اتفاق إدلب: 150 يوماً من هدوء يشرف على الانتهاء

07 اغسطس 2020
الصورة
استغل النظام التهدئة لحشد المزيد من القوات (فرانس برس)
+ الخط -

شكّل الاتفاق الروسي التركي حول محافظة إدلب، عند توقيعه في موسكو مطلع مارس/آذار الماضي بعد شهور من التصعيد، بارقة أمل لملايين المدنيين في الشمال الغربي من سورية من أجل تخفيف مأساتهم، ولكن سرعان ما تبيّن أن هذا الاتفاق لا يختلف في الجوهر عن سابقيه، لا سيما أنه لم يجد حلولاً لأكثر من مليون نازح من أرياف إدلب وحلب المتكدسين في الشمال السوري، وسط ظروف معيشية تكاد تصل إلى حدود الكارثة.
ودخل الاتفاق، أمس الأول الأربعاء، شهره السادس، وسط معطيات عسكرية وميدانية تشير بشكل واضح إلى أنه على وشك الانهيار في ظل حشود مستمرة من قوات النظام والمليشيات الإيرانية في ريف إدلب الجنوبي، مع عودة القصف الجوي من قبل الطيران الروسي الذي أدى، خلال الأسبوع الحالي، إلى مقتل مدنيين بعد غياب الطيران الحربي عن سماء الشمال الغربي من سورية أشهراً عدة وفق الاتفاق.

تجاوزت الخروقات من جانب نظام الأسد وداعميه ثلاثة آلاف خرق موثق

وبالتزامن مع انقضاء أكثر من 150 يوماً على الاتفاق الروسي التركي، صعّد النظام السوري من وتيرة عملياته العسكرية شمالي غرب البلاد، وشنت قواته، أمس الخميس، هجومين على مواقع المعارضة في ريفي اللاذقية الشمالي، وإدلب الجنوبي. كما عاودت قوات النظام محاولة اقتحام منطقة جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي بالتزامن مع قصف مدفعي على بلدات في محافظة إدلب، في ظل معلومات عن توجه أرتال عسكرية لقوات النظام والمسلحين الموالين لها، من ريف إدلب الشرقي وحلب الجنوبي والجنوبي الغربي، إلى مواقع جديدة في محيط كفرنبل ومنطقة جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، في خطوة كما يبدو للبدء بعمل عسكري باتجاهها.

وقضى الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، بعد قمة طارئة في موسكو حول "منطقة خفض التصعيد الرابعة" (إدلب وما حولها)، بوقف لإطلاق النار بدأ في السادس من مارس الماضي، بالإضافة إلى إنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولي حلب-اللاذقية "أم 4"، بعمق 6 كيلومترات من الجنوب ومثلها من الشمال، على أن يتم الاتفاق على معايير محددة لعمل الممر الأمني بين وزارتي الدفاع التركية والروسية. أما البند الثالث، والذي يتمحور كذلك حول الطريق "أم 4"، فيشير إلى بدء تسيير دوريات مشتركة بين روسيا وتركيا على الطريق الدولي من بلدة الترنبة (غربي سراقب)، وصولاً إلى بلدة عين الحور (آخر نقطة في إدلب من الغرب على تخوم ريف اللاذقية)، مع حلول يوم 15 مارس/آذار الماضي.
كذلك نصّ الاتفاق في ملحقه على الالتزام بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها الإقليمية، والتصميم على مكافحة كل أشكال الإرهاب، والقضاء على جميع الجماعات الإرهابية في سورية على النحو الذي حدده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مع الاتفاق على أن استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. ولم يتم تنفيذ البند الثالث من الاتفاق إلا بعد 21 محاولة من الجانبين الروسي والتركي، اللذين استطاعا أخيراً تسيير دورية أواخر الشهر الماضي على كامل الطريق "أم 4" الذي يربط الساحل السوري في غربي البلاد بمدينة حلب كبرى الشمال السوري. وسارت الدورية ذات الرقم 22 على مسافة تتجاوز 60 كيلومتراً، وسط إجراءات أمنية مشددة تخوفاً من وقوع هجوم كما حدث في الـ14 من الشهر الماضي، حيث أصيب ثلاثة من الجنود الروس جراء انفجار لغم أثناء مرور الدورية على الطريق.


حسون لا ينكر وجود إرادة روسية وصفها بـ"المؤقتة" للحفاظ على الاتفاق الروسي التركي

وعلى الرغم من مرور خمسة أشهر على بدء سريان اتفاق موسكو، لم يستطع الجانبان الروسي والتركي استعادة الحركة على الطريق "أم 4" داخل محافظة إدلب، الذي يُعد من أكثر الطرق الدولية في سورية أهمية، ويبدأ من الساحل السوري، وينتهي في محافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من سورية. وعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار، إلا أنّ النظام استغل التهدئة لمزيد من حشد القوات، ربما استعداداً لجولة قتال أخرى أكثر ضراوة، من تلك التي قامت بها هذه القوات بدعم روسي، خلال العام الماضي وانتهاء بمارس الماضي، والتي استطاعت من خلالها السيطرة على ريف حماة الشمالي وريف حلب الجنوبي وقسم من ريف حلب الغربي، إضافة إلى أجزاء واسعة من ريفي إدلب الشرقي والجنوبي، والتي أدت إلى نزوح أكثر من مليون مدني، عشرات الآلاف منهم يعيشون في مخيمات. كما زج الإيرانيون و"حزب الله" المزيد من العناصر في مدينة سراقب ومحيطها في ريف إدلب الشرقي وفي محيط منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، في ظل مؤشرات على قرب البدء بعمل عسكري واسع النطاق في حال اختلاف الروس والأتراك حول العديد من الملفات الإقليمية، لا سيما في ليبيا، حيث من المتوقع أن ينعكس أي توتر سياسي بين موسكو وأنقرة على الأوضاع الميدانية في محافظة إدلب.


