التفسير "اللاظوغلي" للتاريخ

31 مارس 2014
الصورة
+ الخط -

 

من الصّعب على أيّ إعلاميّ، أو باحث، أن يحاولَ تتبع بعض أجنحةِ الحركة الإسلامية في مصر؛ تأريخاً وتحليلاً، في العقود الأخيرة، من دون اللجوء إلى "أوراق" محددة، وأسماء "معينة". فأما الأوراق، فهي "الأضابير" الأرشيفية التي تحوي تحقيقات ووقائع جلسات قضائية، وأَما الأسماء "المعينة"؛ فإن لفظ "معيّنة" لا يخلو من معنى "التوظيف"، وفقاً للمصطلح الإداري!

تبدأ صفحات الإضبارة الواحدة بتحقيقات النيابة مع متهمين، وفقاً لمعايير العدالة المعتمدة في "أمّ الدنيا"، ثم تنطلق الأوراق مع المتهمين الأحياء، المثخنين بالجروح والكدمات وآثار الكهرباء، على حد زعمهم الباطل طبعاً، "مُكَلْبَشِينَ" إلى قضاء استثنائي، ينسجم مع ما تقرره آلهة العدالة عند المصريين القدماء!

وكهنة المحاكم هم ظل آلهة العدالة في معبد الأمن القومي، معظمهم تلقوا تأهيلاً عظيماً، فبعد نبوغٍ مبكر في الثانوية العامة، أَوصلهم إلى كلية الحقوق بمجموع يتجاوز قليلاً الـ 50%، تتوالى النجاحات بالحصول على تقدير "مقبول" جداً، ثم تأتي الكفاءة الممثلة في المسيرة المقدسة لتعيين أبناء القضاة، في وقت تتم فيه دعوة زملائهم المتفوقين من أبناء "الغلابة" إلى إلقاء أنفسهم الطموحة في النهر، وفقاً لتقليد فرعونيٍ، قديم متجدد، كما فعل عريس النيل، عبد الحميد شتا، ابن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية العبقري.. الفقير!

ولمّا كانت انتكاسة "الفصل بين السلطات" تؤرق مضاجع الدولة، ذات الضمير المتيقظ دائماً، وكان التنسيق بين الأمن والقضاء ليس على المستوى المنشود، فقد تطوعت مجموعة من ضباط "أمن دولة" بالانتقال إلى العمل في السلك القضائي، فكان الزواج "الشرعي" الذي دام سنواتٍ طويلة، فالمتهم الذي ترصده تقارير جهاز "أمن الدولة"، ثم يستضيفه الضباط الطيبون في مقره التاريخي في "لاظوغلي" فترة كافية، يتم تسليمه لوكلاء نيابة "أمن الدولة"، حيث يذهب في المرحلة التالية، باعترافاته كاملة، "بيضة مقشرة" إلى محكمة "أمن الدولة"!

فضلاً عن المحاكم العسكرية التي قطعت الطريق أمام العبث بالأمن القومي، بحجج حقوقية واهية، في مسألة التقاضي "قال إيه؟! لازم يكون أمام القاضي الطبيعي!!"

أدبياتُ السلطة في نزع الاعترافات، ثم كيفية اتهام أعداء الوطن ومعاقبتهم؛ وثّقَتها السينما المصرية في أعمال عديدة، بينما أدبيات القضاء "الشارد" الباحث عن الاستقلال، وثّقتها صرخة المرحوم المستشار يحيى الرفاعي، ورفاقه.

وعندما تنتهي القضية، يكون المنتج النهائي للوثائق التاريخية المعتمدة قد اكتمل على أتم وجه، منتصراً لـ "أمن الدولة" وحفظ الوطن وسلامة أراضيه! حيث يُلقى المتهم في القبر، أو في السجن، لما اكتسبته يده الآثمة وفكره المريض. وفي النهاية، لا يبقى من الحدوتة إلاّ مجموعة من الأوراق تضاف إلى الأرشيف، مجموعة "أضابير" يذهب إليها "المعنيون"، ليؤرخوا حياة المتهمين وتنظيماتهم، ويحللوا انحرافاتهم الفكرية وشرورهم النفسية!

