أدب المهجرية الجديدة في إيطاليا: البحث عن نقطة ارتكاز

12 يوليو 2020
الصورة
غرافيتي لـ بانكسي في البندقية يصوّر طفلاً مهاجراً، 2019 (تصوير: ماركو برتوريلو)

ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت إيطاليا إلى بقعة تستقطب آلاف المهاجرين الذين غادروا ما يُسمى "عوالم الجنوب" للبحث عن حياة أفضل، وبعد فترة ليست طويلة، عمّدت وسائل الإعلام البحرَ الأبيضَ المتوسط باسم "مقبرة التعساء"، وبدأ قسم لا بأس به من المجتمع الإيطالي يمنح أصواته للأحزاب اليمينية المتطرفة التي تدعو إلى طرد الأجانب من أوروبا، بلهجة، وإن كانت تحاول أن تبقى ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية، إلا أن صداها سرعان ما بدأ يؤرّق أحلام اللاجئين والمهاجرين.

بعد ثورات الربيع العربي، ازداد عدد اللاجئين الفارّين من الحروب، بالأخص من سورية، وتحوّلت إيطاليا إلى نقطة عبور نحو بلدان شمال أوروبا، وفي الفترة الأخيرة، إثر إغلاق معظم الدول أبوابها أمامهم، أصبحت إيطاليا الملاذ الأول والأخير لهم. أدرك الباحثون الإيطاليون فوراً أهمية هذه الظاهرة الجديدة، ولكنهم اكتفوا بتحديد ملامحها الأكثر شيوعاً، المتعلّقة قبل كل شيء بالحياة والظروف المعيشية للقادمين الجدُد.

خلال عدة سنوات، اتسعت دائرة الأبحاث لتشمل الحقل الثقافي، وذلك بمشاركة مباشرة من قبل المهاجرين أنفسهم الذين بدأوا يسردون تجاربهم الخاصة بمساعدة صحافيين وكتَّاب إيطاليين. وهكذا رأى النور أدب المهاجرين - وهو مصطلح تمّ استلافه من الإنكليزية "Migrant writers" - الذي يُشار به إلى الإنتاج الأدبي لكتّاب أجانب يعيشون في إيطاليا واختاروا أن يكتبوا بلغة بلد "المضيف".

وقد تأخّرت هذه الظاهرة في إيطاليا نسبياً بالمقارنة مع بعض الدول الأوروبية الأخرى التي تملك جذوراً متماسكة بهذا الصدد وإرثاً كبيراً ينحدر من ماض استعماري، مثل فرنسا وبريطانيا. فمن جهة، استأصلت هذه القوى الاستعمارية ثقافة البلدان المُسْتعمرة وفرضت نهجاً من التثقيف الإجباري، بينما من جهة أخرى، تماشياً مع مصالحها الخاصة، أتاحت المجال لأشكال جديدة من الاندماج الثقافي الذي يتّصف بعلاقة من التبادل التفاعلي بين هويات مختلفة. ولكن وللمفارقة، فإن انعدام تاريخ استعماري ذي وزن، هو الذي يجعل من الوضع الإيطالي استثنائياً وفريداً من نوعه.

تأخّر أدب المهاجرين في إيطاليا مقارنة بدول أوروبية أُخرى

"الإنكليزية - يقول الكاتب البرازيلي خوليو مونتييرو مارتينز - هي اليوم لغة الأدب في الهند وسريلانكا، بينما الإيطالية ليست لغة أدبية في أي بلد آخر ما عدا إيطاليا. ها هم إذن المهاجرون القادمون من شتى بقاع الأرض، يشكّلون مجموعة واسعة من الأصول، ودون تمييز بين قُطر وآخر... تجد أميركيين جنوبيّين مثلما تجد مغاربيين، كتّاباً من أفريقيا الغربية والشرقية، وكلّهم من المغتربين الذين اختاروا هذه الثقافة، ولم يرثوها عن طريق الاستعمار. هذا يشكل فارقاً كبيراً، ففي هذه الحالة، المعرفة والتقرّب تجاه لغة يمكن أن تنشأ جرّاء عامل ودّي، أو جرّاء جرعة عاطفية قوية".

وأدب المهاجرين الإيطالي رأى النور في عام 1990 مع إصدارات كتبت بالتعاون مع صحافيين إيطاليين: "اسمي علي" للمغربي محمد بوشان، بالتعاون مع الصحافيين كارلا دي جيرولامو ودانييل ميتشّوني، و"مهاجر" للتونسي صلاح مثناني وماريو فورتوناتو، و"بائع الفيلة " للسنغالي بَبْ خوما وأوريستِهْ بيفيتّا، ورواية "وعد حمادي" للسنغالي سعيدو موسى پا وأليسّاندرو ميكيليتّي، التي صدرت عام 1991. هذه النصوص، رغم أنها كانت في غالبيتها بيوغرافية أو تتعلق بالسيرة الذاتية، إلا أنها كانت تعكس أيضاً الحاجة الماسة للتواصل مباشرة مع الجمهور الإيطالي وإسماع أصوات المجموعة المهاجرة في بيئة تضجّ بالعنف وبالعنصرية، وفوق كل شيء بالنفور المتزايد بين الطرفين.

