إلى أين تمضي السعودية؟

15 سبتمبر 2017
الصورة
+ الخط -
تمرّ المملكة العربية السعودية، في الفترة الراهنة، بحالةٍ من السفاهة وانفلات العيارات بشكل غير مسبوق، ومخطئٌ من يظن أن بلدا يعيش مخاضاتٍ طائشة، كالتي تعرفها المملكة اليوم، لن تفضي بالمحصلة إلى حالةٍ من عدم الاستقرار، وربما الفوضى في بلاد الحرمين الشريفين، لا قدّر الله. الخبر الحقيقي ليس في اعتقال دعاةٍ يميلون إلى الاستقلالية عن المؤسسة الدينية الرسمية المُؤمَمَّةِ في المملكة، فالاعتقالات في السعودية لكل من لا يقدّم ولاءً كاملا أعمى لـ"ولي الأمر"، أمر متعارفٌ عليه هناك، ومنذ عقود طويلة. الخبر الحقيقي، هنا، هو في خلفيات الاعتقال ومسبّباته، والتي تدل على كبر الأزمة وعمقها في المملكة اليوم.
إطاريَّاً، يريد الملك سلمان بن عبد العزيز، ونجله، ولي العهد، والحاكم الفعلي، الأمير محمد، تأمين كل الجبهات، سواء على صعيد العائلة الحاكمة، أو المؤسسة الدينية، أو شعبيا، لضمان انتقالٍ سلسٍ وآمن للحكم من سلمان لابنه. كلاهما يعلم يقينا أن اختطاف ولاية العهد من أبناء الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، وتحويلها إلى ذرية سلمان بن عبد العزيز، خصوصا بعد إطاحة ولي العهد السابق، الأمير محمد بن نايف، أمر أثار، ولا يزال، ضغائن كثيرة في العائلة الحاكمة وفروعها الكثيرة. ولا أظن أنه يخالجهما شكٌّ أنه لو قدّر لفروع العائلة الأخرى وأمرائها الغاضبين الانقلاب على الوضع الحالي، فإنهم لن يتردّدوا في ذلك أبدا، خصوصا أن ثمة سابقة لذلك في تاريخ آل سعود. في عام 1964، اتفق أبناء الملك عبد العزيز على خلع شقيقهم الأكبر، وثاني ملوك المملكة، سعود بن عبد العزيز آل سعود، بذريعة عجزه عن القيام بشؤون الحكم، وتنصيب شقيقه فيصل ملكا مكانه. بيت القصيد هنا أن مخطط أبناء عبد العزيز ما كان ليتم لولا أن المؤسسة الدينية المُؤمَمَّةِ رسميا وقفت معهم. وكانت المفارقة حينها أن من أعلن خلع سعود هو مفتي المملكة، محمد بن إبراهيم آل الشيخ، بناءً على فتوى لكبار العلماء السعوديين.

التاريخ والخلفية السابقتان حاضرتان في ذهن معسكر الملك سلمان وابنه، بغض النظر عن أن المؤسسة الدينية أكثر تأميما اليوم، وأكثر انصياعا لرغبة "الحاكم بأمره" في المملكة. ولكن من مأمنه يُؤتى الحَذِرُ، وهذا ما لا ينبغي أن يتم استنادا إلى حساباتهما. من الناحية الموضوعية، يمكن أن تؤدي معطيات كثيرة إلى انفلات زمام الأمور من معسكر سلمان وولي عهده، فهناك حرب اليمن العبثية، والتي لم تكتف بتدمير ذلك البلد المنكوب وسحق أهله فحسب، من دون التمكّن من هزيمة الحوثيين وعلي عبد الله صالح، بل إنها تستنزف السعودية نفسها وتُدميها. ثمَّ هناك سياسات التحديث الثقافي والقيمي التي يتحدث عنها ابن سلمان ومعسكره، من دون الأخذ بالاعتبار حقيقة البنية الثقافية المنغلقة للمجتمع السعودي، جرّاء عقود من السطوة المذهبية الشوفينية الضيقة على رحابة الإسلام. أيضا، تزداد الأوضاع الاقتصادية سوءا في المملكة، خصوصا مع تهاوي أسعار النفط. هذا من دون أن ننسى أن ثمّة متربصين من داخل العائلة الحاكمة بأي بادرة ضعف لضرب ضربتهم. أمام ذلك كله، وجد ابن سلمان الطامع في العرش في ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، حليفا طبيعيا لتسويقه في واشنطن، وهو ما وجد آذانا صاغية، إلى الآن، من رئيس أميركي يملك من الرعونة الكثير، اسمه دونالد ترامب.
