التطبيع مع إسرائيل.. بين الأنظمة والشارع

21 ديسمبر 2018
الصورة
+ الخط -
هلّل المسؤولون الإسرائيليون لموقف السفير السعودي في الأمم المتحدة، عبدالله المعلمي، والذي دان فيه إطلاق حركة حماس الصواريخ على أهداف مدنية إسرائيلية، من دون أن يدين، في المقابل، قصف إسرائيل قطاع غزة، واعتبروه مؤشراً مهماً على تغير طرأ في السنوات الأخيرة على موقف السعودية من إسرائيل. في وقت يكثر فيه الحديث داخل إسرائيل وخارجها عن حدوث تقارب جدي بين إسرائيل ودول خليجية، من أبرز تجلياته زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، سلطنة عُمان علنا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
يختلف التقارب الذي يحدث في هذه الفترة بين إسرائيل والدول العربية عما شهدنا سابقاً في مطلع التسعينيات بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، والتوقيع على اتفاقات أوسلو، وما رافقهما من انفتاح عربي على إسرائيل، ظهر في فتح ممثليات إسرائيلية في بعض الدول العربية، وتشجيع التبادل التجاري، لكن هذا كله توقف بعد نشوب الانتفاضة الفلسطينية سنة 2000. يومها ارتبط التقارب العربي مع إسرائيل ارتباطاً وثيقاَ مع التقدم في العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، وإيجاد حل للمشكلة الفلسطينية وللاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
لكن ما يحدث حالياً على هذا الصعيد يجري في ظل معطيات استراتيجية مختلفة للغاية، من أهمها تراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية التي كانت، حتى وقت قريب، تشكل قضية العرب الأولى، والاضطرابات التي شهدتها الدول العربية في إطار "الربيع العربي"، ونشوب الحرب الأهلية في سورية وحرب اليمن، والفوضى العارمة في ليبيا، والانقلاب العسكري في مصر. ويبرز التقارب العربي مع إسرائيل في ظل خطرين أساسيين، يتهددان استقرار الأنظمة العربية: صعود حركات الإسلام السياسي والجهادي والتهديد الذي تشكله على استقرار دول عربية عديدة؛ وتمدّد نفوذ إيران الإقليمي نتيجة تدخلها العسكري في الحرب السورية الأهلية، ودعمها تمرّد الحوثيين في اليمن، وخصوصا بعد توقيعها الاتفاق النووي مع الدول الكبرى في سنة 2015.
اعتبرت إسرائيل، منذ تلك الفترة، أن أمامها فرصة نادرة يجب أن تستغلها، سيما وأن نتنياهو 
جعل من المشروع النووي الإيراني أهم خطر وجودي يتربص بإسرائيل، خصوصا بعد التمركز العسكري الإيراني في سورية. استغلت إسرائيل بذكاء الوضع المستجد والقلق العربي من الجهاديين، لتعرض على هذه الأنظمة خدماتها الاستخباراتية، وبناء جسورٍ من الحوار غير المباشر والتعاون الاستخباراتي السري مع هذه الأنظمة العربية، بحجة حمايتها من الجهاديين ومن الإيرانيين. وسعت حكومة نتنياهو إلى فصل عملية التطبيع مع إسرائيل عن الشرط العربي الأساسي لذلك، إحراز تقدم في العملية السلمية.
ساهم انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في إعطاء زخم لهذا التقارب، من خلال أمرين: حديثه عن طرح حل جذري للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني ضمن إطار"صفقة القرن"، التي لم تعرضها إدارة ترامب علناً بعد. وتشجيع ترامب محور الدول السنية المعتدلة على إيجاد محور معاد لإيران، يبدأ من واشنطن ويمر بالرياض وأبو ظبي، مع إعطاء دور ما لإسرائيل، أو إيجاد نوع من حلف ناتو عربي، تدعمه بصورة غير مباشرة إسرائيل.
ولكن الأنظمة العربية تدرك أن التطبيع مع إسرائيل لا يمكن أن يأتي من فوق، وأن يُفرض على الشعوب العربية التي تشاهد عبر شاشات التلفزيون وقنوات التواصل الاجتماعي القتل اليومي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على يد الجيش الإسرائيلي، وكيف تقطّع المستوطنات اليهودية أوصال الضفة الغربية، وتنهب حكومة نتنياهو أراضي الفلسطينيين. ولم يتغير رفض الشارع العربي التطبيع مع إسرائيل عما كان عليه، على الرغم من التطورات التي تمر بها المنطقة، ومن مواقف الأنظمة العربية المحبذة له سراً. وبحسب المؤشر العربي، الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لعامي 2017 و2018، والذي نفذ في أكثر من 11 بلداً عربياً، نحو 87% ممن شملهم الاستطلاع ضد الاعتراف بإسرائيل، و82% يعتبرون إسرائيل الدولة التي تهدد أمن دول المنطقة، في حين اعتبر 70% الولايات المتحدة، وقال 40% إن إيران هي التي تهدد أمن دول المنطقة.
قد تعتبر إسرائيل نفسها أنها حققت اختراقاتٍ لا بأس بها على صعيد قبول دول المنطقة بها، لكن ما جرى ويجري، علناً أو بعيداً عن الأضواء، لن يشكل تحولا جذرياً وبداية مرحلة تطبيع حقيقية، طالما أن إسرائيل تحتل أراضي عربية، وتمارس سياسة القمع والقتل والحصار والتجويع ضد الفلسطينيين.