبز، فكانت تُباع بسعر 400 ليرة، واليوم سعرها 900 ليرة". ويلفت أبو جواد إلى أنّ "الحياة تتوقف عند الساعة العاشرة ليلاً، فتنعدم الحركة ويتوقّف تشغيل مولدات الكهرباء وتغلق المحال التجارية". ويتذكر الأيام التي سبقت رمضان في العام الماضي، قائلاً إنّ "المعابر كانت مفتوحة، بالتالي كنّا نشعر بشيء من الأجواء الرمضانية العام الماضي. كذلك كانت الحركة نشطة عند معابر الفصائل السرية، قبل أن تسيطر عليها قوات النظام من جهة القابون، وكان ذلك يؤمّن للسكان بضاعة وفيرة وسلعاً بأسعار منخفضة".


في جنوب دمشق المقسوم إلى جزئين، يقع أحدهما تحت سيطرة الفصائل المسلحة المعارضة التي وقّعت هدنة مع النظام. منه يتحدّث الناشط آدم الشامي عن الأيام التي تسبق شهر رمضان. يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الأهالي مقسومون إلى طبقتين، طبقة ميسورة الحال تضمّ قيادات إغاثيين وإعلاميين وتجارا وتملك القدرة على التهيؤ لرمضان، وطبقة معدومة الحال لا تملك ما يسدّ رمقها. وتلك تنتظر في الغالب المطابخ الخيرية لتعينها في معيشتها خلال هذا الشهر". يضيف أنّ "الحرب زادت مشاكل العائلات التي تشتت عدد كبير منها. ونجد عائلات وأشخاصاً لم يبقَ لهم أحد. فكثيرون هم الذين خرجوا من البلاد أو ماتوا أو اعتقلوا".

أمّا في مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيين ومنطقة الحجر الأسود، فيبدو الواقع أكثر سوداوية، إذ يسيطر هناك "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) و"جبهة فتح الشام". محمد أبو عبدالله من سكّان المخيم، يقول إنّ "لا أجواء رمضانية في المنطقة التي يسكنها اليوم نحو 7500 شخص. فالصيام أصبح عادة يومية لدى كثيرين". ويلفت لـ "العربي الجديد" إلى أنّ "السكان لا يملكون أكثر من كفاف يومهم، وبعضهم لا يملكه في كثير من الأحيان". يضيف أنّ "الحاجز بين المخيّم ومنطقة ببيلا أغلق لأربعة أيام، فلم نعد نجد رغيف خبز. هذه أجواء ما قبل رمضان، وأظنّ أنّ أجواء رمضان وما بعده سوف تكون على الحال نفسها إذ لم تحلّ أزمتنا وتدخل المساعدات الإنسانية التي ما زالت متوقفة منذ عام تقريباً".

ومن إدلب، يقول الناشط جابر أبو محمد إنّ "الناس مشغولة اليوم بالهدنة، وبرسم التوقعات حول مصير سورية، وإذا كانت تركيا سوف تدخل إلى إدلب، وما هو مصير الفصائل الإسلامية، وغيرها من القضايا المصيرية". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "الأهالي وفي ظل الغلاء الفاحش وضيق الحال، بعيدون عن جولات السوق الخاصة بمؤونة رمضان".

إلى ذلك، ومن درعا، يسأل المتحدث باسم "تجمع أحرار حوران" أبو محمد الحوراني: "أيّ أجواء رمضانية نتكلم عنها وثمّة مهجّرون كثر يعيشون في ظل ظروف إنسانية مأساوية؟". ويشير لـ"العربي الجديد" إلى أنّه "خلال هذا الشهر، تجتمع العائلات عادة حول مائدة واحدة. لكن كثيرة هي تلك التي إمّا هاجر أحد أفرادها أو قُتل أو اعتُقل".