التكفير والرق في موريتانيا

التكفير والرق في موريتانيا

22 يناير 2015
الصورة

أم وابنتها من ضحايا الرق في موريتانيا (16يونيو/2012/أ.ف.ب)

+ الخط -

منذ مقتل الخليفة الثالث، واحتدام الصراع السياسي بين المسلمين، كانت عقيدة التكفير أداة بيد الفرقاء المتخاصمين، أنيط بها حسم هذا الصراع في محطاته المختلفة. ولم يقتصر توظيف تلك الأداة في التكفير المتبادل بين الفرق والمذاهب المتناحرة، بل، أيضاً، جرى استخدامها، وهو ما لا يقل خطورة، من الجماعات ضد الأفراد. غيلان الدمشقي وابن رشد والحلاج وابن عربي، وغيرهم في العصر الإسلامي الوسيط، كانوا ضحايا التكفير. وإلى اليوم، تستمر هذه العقيدة في ملاحقة التفكير النقدي الحر، والتضييق عليه في كل مكان، طه حسين ومصطفى عبد الرازق وصادق العظم ونصر حامد أبو زيد وغيرهم كثر، هم نماذج معاصرة.
ومع تطور وسائل الاتصال الحديثة، أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي هامشاً أكبر من حرية التعبير عن الرأي، وتعرّض كثير مما كرسته السلطة (بمفهومها الواسع) من مسلّمات بدت عصية على النقد، للشك والمراجعة، إلا أن عقيدة التكفير كانت حاضرةً أَيضاً، وطالت مدونين وناشطين عديدين، شرقاً وغرباً في عالمينا العربي والإسلامي. وفي نواذيبو، كان آخرها وأكثرها قسوة، فقد قضت محكمة موريتانية، الشهر الماضي، بإعدام محمد الشيخ ولد امخيطير رمياً بالرصاص، وفقا للفقرة الثانية من المادة 306 من القانون الجنائي الموريتاني، بعد إدانته بتهمة الاستهزاء بالنبي (ص) والزندقة، وذلك في مقال كتبه على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك". الحكم، الذي استُقبِل بالسجود والتكبير داخل المحكمة وخارجها، وبعبارات المديح والثناء التي وجهها علماء دين إلى الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، الذي كان قد تعهد، منذ حوالي عامين، بتطبيق الشريعة ومحاربة العلمانية في موريتانيا.

موريتانيا بلد عصفت به، ولا تزال، الاضطرابات السياسية والكوارث الطبيعية، ويقبع 42% من سكانه تحت خط الفقر، ويضم إثنيات متعددة، مع تفاوت شاسع بين الثروة والغنى وبين البدو والحضر وبين السود من جهة والملونين والبيض من جهة أخرى. وكان دائماً بيئة خصبة لانتشار ظاهرة الرق.
ومنذ سُنّ قانون إلغاء الرق، في بداية الثمانينيات، إلا أن الظاهرة مستمرة. ناهيك عن أن وضع الأرقاء السابقين (الحراطين) لم يتحسن، وما زالوا خاضعين للاضطهاد بأشكاله المختلفة. وقد بات التحالف الوثيق بين النخب السياسية والعسكرية من جهة والنخب الدينية، من جهة أخرى، وتحالف هؤلاء وأولئك مع طبقة ملاك العبيد، عائقاً حقيقياً في سبيل القضاء على هذه الظاهرة. ولأن السلطات الموريتانية تصر على أن ما يوجد هو بقايا لتلك الظاهرة وآثار لها ليس إلا، فقد آلت التشريعات والاتفاقات مع المنظمات الدولية إلى مجرد إجراءات شكلية للاستهلاك الخارجي، وامتصاص الضغط الداخلي، وكانت النتيجة، وفقا لتقرير "وولك فري" أن احتلت موريتانيا المرتبة الأولى على مؤشر الرق العالمي العام 2014، إذ يقدر التقرير أن ما بين 10% إلى 20% من السكان هم من الأرقاء. ‏ومنذ عقود، يناضل ناشطون وحقوقيون ضد ظاهرة الرق، وتواطؤ السلطتين السياسية والدينية، لتكريس واقع النخاسة، والتمييز في المجتمع الموريتاني.

