أولويات لحكومة الوحدة الوطنية في تونس

أولويات لحكومة الوحدة الوطنية في تونس

21 يوليو 2016
الصورة

السبسي يحمل وثيقة "أولويات حكومة الوحدة الوطنية" (13يوليو/2016/Getty)

+ الخط -
بعد مرور أكثر من شهر على دعوة الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ما زال المشهد يراوح مكانه، فمنذ إعلانه يوم 2 يونيو/حزيران الماضي، مبادرته لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تضم الاتحاد العام التونسي للشغل (ممثل النقابات) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (ممثل الأعراف) وأحزاب الائتلاف الرباعي الحاكم وشخصيات مستقلة، تواصلت المشاورات ليتم الإعلان، يوم الثالث عشر من يوليو/ تموز الجاري، عن وثيقة "أولويات حكومة الوحدة الوطنية"، والتي أمضى عليها ممثلو اتحاد العمال واتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين، بالإضافة إلى ممثلي رباعي الائتلاف الحاكم (يضم أحزاب نداء تونس والنهضة والوطني الحر وآفاق تونس)، بالإضافة إلى ممثلي خمسة أحزاب أخرى، ساهمت بتقديم مقترحاتٍ كتابيةٍ، لوضع الخطوط العامة لعمل حكومة الوحدة الوطنية المزمع تشكيلها. 
وقد تضمنت الوثيقة ضبط ستة محاور كبرى للعمل، باعتبارها أولويات عاجلة، وهي إجمالا تتمثل في: كسب الحرب على الإرهاب، تسريع نسق النمو والتشغيل، مقاومة الفساد وإرساء مقومات الحوكمة الرشيدة، التحكم في التوازنات المالية ومواصلة تنفيذ سياسة اجتماعية ناجعة، إرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية، دعم نجاعة العمل الحكومي ومواصلة تركيز المؤسسات.
وفي قراءة سريعة للتفاصيل الواردة حول هذه العناوين الكبرى للمهام المقبلة لحكومة الوحدة الوطنية، يمكن القول إنها ظلت في مستوى الشعارات، ولم تقدّم برنامجاً عملياً قابلاً للتطبيق الفعلي، بقدر ما ظل ضمن الانشائيات العامة التي يمكن تفسيرها برغبة القوى المتعدّدة التي ساهمت في الحوار، وأمضت على الوثيقة، بالوصول إلى الأدنى السياسي المشترك، والخروج من الخلافات الكبرى التي وقع تأجيلها، أو بالأحرى ترحيلها إلى المستقبل، بشكل يوحي أن أي حكومةٍ مقبلةٍ، ومهما كان اسم رئيس الحكومة، أو الوزراء المنتمين إليها، ستظل محكومةً بجملة من التوافقات والشروط، ما يمنعها من اتخاذ خطوات إصلاحية فعلية (قد تكون مؤلمةً، لكنها ضرورية)، فالحسابات الحزبية ظلت طاغيةً على عملية التفاوض بين القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة.
ما تم الإعلان عنه بوصفه أولوياتٍ عاجلة للحكومة المقبلة هي أشبه بنقاط لبرنامج انتخابي
لحزب سياسي، حيث تفتقد التفصيل لآليات التنفيذ، خصوصاً إذا استمر عجز رئاسة الحكومة المقبلة عن التصرف خارج حسابات (وإكراهات) الأحزاب المشاركة فيها، وهو المشكل نفسه الذي عاناه الحبيب الصيد في الحكومة المنصرفة، فمقاومة الفساد، مثلاً، ظلت شعاراً حكومياً يتردّد، ولم يتم اتخاذ أي خطوات عملية في تطبيقه، خصوصاً في ظل الخلاف الحاد حول قانون المصالحة الاقتصادية الذي كانت رئاسة الجمهورية قد طرحته، والذي يعتبره بعضهم تبييضاً لبعض الفاسدين ممن استفادوا من التلاعب المالي والاقتصادي في أثناء حكم الرئيس المخلوع بن علي. وبالمثل، تظل قضية التشغيل الملحة، والتي تمس شريحة واسعة من الشباب التونسي، خصوصاً من حاملي الشهادات العليا، محكومة بثنائية عجز الدولة عن انتداب مزيد من الموظفين، وفي الوقت نفسه، عدم القدرة على توفير مشاريع ذات تشغيلية عالية، خصوصاً في المناطق الداخلية، فالجزء الأكبر من التمويل العمومي ينصرف نحو الجرايات، في ظل غياب استراتيجية واضحة، لتحويل القروض المتتالية التي تحصل عليها الدولة إلى رافعةٍ لتطوير الاقتصاد. ونظراً لغياب مناخٍ مناسبٍ لجلب الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً مع تصاعد حالة التجاذب الاجتماعي، وارتفاع نسبة الإضرابات في قطاعات مختلفة. وعلى الرغم من توقيع ممثل الاتحاد العام التونسي للشغل على الخطوط العريضة لبرنامج عمل الحكومة المقبلة، فإن الحسابات الداخلية لقيادات المنظمة النقابية قد تجعل من الصعب انضباط الهياكل النقابية، لتهدئةٍ اجتماعيةٍ، أصبحت مطلوبةً للخروج من الأزمة.
ومع أن تثمين ما ورد في هذا البرنامج في عمومياته أمرٌ لا يمكن التغاضي عنه، أو إنكاره، إلا أن الوقائع على الأرض تخالف، في أحيانٍ كثيرة، الشعارات العامة التي يتم ترويجها إعلامياً. ويبقى التحدي المقبل يتلخص في الشخصيات التي ستتشكل منها الحكومة، وطبيعة المحاصصة الحزبية التي ستخضع لها، الأمر الذي قد يفضي الى إعادة إنتاج العوامل نفسها لفشل الحكومة المنصرفة، فلم يكن المشكل في رئيس الحكومة الحبيب الصيد بذاته، بقدر ما يتعلق بطبيعة الضغوط والإكراهات التي كان يخضع لها، ما يعني أن استمرارها، وحتى مع مجيء شخصية جديدة لرئاسة الوزراء، فقد لا يتمكن مثل سابقه من إدارة الشأن الحكومي بصورة ناجعة وفعالة.
وإجمالاً، يمكن القول إن الخطوات التي تم قطعها نحو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية تظل محدودةً إلى حد اللحظة، في ظل تواصل حالة التجميد التي تعانيها الحكومة الحالية، في انتظار تشكيل الحكومة المقبلة. والأهم أن التسريع في تنفيذ الوعود التي تم إقرارها، في الخطة العاجلة التي توافقت عليها بعض القوى الحزبية والاجتماعية، يظل أمراً حاسماً وجدّياً لإقناع الرأي العام بجدوى ما جرى، خصوصاً في ظل حالة انعدام الثقة التي أصبح يبديها جزء مهم من الرأي العام إزاء المؤسسات التنفيذية والشخصيات السياسية التي اختارها في انتخابات 2014.