لا صيام في المناطق العراقية المحررة

لا صيام في المناطق العراقية المحررة

25 مايو 2017
الصورة
هل يدركان فرحة رمضان؟ (أيريس مسينيس/ فرانس برس)
+ الخط -
على أنقاض منزله المدمّر في مدينة الرمادي، يجلس أبو محمد وقد ارتسم الحزن على وجهه. يستذكر زوجته وأبناءه الذين فقدهم خلال القصف الذي استهدف المدينة في مطلع عام 2015 خلال الحرب بين الجيش العراقي وتنظيم "داعش". ويستذكر أبو محمد كيف كان يجتمع وأفراد أسرته ويستعدّون لاستقبال شهر رمضان قبل أسبوعَين من حلوله، فيشترون مستلزمات المنزل، لا سيما ما يحتاجونه لإعداد أطباق الشهر. على الرغم من انقضاء الوقت، إلا أنّ ضحكات أبنائه وزوجته الذين رحلوا وتركوه وحيداً لا تفارقه، "أكاد أسمعها تتسلل من بين ركام بقايا منزلي المدمّر".

بحسرة ينظر أبو محمد إلى أنقاض منزله، ويقول: "لقد فقدنا الإحساس بكل ما هو جميل. وها هو رمضان يقبل علينا بعد نزوح دام ثلاث سنين عجاف، لكنّني في هذه المرة لن أجتمع مع أفراد أسرتي على مائدة الإفطار من جديد. هم رحلوا عن هذه الدنيا إلى غير رجعة وتركوني وحيداً أقاسي مرارة فقدانهم". يضيف لـ "العربي الجديد" أنّ "المدينة كلها حزينة، وقد اختفت مظاهر الاستعداد لشهر رمضان كما كانت العادة في كل سنة. في ذلك الزمن، كانت لافتات الترحيب بحلول رمضان تُنصب في كلّ مكان فيما تكتظّ الأسواق. كذلك كان الناس منشرحي الصدور وفرحين بحلول هذا الشهر، أمّا اليوم فتلاحظ الحزن يعلو وجوههم وهم ينظرون إلى أنقاض منازلهم".

ليس الحزن الذي يتلبّث العائدين إلى مناطقهم هو الذي ينغّص عليهم فرحة الاحتفال بحلول شهر رمضان فحسب، بل الفقر كذلك يسرقها منهم. يقول حذيفة المحمدي من مدينة الفلوجة إنّ "كلّ شيء في المدينة يبعث على الحزن.. الدمار وفقدان الأهل والأصدقاء الذين قتلوا خلال الحرب وفوق ذلك كلّه الفقر الشديد الذي تعيشه المدينة إلى جانب سوء الخدمات". يضيف المحمدي لـ "العربي الجديد" أنّ "الفقر مشكلة كبيرة تطاول أهالي المدينة العائدين من رحلة نزوح مؤلمة وطويلة. وها نحن نستقبل شهر رمضان بطريقة لا تشبه ما اعتدناه. مظاهر استقباله اختفت بمعظمها أو انقرضت تقريباً، نتيجة ما مرّت به المدينة وأهلها من مآسٍ ما زالت آثارها في كلّ زاوية وشارع".

في سياق متصل، يعبّر عراقيون عن رفضهم صيام رمضان في مناطقهم المحررة لأسباب عديدة، لعلّ أبرزها فقدانهم لذويهم خلال الحرب وحزنهم الشديد عليهم والخدمات السيئة مع بداية فصل الصيف الذي يحلّ شديد الحرارة على البلاد.

يوضح موفق العبيدي لـ "العربي الجديد" أنّ "ثمّة من يفكّر بمغادرة المدن المحررة لصيام رمضان في مناطق أخرى، مثل إقليم كردستان العراق. هؤلاء لا يريدون قضاء الشهر مع أحزان متواصلة لأنّهم سوف يتذكّرون على مائدة الإفطار ذويهم الذين فقدوهم في هذه الحرب المدمّرة". يضيف العبيدي أنّ "ذلك يأتي إلى جانب سوء الخدمات. فالمياه ملوّثة، والكهرباء مقطوعة باستمرار، في حين يأتي الازدحام المروري خانقاً عند مداخل المدن المحررة. أمّا الخدمات الصحية فسيئة للغاية في وقت تنتشر فيه الأمراض، والأسواق ارتفعت أسعار السلع فيها".

لكنّ الحزن يبقى هو الطاغي على المشهد في تلك المدن، إذ خلّف بصماته في كل مكان، على جدرانها وفي شوارعها وأزقتها. كيفما تلفّت المتجوّل فيها يجد جامعاً أو منزلاً مدمراً أو محروقاً أو مدرسة أو مستشفى مدمرة. الأنقاض في كل مكان والمقابر مكتظة بالموتى الذين لا يستطيع أهالي تلك المدن نسيانهم وشهر رمضان على الأبواب. في هذا الشهر، اعتادت الأسر العراقية على طقوس خاصة، كأن تجتمع على مائدة الإفطار في كل يوم بطريقة تختلف عن شهور السنة الباقية، أمّا هذا العام فقد فقدت رغبتها في الاحتفال بعد فقد أهلها.

إلى ذلك، يرى آخرون أنّ مظاهر الاحتفاء بحلول شهر رمضان اختفت، بدءاً من لافتات الترحيب به مروراً بالشارات والرايات التي كانت تنشر في الشوارع والطرقات وصولاً إلى قراءة القرآن منذ الصباح وحتى المساء في الجوامع التي دمّرت الحرب معظمها.

يؤكد صادق التكريتي لـ"العربي الجديد" أنّ "رمضان الحالي يحمل كثيراً من الحزن على ذوينا الذين فقدناهم ومنازلنا وجوامعنا ومدننا التي دمّرتها الحرب وأحرقتها وشوّهت معالمها، في حين لم تعد المقابر تتسع لمزيد من الموتى". يضيف التكريتي أنّ "الحزن هو السمة الطاغية في المدن المحررة، بعد نزوح تاريخي لم يشهده تاريخ العراق الحديث. فكلّ أسباب الحزن اجتمعت في هذه المدن، من فقدان الأهل والأحبة إلى الفقر الشديد وتوقف الأعمال والدمار الذي أحال المدن إلى خرائب".