اليساريون "الرسميون" من أكثر الذين تكلموا عن تلك التنظيمات، ثم الموظفون الحكوميون بدرجة "مفكر" أو "خبير" أو "مؤرخ". ولن يختلف الأمر كثيراً بين أَن تقرأ لكاتب يساري أو يميني، شمالي أو جنوبي؛ ولو اختلف طعم المعالجة ورائحتها؛ فالثدي "المعلوماتي" الذي رضعوا منه جميعاً واحد!

الإسلاميون، بدورهم، لم يؤرخوا لأنفسهم تأريخاً حرّاً؛ فأحوالهم لم تكن تسمح بذلك، وفي فترات طويلة من الاعتقال، كانوا بمثابة "كائنات" للتجارب الأمنية؛ ترغيباً وترهيباً. وأسفرت تلك التجارب "اللاظوغلية" عن تفاعلات غريبةٍ في عقول المحكومين والمعتقلين ونفوسهم، بل في حياتهم بأسرها، إلا من لطف به الله!

أصيب بعضهم بـ "الجنون"، ناهيك عمن أُصيب بالشلل والعمى والاكتئاب وغيرها. وفي المقابل، تنعّم بعضهم داخل السجون بامتيازات خاصة. فمثلاً، حصل بعض المحكومين "المشهورين" في قضايا إرهاب، ومن دون غش طبعاً، على الثانوية العامة ثم ليسانس الحقوق ثم الماجستير ثم الدكتوراه، ثم عُيّن، بعد تخرجه من السجن مباشرة، أستاذاً في الجامعة، بعدما أثبت "الفيش والتشبيه" أنه "صاغ سليم"!! ليصبح بعد الثورة مناضلاً حزبياً لامعاً، تتهافت المايكروفونات لسماع تصريحاته.

بينما صار آخر "بقدرة قادر" مسؤولاً رسمياً عن ملف "مكافحة الفساد" في إحدى الوزارات السيادية، ومقرباً جداً من وزيرها "المسيحي"، على الرغم من أنه قضى حوالي سبع عشرة سنة رهن الاعتقال، على خلفية قضية استحلال أموال "المسيحيين"، والسطو على محلات ذهب يمتلكونها، في التسعينيات، بعد أن ذُكِرَ اسمه في التحقيقات، باعتباره مسؤولاً عن "ترويج المسروقات"!! في الوقت نفسه، أضحى زميله في "الكار" والمحكوم في قضية "السطو" نفسها مؤسساً ومنسقاً ورئيساً وأميناً لـ "الجبهة الوسطية لمواجهة الغلو الديني والعنف السياسي"، والتي أعلنت، في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، أن قرار "مبايعتها" عبد الفتاح السيسي، جاء بعد دراسة شرعية، قام بها "علماء الجبهة"، استناداً إلى أدلة فقهية وشرعية، تؤكد أنه ولي الأمر الشرعي للبلاد، ويجب تقديم البيعة له!

وهكذا، رأينا من ذلك "الصّنف" من كان مواطناً صالحاً يُسرّ للحبيبة "أمن الدولة" بأدق تفاصيل زملائه في "العنبر"، تحت شعار "الشفافية". ثم "شيخاً" فقيهاً يؤلف، ويُفتي بفتاواه الوطنية، أو مفكراً وسطياً، يدعو للمصالحة بين الخير والشر! وهي نماذج أمست ضيوفاً مكرمين على وسائل الإعلام الموجهة؛ لتقديم لقطات توثيقية، تتنوع بين "الحمق" و"الوضاعة"؛ تضيف إلى أرشيف "الإضبارات" القديمة مصداقية جديدة!

أما ماذا حدث حقيقةً؟ ومن فَعَلَ؟! ولماذا؟! وكيف؟ فإن له، بالتأكيد، سبيلاً أخرى!

دلالات