الاقتصاد الجزائري في مرحلة ما بعد بوتفليقة

الاقتصاد الجزائري في مرحلة ما بعد بوتفليقة

09 ابريل 2019
الصورة
حراك الجزائر يطالب بتجفيف الفساد (العربي الجديد)
+ الخط -
تمكَّنت ستة أسابيع من المظاهرات السلمية في الجزائر من طيّ صفحة الرئيس عبد العزيزي بوتفليقة بعد أن أعلن استقالته، وهكذا ستبدأ البلاد في كتابة أولى صفحاتها في مشوارها الجديد الذي بدأ برحيل الرجل البالغ من العمر 82 عاماً.

فبعد شهر ونصف من الاحتجاجات استيقظ الجزائريون ولأوّل مرّة منذ 20 عاماً بدون بوتفليقة، الذي عجّل الجيش باستقالته رغم مقاومة حاشيته، لكن الاستقالة ليست أهمّ أمر حقَّقه الحراك الشعبي، فالتحديات القادمة أكثر تعقيداً وأكبر حجماً من أن ترسم الأبعاد المستقبلية للأوضاع في البلاد، والتأمُّل في مرحلة ما بعد بوتفليقة يدفعنا إلى طرح تساؤلات أهمّها: 

هل ستكبح الاستقالة جماح الفساد؟

منذ الإعلان عن نيّة بوتفليقة تقديم استقالته ودون الكشف عن تاريخ محدّد للخطوة، سارعت النيابة العامة بفتح تحقيقات في قضايا فساد وتهريب أموال بالعملة الصعبة إلى الخارج، كما قامت السلطات بمصادرة جوازات سفر لأكثر من 12 رجل أعمال لاسيَّما المقرّبين من عائلة بوتفليقة، واعتقلت عناصر الجمارك علي حداد رجل الأعمال المعروف بثروته المبنية من المال العام المنهوب.

كل هذه إجراءات عادية يتمّ اتّخاذها في كل بلد يسقط فيه النظام الحاكم، ولمعرفة ما إذا كان الفساد سينخفض أم لا ولقراءة ما سيحدث في المستقبل، تنبغي العودة قليلاً للوراء، فقبل تولي بوتفليقة رئاسة الجزائر كان مستوى مراقبة الفساد يقدّر بـ 0.81 سنة 1998 على سلم من -2.5 (فساد كبير) إلى +2.5 (غياب الفساد) حسب إحصائيات البنك الدولي.

ومنذ سنة 1999 ومع توالي عُهدات بوتفليقة الرئاسية الأربع ارتفع الفساد حتى بلغ مستوى مرعبا لم تشهده البلاد من قبل، لذلك فمن غير المعقول أن يتمكَّن الرئيس القادم للبلاد من اجتثات الفساد المتجذر في كافة مؤسسات الدولة في فترة زمنية قصيرة، على الأقل ستستغرق تلك العملية عقداً آخر من الزمن، وذلك إن تضافرت كافة الجهود لمحاربة الفساد، لأننا نعلم أنّ بعض رموز النظام القديم مازالت قائمة ولن تستسلم بسهولة ولن تسمح للجيش بالسيطرة وستفعل ما بوسعها لاستعادة نفوذها السياسي والمالي المفقود.

ويمكن لنا أن نستدل أيضاً بتجربة مصر التي على ما يبدو أنّ الجزائر تسير أيضاً على خطاها، ففي عهد الرئيس المخلوع مبارك وبالضبط في 2010 بلغت مراقبة الفساد في مصر -0.63، وبعد تولي السيسي رئاسة مصر سنة 2014 حصلت مصر على نقطة تقدر بـ -0.64 سنة 2015 ثم -0.65 سنة 2016، وهذا ما يدل على أنّ الفساد بقي على حاله في عهدة السيسي، والأمر سيان في الجزائر، فالفساد لن ينخفض إلا بعد مرور فترة معتبرة من الزمن، وذلك فقط إن اِتَّحد الجميع على مكافحته من أعلى الهرم إلى أسفله.

هل سيتراجع دور الجيش في الحياة الاقتصادية؟

خلال العهدات الأربع لبوتفليقة سيطر الجيش ولوبيات رجال الأعمال المقرّبين من السلطة على الحياة الاقتصادية والمشروعات الاستثمارية والتجارية الكبرى، وتبرهن ذلك الحسابات البنكية لجنرالات الجيش في البنوك الأوروبية المملوءة بمليارات الدولارات والتي قد تعادل في ضخامتها ميزانية دولة.