ضوابط التكفير
من وجهة النظر الدينية، الحكم على أحد ما بالكفر يعني اعتباره مرتداً وإحلال دمه بعد العصمة، ما يجعل التعاطي مع التكفير شأناً في منتهى الخطورة، وقد حذر منه كثيرون من أئمة الدين الإسلامي وعلمائه. فرأى حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، أنه ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً، لأن "الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد". ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية، أن "ليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجّة، وتبين له المحجّة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة". ويؤكد ابن تيمية على ضرورة التفريق بين تكفير ما يطرح من فِكَر (تكفير المطلق) وتكفير الأعيان أصحاب تلك الِفكَر، فيَروي عن أحمد بن حنبل أنه كان "يكفّر الجهمية المنكرين أسماء الله وصفاته (...). لكن، ما كان يكفّر أعيانهم". ففي ما يخص المعيّن: "التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعيّن، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين". لذلك "لا يشهد على معيّن من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز ألا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع".
واقع تاريخي

دعا القرآن الكريم النبي محمد إلى استثمار عوامل القوة لخدمة إسلام ما قبل التمكين: ((‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)) (الشعراء/ 214). ففي مجتمعات عربية، تفتقر الوحدة في ما بينها، وتقوم على تراتبية اجتماعية، وعلى عصبية القرابة والنسب، افتخر النبي بنسبه إلى قريش، وحاول استقطاب صناديدها والمتنفذين فيها لنصرة الدين الإسلامي، وكان ذلك تكتيكاً فرضته، في حينه، موازين القوى القائمة، لكن الخط العام بقي أن "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى"، وأن الناس "سواسية كأسنان المشط". وانطلاقاً من هذا التكتيك، استمال النبي من وصفوا بالمؤلفة قلوبهم بحصة من مال الزكاة، وهم إما ممن أسلم مع الشك بإيمانه للاستفادة من مكانته الاجتماعية، أو ممن لم يسلم، فأريد دفع مضرته، وقد أوقف عمر بن الخطاب منح هؤلاء حصتهم من الزكاة في مرحلة التمكين، لانعدام مبررات ذلك. كما حافظ الإسلام على ممارسات عديدة تنتمي إلى مرحلة ما قبل الإسلام المسماة بـ "الجاهلية"، أو عمد إلى إلغائها تدريجيا (الخمر مثلاً)، بما يتماشى مع التوجيه الإلهي بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
وحيث إن الرق مثّل، في حينه، مصلحة للطبقة المهيمنة، من حيث كونه ركناً أساسياً في النظام الاقتصادي في المجتمع العربي، آنذاك، ومصدراً للثروة والقوى العاملة، عمل التشريع الإسلامي على الحد منه، والتضييق عليه بأساليب مختلفة، لم تصل إلى حظره كلياً. ولكن، المؤسف كان استمرار الرق في العصور الإسلامية اللاحقة، ليصبح إلى جانب اقتصاد الفتح القائم على الجزية والخراج مصدراً للثراء الفاحش. وبدل أن يجتهد الفقهاء لحظر تلك الظاهرة انطلاقاً من المصالح المرسلة، أو الاستحسان، أو تغير الأحكام بتغير الأزمان، أو غيرها من المبادئ الفقهية التي أكسبت التشريع الإسلامي مرونة عالية، نشأ ما يعرف بفقه النخاسة الذي حاول تنظيم أوضاع العبيد ومعاملتهم، إلا أنه لم يفعل أكثر من تكريس الإجحاف القائم بحقهم، ولم يضمن لهم أي نوع من الحياة الكريمة، الأمر الذي أدى إلى الثورات التي قام بها الزنج وغيرهم من العبيد والموالي والمنتمين إلى الطبقات المعدمة، والتي أدت، في النهاية، إلى تداعي الدولة الإسلامية، ومن ثم انهيارها.

