الإفطار العلني في رمضان الأردن

26 مايو 2019
الصورة
المجتمع منقسم حول تقبّل إشهار الإفطار (خليل مزرعاوي/فرانس برس)

يُعَدّ الإفطار العلني في ساعات نهار رمضان في الأردن مخالفة تخضع لأحكام قانون العقوبات، فيما يتجدّد الجدال في كلّ عام حول فرض السلطات عقوبات على المفطرين في شهر الصوم. وفي حين يرفض الرأي العام بمعظمه إشهار الصائمين إفطارهم في هذا الشهر، ثمّة أصوات في البلاد تطالب بحرية اتخاذ القرار، مشدّدة على أنّ الصيام ترجمة للعلاقة ما بين الإنسان وخالقه، وعدم الالتزام به أمر لا يتسبب في أيّ ضرر مباشر على المواطنين الآخرين.

إلى جانب المادة 274 من قانون العقوبات الأردني، التي تنصّ على أنّ "من ينقض الصيام في رمضان علناً يعاقب بالحبس حتى شهر واحد أو بالغرامة حتى خمسة عشر ديناراً (نحو 20 دولاراً أميركياً)"، تأتي الأعراف والتقاليد الاجتماعية لتوجّه إلى المفطر نظرة استهجان.

الإفطار في نهار رمضان بالنسبة إلى صفوان نبيل "ليس جريمة تستحق الجزاء. فالحكمة من الصيام تتمثّل بالتضامن مع الفقراء عبر تهذيب النفس وحرمانها من الملذّات. لماذا لا تستفزّ التجاوزات الواقعة باختلافها، البعض طوال العام، فيما يستفزه إشهار الصيام ويطالب بعقوبات على غير الصائمين؟". يضيف نبيل لـ"العربي الجديد"، أنّ "من شأن ذلك أن يخالف النظرة الإنسانية إلى المساواة بين الجميع... بين المسلم وغير المسلم، وبين المواطن والسائح، وبين المفطر من دون عذر والمفطر بعذر بحسب التشريعات". ويسأل نبيل: "هل منع الطعام ينعكس على المجتمع إيجاباً؟"، مردفاً أنّ "شهر رمضان هو أقلّ الشهور إنتاجية في العام، والموظفون يقصّرون في أداء واجبهم ويصيرون أكثر عصبية في تعاملهم مع الآخرين، كذلك يظهر فائض الغضب لدى سائقي السيارات سلوك الغالبية، فيما تقع شجارات لأتفه الأسباب في زحام الأسواق على سبيل المثال".

من جهته، يؤيد نور محمد سعيد الإجراءات الحكومية، قائلاً لـ"العربي الجديد" إنّ "هذا المجتمع هو مجتمع إسلامي بمعظمه، وقرار منع الإفطار العلني يحول دون التعدّي على حرمة هذا الشهر الفضيل مع ما يحمل من قدسيّة، وكذلك مكانة خاصة لدى المواطنين الأردنيين". ويؤكد سعيد أنّ "الالتزام بمنع تناول الطعام في نهار رمضان ليس أمراً دينياً فحسب في دولة إسلامية، إنما هو التزام بالقوانين واحترام للمجتمع وخصوصيته وثقافته وعاداته".

أمّا حمزة الزعبي فيقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "هذا الأمر بالنسبة إليّ ليس مهماً، فأنا ملتزم بالصيام. وفي أحيان كثيرة، أستقلّ وصديقي المسيحي المركبة نفسها، فأطلب منه الأكل والشرب بشكل طبيعي، إلا أنّه يرفض ذلك. في الأمر هنا جانب إنساني يرتبط بالاحترام والتقدير". ويعيد الزعبي: "أنا صائم لله، ولا أتأثر بتناول أيّ شخص الطعام أو الشراب أمامي".




