الاستثمار الإسرائيلي في مقتل سليماني

21 يناير 2020
الصورة
مع أنها نفت أي صلةٍ لها بمقتل الجنرال قاسم سليماني، وتبرّأت من تهمة الاشتراك في هذه العملية التي زلزلت النظام الإيراني، إلا أن إسرائيل التي كانت تخشى انسحاباً أميركياً مفاجئاً من المنطقة، أبدت سعادةً غامرة، وفركت راحتيها فرحاً، ليس بالقضاء على قائد فيلق القدس على أهمية ذلك، وإنما لسببين إضافيين أكثر أهمية، أولهما أن هذه العملية الكبيرة ورّطت الولايات المتحدة في الحفاظ على وجود أطول وأعمق لقواتها في الشرق الأوسط، وبدّدت، في الوقت نفسه، مخاوف الدولة العبرية من الوقوع في عزلةٍ ميدانية محتملة، وتركها تواجه الخطر الإيراني من دون ظهير قوي.
وفق مصادر إعلامية إسرائيلية متعدّدة، فقد حاولت الدولة التي تهدّد إيران بمحوها عن الخريطة في أي مواجهةٍ مرتقبة، تصفية قاسم سليماني مرتين على الأقل في عهد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، ومرة واحدة في ولاية الرئيس الحالي، دونالد ترامب، إلا أن الإدارتين المتعاقبتين منعتا الحليف المجازف (بحكم نزعته العدوانية وعقيدته الهجومية) من التهور، والإقدام على مثل هذه المغامرة الخطرة، لاعتبارات تخصّ أولويات الدولة العظمى، وتتصل بحساباتها الاستراتيجية المعقدة، هذه الحسابات التي أعفت إسرائيل، في نهاية المطاف، من تحمّل أوزار القيام، وحدها، بمثل ضربةٍ مفتوحةٍ كهذه على كل الاحتمالات الممكنة.
أما ثاني أسباب غبطة إسرائيل بهذه العملية التي لمّح رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إليها قبل 48 ساعة من حدوثها، قائلاً إنه في انتظار وقوع حدث كبير، فهو أن تصفية سليماني على ذلك النحو الاستعراضي بالغ الدقة، على يدي الحليف الاستراتيجي، قد منح الدولة المتبتّلة في محراب القوة، جرعة ثقة إضافية بنفسها، وأرسى لبنةً أخرى يمكن البناء عليها في صرح عقيدتها العسكرية، القائمة على مبدأ المبادرة الهجومية والاستباق، وسياسة الاغتيال والانتقام، وكل ما تفيض به مخرجات نهج التفوّق العرقي والغطرسة.
وأحسب أن تصفية سليماني التي لم يرحب بها أي مسؤول في العالم، عدا نتنياهو، قد فتحت شهية إسرائيل على نحوٍ أعمق من أي وقتٍ مضى، وحثّتها أكثر من ذي قبل على العودة من دون تردّد لسياسة الاغتيالات المعتمدة لديها رسمياً، لا سيما ضد القيادات الفلسطينية، وأوجدت، في الوقت ذاته، سابقة أقلّ إشكالية مما كان عليه الحال في السوابق الإسرائيلية، وأوجدت أيضاً "مشروعية" معزّزة، هذه المرة، بمنهجيةٍ أميركية راسخة، بعد مقتل أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي وسليماني ذاته، وطوّبت مبرّرات يمكن الاتكاء عليها مستقبلاً إذا اقتضى الأمر، لاستهداف شخصيةٍ لا تقل وزناً عن الجنرال الإيراني ذائع الصيت، سواء في غزة أو مواقع صراع محيطة، خصوصا في لبنان، حيث قيادة فيلق القدس البديلة، وفق معلومات رائجة.
ليست الإشارة إلى لبنان، موضعا مرجّحا لعملية اغتيال نوعية، محض تخمين لا أساس له، وإنما هي إشارة مستمدة من مواقف وتلميحات تشي بتعزيز نية إسرائيلية مبيّته، منذ أمد بعيد، ضد قيادة حزب الله، تقوم على توظيف سابقةٍ يعتد بها، ومعتمدة لدى قائدة النظام الدولي، ومن ثمّة الاستثمار في لحظةٍ سياسيةٍ مواتيةٍ قد لا تدوم طويلاً، قدّمتها الدولة العظمى الوحيدة على طبقٍ من فضة، وقدمتها كسانحة متاحة لإسرائيل، إما لتسديد فواتير قديمة، أو لفتح حساب مؤجّل، وربما تسوية هذا الحساب الثقيل في هذه المرحلة الملائمة، في اهتبال لقول وزير دونالد ترامب إن عملية اغتيال سليماني جزء من استراتيجية أميركية أوسع في الشرق الأوسط.
صحيح أن إسرائيل لا تعوزها الذرائع إن هي عزمت أمرها على اقتراف جريمة، وفي وسعها اختلاق المسوّغات المختلفة لتسويق أفعالها الإرهابية من غير أن تتعرّض للمساءلة، إلا أن لديها في الحالة اللبنانية كل ما تفتش عنه من أسباب شكلية، وكل ما تحتاجه من مبرّرات متهافتة لارتكاب فعلة شنيعة، بما في ذلك الادعاء بوجود خطر داهم ينبغي إزالته بسرعة، أو الزعم أن حزب الله تمكّن من إدخال صواريخ دقيقة كاسرة للتوازن، وربما استغلال حادثة حدودية مفتعلة، أو غير ذلك من تلفيقات جاهزة، للمبادأة الاستباقية من موضع الدفاع عن النفس والظهور بمظهر الضحية.
تعليق: