التدخلات المباشرة

16 ديسمبر 2019
الصورة
رقص قرب محميّة الدندر (أشرف شاذلي/ فرانس برس)
+ الخط -
عندما دخلنا قرية أم كراع على نهر الرهد في جنوب القضارف (شرق السودان)، في عام 2001، ضمن فريق للتوعية البيئية استهدف سكان القرى حول محميّة الدندر (نحو 48 قرية)، كان أكثر ما لفت أنظارنا هو حفر أطفال القرية وصباياها في بطن الوادي الموسمي، لينبجس الماء فتتزاحم الأواني وخطاطيم الأبقار والشياه والحمير عليه. وعلى الرغم من تعكّر الماء، فلم يكن الشرب يتوقف، ولا عمليات غرف ما تجود به طاقة من يغرف. في ما بعد، قامت لجنة تطوير القرية التي ألّفها مشروع بتطوير المحمية ودرّب أعضاءها، بتخصيص جمّام لمياه الشرب خاص بالسكان وآخر بالحيوان، إلى جانب تعيين حارس لحماية المنابع من التلوّث.

ونهر الرهد يحدّ المحمية من الشمال الشرقي، فيما يشقّها نهر الدندر منحدراً من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي. ويشكّل النهران مع بعض الخيران الكبيرة والصغيرة والميعات (مناطق منخفضة تحتفظ بمياه الأمطار طوال العام تقصدها الحيوانات العاشبة للشرب وتلك آكلة اللحوم للشرب واصطياد الفرائس) مصدراً حيوياً للحياة بكلّ ما تذخر به من تنوّع إحيائي.

هناك، أنواع نادرة من الكائنات، فنجد "قرابة 58 نوعاً من الأشجار والشجيرات دائمة الخضرة والشوكية، و28 نوعاً من الثدييات الكبيرة، وما يزيد عن 160 نوعاً من الطيور"، بحسب ما تفيد الدكتورة سعادة نايل، من المركز القومي للبحوث. تضيف نايل أنّ ذلك "أكسب المحمية أهمية عالمية كمنطقة تراث طبيعي تؤكّد للإنسان أنّه جزء صغير من كون دقيق منتظم التفاصيل، وأنّها منظومة لا يمكن خرقها إلا بتدخّل مباشر منه".



وفي وجود بعض القبائل القديمة مثل "المقنو" تأكيد على وجود الإنسان منذ القدم في المنطقة، إلا أنّ الهجرات الحديثة في النصف الثاني من القرن الماضي بسبب الجفاف هي التي راحت تهدّد التنوّع الإحيائي في المحمية. فالفقراء قليلو الحيلة ويعتمدون غالباً على ما حولهم من موارد، الأمر الذي حتّم التدخل الإيجابي من قبل أنصار البيئة وحماة التنوّع الإحيائي.
في قرية الشعبانة، على نهر الدندر، كانت الحاجة ماسّة إلى استدامة المياه مع انقطاع النهر، فتوجّه أهلها بعدما تلقّوا ما يكفي من معرفة وتدريب إلى حفرة عميقة يسمّونها "الأنجريه" تفصلها عن النهر بضعة كيلومترات، وقد شقّوا قناة كفلت لهم ملء بحيرتهم الصناعية، ما شجّع إدارة المشروع على مدّهم بحاجتهم من الآليات والمدخلات الزراعية.

ولأنّ التجربة اعتمدت على نهج مشاركة السكان، بناء السياج الاجتماعي، فقد سجّلت نجاحات على أكثر من صعيد بفضل التوعية والتدريب. فإلى جانب حصاد المياه، تطوّرت الزراعة وتمّ تقنين الرعي، فيما وجدت إبداعات المحليين التنموية فرصتها للمدارسة والتوثيق في خلال مدّة المشروع (خمسة أعوام)، بيد أنّ الأمر يحتاج إلى مزيد من التقييم لتطوير التجربة وتعميمها.

(متخصص في شؤون البيئة)

المساهمون