حاولت "العربي الجديد" التواصل مع دائرة الإفتاء العام الأردنية للوقوف عند رأيها بالموضوع، إلا أنّها اعتذرت عن التعليق. من جهته، يقول الباحث والمفكر الإسلامي والأمين العام لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأسبق، الدكتور حمدي مراد، لـ"العربي الجديد"، إنّ "منع الأكل وإغلاق المطاعم في شهر رمضان ضرورة مجتمعية للمحافظة على هيئة المجتمع المسلم". ويوضح لـ"العربي الجديد" أنه "يجب على الجميع في المجتمع الإسلامي الالتزام شكلاً بهذا الأمر، أمّا المضمون فيعود إلى الشخص ذاته الذي يمكنه الأكل والشرب في بيته. لا أحد يستطيع منعه من ذلك، فذلك مرتبط بقناعاته".

يضيف مراد: "ربما جاز فتح بعض المطاعم وليس كلها"، شارحاً أنّه "من غير الطبيعي فتحها كلها ونحو 97 في المائة من المجتمع من المسلمين". ويتابع أنه "من شأن بعض المطاعم تقديم الوجبات لغير المسلمين والسيّاح الأجانب، فتناول الطعام حقّ لهم ومن غير الصحيح منعهم من الحصول عليه. لكنّ إشهار تناول الطعام في رمضان يتنافى مع احترام الآخر"، مؤكداً أنّ "كلّ شخص حرّ بمعتقده ولو كان ملحداً". ويشير مراد إلى "الاحترام الذي أكنّه للإخوة المسيحيين، فلو جاءني ضيف غير مسلم إلى بيتي في نهار رمضان، فسوف أقوم بواجب الضيافة على أكمل وجه وأقدّم له الطعام والشراب فيما أنا صائم".

من جهتها، تقول الكاتبة الأردنية رانية الجعبري لـ"العربي الجديد"، إنّ "إجبار كل الناس على الصيام، سواء أكانوا مسيحيين أم علمانيين، يُضيّع الحكمة من الصيام"، شارحة أنّ "أساس الحكمة من الصيام في المجتمع المسلم هو تهذيب النفس بالامتناع عن الطعام والتعوّد على الصبر ولجم الرغبات". تضيف أنّ "هذه الحكمة لا تتحقق في الأردن. فعندما تكون صائماً لا ترى أحداً يأكل أو يشرب ويعيش حياته الطبيعية"، متابعة أنّ "قيمة العبادات هي بما يؤدّى تحبباً وليس بالقمع أو الإجبار". وتشير الجعبري إلى أنّ "الدليل الأبرز على عدم تحقق الحكمة من الصيام، هو عندما نجد في نهار رمضان فوضى في قيادة السيارات وارتفاعاً في عدد الحوادث والشجارات".




في سياق متصل، كانت وزارة السياحة والآثار الأردنية قد دعت قبل شهر رمضان الجاري أصحاب المنشآت الفندقية والمطاعم السياحية إلى الحفاظ على حرمة هذا الشهر، مطالبة في تعليمات أصدرتها بإغلاق كل الملاهي والنوادي الليلية وصالات الديسكو والبارات، فيما كانت مثل هذه التعليمات تصدر في الأعوام السابقة عن وزارة الداخلية. وتضمّنت التعليمات عدم السماح للمطاعم والمقاهي ومدن التسلية والترويح السياحي، في داخل المجمّعات والمتاجر الكبرى بتقديم الطعام والشراب قبل موعد الإفطار. لكنّ تلك التعليمات سمحت للمطاعم السياحية المصنّفة والمرخّصة من قبل الوزارة، وكذلك المطاعم والصالات في كل المنشآت الفندقية، بتقديم خدماتها لمرتاديها في خلال شهر رمضان، شريطة الالتزام بالأمكنة الداخلية المخصّصة لذلك، والمعدّة أساساً لتقديم المأكولات والمشروبات في داخل المنشأة فقط، على ألا يكون مكشوفاً أو ظاهراً للعيان من الخارج. وقد فوضت التعليمات الحكام الإداريين تنفيذ صلاحيات الوزارة، في ما يتعلّق بإغلاق المنشأة السياحية أو المرفق المخالف فوراً لمدّة شهرَين متتاليين، وإعلام وزارة السياحة والآثار بذلك ليصار لاحقاً إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقّ المنشآت المخالفة وفقاً لقانون السياحة.