في فترة لاحقة، بدأ الكتّاب المهاجرون يتحرّرون من الكتابة المشتركة مع صحافيين إيطاليين، رغبة منهم في تقديم أنفسهم ككتَّاب بكل معنى الكلمة. وهكذا رأت النور أعمال متباينة القيمة الأدبية، ولكن جميعها تشترك في الحاجة إلى تجاوز السيرة الذاتية الشاهدية للمرحلة الأولى. وفي هذه اللحظة بالذات التي قرر فيها الكتّاب سرد أعمالهم باللغة الإيطالية مباشرة، توقفت دور النشر عن الاهتمام بهم، وأصبح الأدب المُنتج من قبل المغتربين "لا مرئياً" تقريباً.

في بداية الألفية الجديدة، بدأت دور النشر الكبيرة تجدّد اهتمامها بالموضوع، و نشرت بالفعل أعمالاً جديدة، مثل "الأجنبية" ليونس توفيق من العراق (1999)، و"لهب في الجنة " لعبد المالك سماري من الجزائر (2000)، و"قصص إيطالية" لخوليو مونتييرو مارتينز من البرازيل (2000)، و"شمس الشتاء" لمعين مديح مصري من فلسطين (2001)، و"روميتّا و وجوليو" ليادلين مابيالا كانغبو من الكونغو برازافيل (2001)، و"نايلة " للطبيب كوصّي كوملا- إيبري من توغو (2002)، و"علامات" للشاعر الألباني كاظم حيدري الفائز بجائزة "يوجينيو مونتالي"  الثمينة للشعر، و"صراع الحضارات حول مصعد في ساحة فيتوريو" لعمارة لخوص من الجزائر (2006).

هؤلاء الكتّاب، رغم لجوئهم إلى شاعرية الاغتراب - بمعنى اغتراب داخلي - إلا أنهم طوّروا مسالك أدبية مختلفة، مستندين إلى تجارب مهمة في مواطنهم الأصلية، مثل كاظم حيدري وخوليو مونتييرو مارتينز، ورؤية نقدية وتحليلية عميقة لواقع المهاجرين دون تزلف أو الانزلاق في فخ السطحية. ولكن هنالك كتَّاب مغتربون جرّبوا أيضاً أشكالاً من التواصل الأدبي والفني تختلف عن الرواية أو القصة الكلاسيكية، كما هو الحال مع يوسف جار الله العراقي، الذي يحيك في أعماله تقاليد شرق أوسطية وصقلّية، مشكّلاً لغة على نمط السرد الشفهي الصوفي، أو طاهر لعماري، الكاتب الجزائري، الذي يمزج لهجات سهول بَدَانيا (شمال إيطاليا) مع لغة المدّاحين المغربيين، أو سانتينو سبينيللي، الذي يتبع مسار الشعب الغجري ويفخر بالانتماء إليه، ويحاول أن يجمع التراث الموسيقي والغنائي الغجري وإعادة إنتاجه ضمن منظور ثقافي كوزموبوليتاني. 

في الحقيقة، هذه الموجة من الكتّاب الأجانب الذين يكتبون باللغة الإيطالية، سواء من الجيل الأول أو من الجيل الثاني، أصبحت تشكّل مع مرور السنين علامة مهمة في فضاء الأدب الإيطالي، مع اختراقات صغيرة هنا وهناك لدور النشر الكبيرة التي، كما هو معلوم، تأخذ بعين الاعتبار الربح المادي قبل كل شيء.

مغتربون اختاروا الثقافة الإيطالية ولم يرثوها عن الاستعمار

هذا التعسّف، فيما لو أردنا أن نجاري حكم بعض النقّاد، لا يقتصر على الكتّاب المغتربين فحسب، إنما يمتد إلى الكتّاب الإيطاليين أيضاً، مع بعض الاستثناءات، مثل روايات إيلينا فيرّانتي، وأندريا كاميلليري، وداتشا مارايني، وأليسّاندرو باريكّو، وروايات المراهقات اللواتي يكتبن مباشرة على الهواتف الذكية وينشرن فصول الرواية تباعاً على مواقع مخصصة ﮐ "وات باد"، لتتلقّفها فيما بعد دور النشر الشهيرة وتحقّق من وراءها أرباحاً طائلة. تنحصر مواضيع هذه الروايات حول قصص الحب واليوميات التي لا تخرج عن نطاق الحياة المدرسية والعائلية، كما في رواية "يحدث" لصوفيا فيسكاردي التي لم تنه بعد دراستها الثانوية، والتي صدرت عن "دار موندادوري" (أكبر دار نشر إيطالية) وتربّعت فوراً على لائحة الكتب الأكثر مبيعاً.