من جانبه، أوضح القيادي في فصائل المعارضة السورية العميد فاتح حسون، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه منذ بدء سريان الاتفاق "تجاوزت الخروقات من جانب نطام الأسد وداعميه، وعلى رأسهم روسيا، ثلاثة آلاف خرق موثق، إضافة لعشرات محاولات اقتحام المنطقة". وأكد حسون التزام قوى الثورة والمعارضة السورية بالاتفاق، مشيراً إلى أنه "لم يكن هناك خروقات من جهتها تذكر"، مضيفاً "وبالتالي من الواضح أنه لم يكن هناك التزام من نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين بالاتفاق". وتابع "لولا الحشود الكبيرة للجيش التركي في المنطقة، ووجود أسلحة متطورة وهجومية مع هذه الحشود، وانتشارها بتراتيب قتال تستطيع صد أي هجوم معاد، لكانت قوات النظام وداعميه اقتحموا المنطقة غير عابئين بالاتفاق، ولا السلبيات التي ممكن أن تنتج عن هذا الاقتحام على المدنيين السوريين وتركيا والمجتمع الدولي". لكن حسون لا ينكر وجود إرادة روسية وصفها بـ"المؤقتة" للحفاظ على الاتفاق "ليس بسبب الواقع المأساوي في سورية إنما بسبب ارتباط الملف السوري بالملف الليبي، وقدرة تركيا على الضغط على روسيا في ليبيا"، مضيفاً "لولا هذه الورقة لما التزمت روسيا باتفاق وقف إطلاق النار في إدلب".


وفي السياق، لا يزال الجيش التركي يحشد قوات له في الشمال الغربي من سورية، منذ بدء الاتفاق مع روسيا حول محافظة إدلب، حيث أنشأ نحو 60 نقطة انتشار في عموم المحافظة، إضافة إلى إنشاء قاعدة عسكرية كبرى له في مطار بلدة تفتناز. وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الأربعاء الماضي، أن عدد الشاحنات والآليات العسكرية التركية التي وصلت إلى منطقة "خفض التصعيد" في إدلب ومحيطها خلال الفترة الممتدة من الثاني من فبراير/شباط 2020 وحتى الآن، أكثر من 8485 شاحنة وآلية عسكرية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، فيما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة أكثر 11500 جندي تركي، وفق المرصد.


وخيّب الاتفاق الروسي التركي آمال مليون نازح سوري، كانوا يأملون باتفاق يعيد النظام إلى الحدود الجغرافية لاتفاق سوتشي المبرم في عام 2018، ما يمهّد الطريق أمام عودة آمنة لهم إلى منازلهم. ولكن الاتفاق لم ينصّ على انسحاب قوات النظام من المناطق التي سيطرت عليها في فبراير/شباط الماضي، وخصوصاً مدينتي معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي وسراقب في ريف إدلب الشرقي.
وأشار الباحث السياسي عباس شريفة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "المراقب لوقف إطلاق النار الذي شهدته إدلب يلحظ مدى القلق الذي كان يعتري هذا الاتفاق"، مضيفاً "تعرضت الدوريات الروسية التركية المشتركة لعمليتي تفجير، كما شهد طريق أم 4 تظاهرات شعبية نددت بمرور الدوريات الروسية من الطريق". كما أشار إلى أنه "لم تتوقف المناوشات والقصف المتبادل بين فصائل المعارضة، ومليشيات النظام السوري. كما شهدت المنطقة طلعات جوية وقصف بالطيران الحربي على مدينة بنش منذ أيام، ولا تزال حشود النظام السوري تتوالى على المنطقة". وأضاف "كل هذه المؤشرات تدل على هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار بين تركيا وروسيا، وسعي العديد من الأطراف لإجهاضه، خصوصاً المليشيات الإيرانية وقوات النظام السوري، فضلاً عن أن روسيا تجعل من إدلب ورقة ضغط ضد تركيا لحماية مصالحها في ليبيا". ولا يستبعد شريفة عودة الصراع والتوتر إلى المنطقة "بسبب استعصاء الحلول السياسية، ودعوة لموسكو لتأجيل عقد اجتماع اللجنة الدستورية بسبب كورونا، ما يرجح العودة إلى سيناريو الحرب". وتوقع "ألا تنسحب تركيا بسهولة من المنطقة"، معرباً عن اعتقاده بأن الجيش التركي الموجود في المنطقة "سيقوم بصد قوات النظام عن التقدم، وهو ما سيدفع الروس إلى إعادة حساباتهم بمدى فائدة إشعال الحرب في المنطقة، والاكتفاء بالتسخين المستمر، والحفاظ على قواعد الاشتباك لنفس الذرائع التي كانت تسوقها موسكو في مواجهة أنقرة، لجهة أن تركيا لم تلتزم بتعهداتها بفتح الطرق الدولية وتفكيك هيئة تحرير الشام".

المساهمون