أجمع حلف السعودية- الإمارات، مدعوما بمصر والبحرين، على أن محور تيارات "الإسلام السياسي" وحلفائه في المنطقة هو عدوهم الأساس. ولكن العدو في مقاربة الحلف الرباعي ليس محصورا في تيارات "الإسلام السياسي" وحلفائه، فحسب، بل في كل من يتبنّى ثقافة الديمقراطية والحرية ويروّجها في المنطقة. وعودة إلى حسابات معسكر الملك وولي عهده في السعودية، التصعيد مع قطر واتهامها بكل الرزايا إنما هو محاولة لحرف الأنظار داخل المملكة عن التوترات والفشل على أكثر من صعيد، وتحميلها لطرف خارجي. قطر، ومعها تركيا، أصبحتا عنوان ذاك "العدو" المصطنع، باعتبارهما راعيين "لبعبع" تيارات "الإسلام السياسي" والديمقراطيين! المشكلة أن معسكر الملك وولي عهده أصبح يبالغ في توجسّاته، ومعلوم أن ما زاد عن حدّه انقلب إلى ضده. وضمن تلك المبالغات، انحدر الأمر إلى حدٍّ من السفاهة غير مسبوق. فأن يعتقل دعاة عقلاء وسلميون، أمثال سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا أن يسايروا الحملة الشرسة على قطر (وإن لم يعارضوها علنا خوفا من سوط السلطان) فذلك قمة التخبط وقمة الرعونة. السماجة الأكبر في هذا السياق أن يكون داعي اعتقال العودة تغريدة له على "تويتر" بعد اتصال هاتفي بين أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يوم الجمعة الماضي. علق العودة على المكالمة، ضمنيا، بالقول: "اللهم ألِّف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم". كلام جميل ولا
غبار عليه، فمن يكره الصلح لخير الأمة العربية، بل والإسلامية، كلها؟ ولكن صانع القرار السعودي الذي استفز معركةً مع قطر، بشأن حقيقة الاتصال وكيفيته، قرّر أن العودة تجاوز حدود "الولاء"، فكان أن اعتقل، فالأصل أن يدعو، حسب هذا المنطق، إلى تشتيت القلوب، وعلى قطر مباشرة، كما يفعل "علماء السلطان" الآخرون، حتى من داخل قلب الحرم المكي الشريف ذاته! الأنكى أن تصدر تلميحاتٌ من السلطات الأمنية السعودية أن العودة، وغيره من الدعاة المعتقلين، قد يكونون مرتبطين بخلية تجسّس لقطر وتركيا، وربما بخلايا إرهابية لتنظيم داعش، على الرغم من أن الكل يعلم أن هؤلاء الدعاة يعادون "داعش" وفكره.
باختصار، تسير السعودية تحت حكمها الحالي في نفق مظلم، وسياساتها متخبطة، وهي رهنت مصالح البلاد العليا لموضوع توريث الحكم. مثل هذا التخبط، مضافا إليه الفشل في إدارة المعركة مع إيران، والارتماء في أحضان إسرائيل، قد يفضي إلى قلاقل واضطرابات، لا قدّر الله، في البقعة التي تحتضن أقدس مقدسين عند المسلمين. وليس لنا هنا إلا أن ندعو الله أن ييسّر للمملكة حكماءها وعقلاءها لمصلحة المسلمين جميعا، ولمصلحة السعودية أولا، وإن كنَّا نشك أنه بقي من العقلاء كثيرون مع تصاعد الحديث عن اعتقال، أو فرض إقامات جبرية، على أمراء من العائلة الحاكمة من الناقمين على الأوضاع التي آلت إليها بلادهم وحكم عائلتهم.