ناقل التاريخ ليس بكافر
بالعودة إلى مقال محمد الشيخ ولد امخيطير، نجد أن وقائع تاريخية نقلها الكاتب عن كتب السير والتراث الإسلامي، والتي كانت جهدا لمحدّثين ومؤرخين ورواة ومحققين، يُعتبرون مرجعيات مهمة في هذا الشأن، أمثال الطبري وابن كثير وأبي داود والألباني والوادعي وابن الملقن. والتي تسلط الضوء على التراتبية الاجتماعية، وتدني مكانة العبيد في المجتمع القبلي الذي تسيطر عليه عصبية النسب والقرابة في الصدر الإسلامي الأول، والذي كان واقعاً من الصعب على الإسلام، حينها، الدخول في مواجهة معه، فاكتفى بالالتفاف عليه. فيذكر الكاتب، مثلاً، كيف حصلت "قريش" عشيرة النبي (ص) على العفو، بعد فتح مكة، مع أنها ناصبت النبي (ص) والمسلمين أشد العداء، بينما لم ينل بنو قريظة عفواً مماثلاً، بل قُتل مقاتلتهم وسبيت ذراريهم. فهل تتوفر، هنا، شروط كفر المطلق أو شروط كفر المعيّن؟ وهل ناقل التاريخ كافر؟ وإن ثبتت الحجّة وبُيّنت المحجّة، فما هو مآل التوبة التي أعلن عنها المعيّن صراحة؟

انتقد ولد امخيطير، موروثاً اجتماعياً، فقد مبررات وجوده الشرعية والتاريخية، ولا يزال فقه النخاسة وحلفاؤه يسعون إلى تكريسه في موريتانيا القرن الواحد والعشرين، وهو ينتقد، صراحةً، صمت مشايخ الدين حيال استمرار وضع العبيد المتردي، واستمرار التمييز الاجتماعي بين الأفراد والجماعات. لهذا فقط استحق ولد امخيطير، من وجهة نظر جلاديه، العقاب رمياً بالرصاص حتى الموت. وتتضح الصورة أكثر، حين نعلم أن اعتقال ولد امخيطير ومحاكمته ترافقا مع اعتقال السلطات الموريتانية ناشطين مناهضين للرق، في مقدمتهم زعيم الحركة الانعتاقية "إيرا"، بيرام ولد الداه، بتهمة "تهديد السلم الأهلي والسعي إلى إثارة الفتنة".
أخيراً، إذا كان تنظيم الرق، لا إلغاؤه، قد مثّل في الصدر الإسلامي الأول مصلحة إسلامية، هدفت إلى توطيد أركان الدولة، فإنه، اليوم، بات يتعارض مع مقاصد الشرع وجوهر الإسلام القائم على المساواة والعدالة الاجتماعية ورفض عبودية البشر والإقرار بالحرية، أصلًا، في الإنسان.
وما يسيء إلى الإسلام وصورته، ليس كتابات ولد امخيطير أو غيره، بل محاكماتهم في ظل استمرار الرق في بلاد المسلمين من العراق إلى موريتانيا، وموقف الفقهاء الموارب منه. وما زلنا ننتظر أن يمتلك المتنورون من رجال الدين وعلماء الأمة الجرأة اللازمة لإصدار فتاوى صريحة تحرّم الرق بأشكاله كافة، إذ لم يعمل فقه النخاسة، حتى الآن، إلا على منحه مزيداً من مبررات وجوده، في وقت بات فيه الاستبداد وغياب الحريات وإقصاء الآخر أهم عوامل خراب الأمة. وهذا هو الاستئناف الحقيقي للحكم على ولد امخيطير، وإلا، علينا أن نصدق أن ولاية "داعش" باقية وتتمدد.