ولا ننسى أنّ بوتفليقة حاول مراراً وتكراراً تحجيم نفوذ الجيش من خلال عزل عدّة جنرالات أهمهم رئيس المخابرات محمد مدين، لكنّه وجد صعوبة كبيرة في ذلك، حتى استقالته جاءت تحت ضغط أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش، وهذا ما يوضّح جلياً انتصار الجيش على الرئاسة، وأنّ الجيش قد يستمرّ في السيطرة على السلطة، وبالتالي لن يعرف الوضع الاقتصادي تحسُّناً ملحوظاً ولن يتنفَّس المواطن البسيط الصعداء، لأنّ الاحتكار والفساد سيعرفان مرّة أخرى طريقاً للتغلغل بين أروقة مؤسسات الدولة وأجهزتها.

وللجيش الجزائري وزن كبير في القطاع الاقتصادي وسيحافظ على حضوره في أكبر المشاريع الاقتصادية، ولن يتخلَّى عن قدر كبير من السلطة حتّى للرئيس الذي سيحظى بقبول كبار قادة الجيش.

لذلك يمكن القول إنّ هناك مجموعات مصالح عديدة داخل الجيش ستستمرّ في القيام بأنشطتها الربحية، فعند تلاشي دور مؤسسات الدولة المدنية والقطاع الخاص في الحياة الاقتصادية ونفور المستثمرين الأجانب لا يسع الجيش إلا أن يملأ الفراغ، وعلى هذا المنوال سيواصل الجيش رسم المستقبل الاقتصادي للبلاد من خلال اقتحامه للحياة الاقتصادية، وكيف لا وهو من حسم مصير بوتفليقة.

إصلاحات اقتصادية تواكب الانفراجة السياسية؟

ستعرف المرحلة الانتقالية في الجزائر بعض الإصلاحات السياسية التي سيتمّ القيام بها لتشكيل مشهد جديد أمام المواطنين، لكن الأهمّ أن تكون هناك إصلاحات اقتصادية تتبع تلك الإصلاحات، ومن المستبعد تماماً أن يكون الجيش المؤسسة المناسبة للقيام بالإصلاح الجذري الذي يحتاجه الاقتصاد للوقوف على قدميه مجدداً، فبغضّ النظر عن النظام الجديد الذي سيتمخَّض عنه الحراك الشعبي سيحتفظ الجيش بتأثيره على صنع القرارات الاقتصادية.

حالة الاقتصاد الجزائري موصوفة، والإصلاحات الاقتصادية المطلوبة معلومة، فهناك حاجة ماسة لإلغاء الدعم وتعويضه بتحويلات مالية للفئات المستهدفة فقط، وهناك ضرورة ملحّة لتعزيز حضور ومساهمة القطاع الخاص، ورقمنة الاقتصاد الوطني، علاوة على ضرورة تحديث القطاع البنكي والمالي، وتطوير أسواق رؤوس الأموال والسندات، وتشجيع المنافسة، ومكافحة الفساد الذي يقف كعقبة كؤود في وجه المنتجين والمستثمرين، ووضع حدّ للبيروقراطية التي عرقلت الكثير من الاستثمارات وأدَّت إلى نفور المستثمرين الأجانب.

كل هذه الإصلاحات الاقتصادية ظلّت مجرّد حبر على ورق طيلة 20 سنة ماضية؛ وتوفُّر الأرضية الملائمة لتطبيقها على أرض الواقع غائب تماماً في ظلّ المعطيات الراهنة حيث لا يجب تجاهل العبء الكبير الذي سيورثه النظام القديم للنظام الجديد، كاحتياطي النقد الأجنبي المستنزف الذي خسر نحو 15 مليار دولار سنة 2018، الديون الداخلية الكبيرة التي خلَّفتها عملية طبع النقود والتي تجاوزت السقف المسموح به، القيمة المتدهورة للدينار، التضخم المرتفع والبطالة الكبيرة التي تنهش الشباب المتعلم.

ويمكن لتلك الإصلاحات الاقتصادية أن تتحقَّق في الواقع فقط إن تمّ اختيار حكومة تكنوقراطية بحتة تعمل بجدّ على إصلاح ما أفسده النظام القديم، لكن هل سيستطيع الشعب الذي تعوَّد على الدعم الحكومي وتدخُّل الدولة أن يتحمَّل ويقاوم حتى الوقت الذي يتمّ فيه تحقيق تلك الإصلاحات الاقتصادية؟

خلاصة القول إنّ التغيير الحقيقي يبدأ من عدم استحواذ الجيش على الحياة السياسية والاقتصادية، كما أنّ الجدية في محاربة الفساد هي التي ستحدث الفرق وستمكّننا من لمس فعالية السياسات التي سيتمّ اتِّخاذها، ومن المهمّ جدّا أن تتمّ محاسبة الفاسدين وفق القانون وبعيداً عن الحسابات السياسية من أجل ضمان تطبيق مبدأ المساواة في المحاسبة، ولتجنّب تكرار تجارب محاربة الفساد السابقة والتي تُوّجت بالفشل نتيجة غضّ البصر عن الحيتان الكبيرة، والأساس الصحيح لمحاربة الفساد يبدأ بانتخابات شفافة ونزيهة ومستقلة عن أية ضغوط.

المساهمون