وقد تعدّدت الآراء حول هذا الأدب الناشئ، أي أدب المهاجرين، ودوره في الاندماج الاجتماعي والثقافي، حتى أن أحد النقّاد كتب مرّة يقول: "أنا لا أعرف بأي شيء تتفاخرون؟ أنتم متواجدون على الساحة الأدبية الإيطالية منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم تتمكّنوا بعدُ من تصدّر واجهات المكتبات. وخلال كل هذه السنوات، لم يخرج من بين صفوفكم حتى كاتب مبدع مثل فابيو فولو. إذن، تواضعوا وكفّوا عن الادعاء بأن لا أحد يفهمكم، أو بالأحرى ابحثوا عن طريقة لتحسين مستواكم الأدبي!".

ولكن إيجابا شيخو، كاتبة من أصل صومالي، لها رأي آخر في هذا الشأن. فعندما فازت بجائزة مونديللو عام 2011، كتبت: "لم أكن أنتظرها، الجائزة، وطبعاً كنت سعيدة جداً. من بين الفائزين، كان الكاتب الإسباني الكبير خافيير سيركاس، كاتب أنا معجبة به كثيراً وأحبه. أودّ أن ألفت الانتباه بأنني فزت بجائزة أدبية إيطالية. أجد من واجبي أن أشير إلى ذلك، لأنها المرة الأولى التي تفوز فيها ابنة مهاجر بجائزة مرموقة كهذه. بعد فوزي بالجائزة (ربما أعترف بطريقة عفوية) كنت أنتظر أصداء هذا الخبر على الصفحات الثقافية للجرائد. كنت أتمنّى بالفعل أن فوزي هذا يمكن أن يُستخدم كذريعة للحديث عن الزملاء المغتربين وأبناء المغتربين الذين لا يكتبون باللغة بالإيطالية فحسب، إنما يزيدون من رفعة الأدب المحلّي أيضاً عبر مواضيع جديدة ولغة متجدّدة. ولكن ما حدث، كان الصمت المعتاد". 

وربما هذا ما دفع البعض للتساؤل بمرارة: "كيف يمكن لبلد مثل إيطاليا، الذي يمتلك حساً ضعيفاً تجاه نفسه كأمّة، أن يحتضن الكتاب الذين يكتبون بلغته؟ ولكن فيما لو تأمّلنا المشهد الأدبي الأوروبي في القرن العشرين، نجد أن هنالك نسبة كبيرة من الأدباء الذين ينحدرون من أصول أجنبية: منفيّين، لاجئين سياسيّين، رحالة، مرضى بحاجة إلى تغيير مناخ، كتّاب يبحثون عن بيئة أدبية أكثر ألفة، أو بحثاً عن حرية أكثر. وغالبيتهم اختاروا لغة مختلفة، مثل ناتالي ساروت (ناتالي ليونوفا تشيرناك، من أصل روسي) التي اختارت الفرنسية، وصاموئيل باركلي بيكيت (إيرلندي) الذي اختار الإنكليزية والفرنسية، وسيريا بوليتّي، أرجنتينية من أصل إيطالي، التي اختارت الإسبانية، والتي صنّفها بورخيس كأفضل كاتبة أميركية لاتينية في عصرها. 

تقول سيريا عن تجربتها في الهجرة: "عندما وصلت إلى بوينس أيرس، كنت قد تجاوزت العشرين من العمر. كنت أجلب معي طموحي فقط، ولا شيء آخر. فكّرت إذا أردت أن تنشر كتبي باللغة الإسبانية، فيجب عليّ أن أكتب بأفضل طريقة ممكنة. تأمّلت بأسى أولئك الذين يكتبون بلغتين في آن واحد، ورأيت بأنهم ينتهون دائماً بمزج هذا مع ذاك أو أنّ أسلوبهم يصبح عقيماً. عندئذ اخترت أن أضع اللغة الإيطالية جانباً، وتوقّفت عن القراءة وعن المحادثة بلغتي الأم. عندما يصبح من العسير الحصول على وسيلة ما، كل التضحيات التي نقوم بها للحصول عليها، تبدو لنا قليلة". 

والتضحيات التي يقوم بها الكتّاب المغتربون من أجل الوصول إلى نقطة ارتكاز قوية لا يمكن الاستهانة بها، يكفي أن نذكر أن معظم هؤلاء الكتّاب يمارسون أكثر من عمل لتأمين لقمة العيش، مترجمين على أبواب المحاكم، باعة متجوّلين، عمّالاً في مزارع تربية الأبقار أو في اصطبلات الخيول، كما في حالة الشاعر الألباني كاظم حيدري. ومهما تعدّدت وتشابكت الظروف، تبقى الكتابة في نهاية المآل فعل ولادة، والكتابة بلغة أخرى تعميدٌ ثان لأنه يعني مدّ جذور في أرض جديدة، مع ما يستدعي ذلك من حالة انعدام وزن لفترة من الزمن، لأن تعلّم لغة مجتمع ما، يعني أيضاً أن تحلم بتلك اللغة، التي تفرض التصادم مع أصولك، والاندماج في هذه الحالة، يعني أيضاً ألّا تنصهر، ولكن أن تبتكر شيئاً جديداً ومختلفاً.