أبعاد اقتصادية غائبة عن موسم الحج

08 اغسطس 2019
الصورة
من شعائر موسم الحج هذا العام (فرانس برس)

شعيرة الحج يحرص عليها كل عام ملايين المسلمين، ويحظى بأدائها من يتحصلون على تأشيرات الحج، وعادة يقدر عددهم كل عام بنحو 2.5 مليون حاج تقريبًا، سواء من خارج الأراضي السعودية أو من داخلها، وإن كانت العادة أن يأتي غالبية الحجاج من خارج المملكة، ففي عام 2018، بلغ عدد الحجاج 2.3 مليون حاج، من بينهم نحو 1.7 مليون حاج أتوا من الخارج.

والحديث عن اقتصاديات الحج، إنما يعني تناول أوضاع اقتصادية تمس نحو 57 دولة، هم أعضاء منظمة التعاون الإسلامي، بالإضافة إلى الأقليات المسلمة المنتشرة في ربوع الأرض.

وقد اقترنت الجوانب الاقتصادية بأداء شعيرة الحج، حتى قبل الإسلام، وجاء القرآن الكريم ليقر هذا النشاط المقرون بالعبادة، من خلال قوله تعالى "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ".
وقد يكون من السهل الحديث عن الاقتصاديات المباشرة المتمثلة في وسائل الانتقال لحجاج الخارج والداخل، وإن كان معظم حجاج الخارج يأتون عبر الطيران، وذلك وفق بيانات نشرة الحج الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية عن عام 2018، حيث وصل نحو 1.6 مليون حاج من جميع أنحاء العالم عبر الطيران، هذا فضلًا عن استخدامهم للفنادق، وشراء الطعام والشراب، والهدايا.

ويرتبط بشعيرة الحج نسك الهدي، أي ذبح الأضاحي، من الأغنام والأبقار والإبل، وعادة ما تقوم السعودية باستيراد هذه الاضاحي من دول إسلامية وغير إسلامية، للوفاء بمتطلبات الهدي في موسم الحج.

وقد قدرت نشرة الحج لعام 2018 عدد من قاموا بخدمة الحجاج في داخل السعودية بنحو 287 ألف عامل. ولكن ثمة أعداد كبيرة لم تشملهم هذه الإحصاءات تضمّهم الشركات والهيئات المختلفة التي تقوم على خدمة الحج في مختلف دول العالم.

ولكن في إطار الحديث عن شعيرة تذكّر الأمة بوحدتها، لا بد أن هناك أبعاداً غائبة، لم يُلتفت إليها بعد، بسبب النظرة الضيقة لتنظيم الحج كل عام، باعتبار ذلك شأنًا سعوديًا.
والحقيقة أن الأمر ليس فيه اقتحام لخصوصيات السعودية بقدر ما هو مدخل للتأصيل لمشروع التعاون الاقتصادي الإسلامي؟ من هنا نشير إلى بعض الأبعاد الغائبة على الصعيد الاقتصادي بالحج:

1 - ضرورة تنظم اجتماعات ولقاءات لمجتمع الأعمال على مستوى دول منظمة التعاون الإسلامي، بعيدًا عن التمثيل الحكومي، وكذلك البعد عن الجوانب الروتينية والمجاملات البرتوكولية، والتركيز على الجوانب التي يمكن أن تمثل جسورا للتعاون الاقتصادي بين مكونات هذا المجتمع. لتكون العلاقات قائمة على المصالح الاقتصادية، ويفضل أن تكون هناك اجتماعات نوعية لكل نشاط، ليسهل التلاقي، وتتحقق المصلحة.

2 - تسمح الفترة الزمنية التي يتم فيها أداء شعيرة الحج، وهي مرة كل عام، خلال أشهر الحج (شوال، وذي القعدة، وذي الحجة) بأن يتم تنظيم مجموعة من الفاعليات الاقتصادية التي تحتاجها الأمة بالفعل، لكي تتحقق صورة التعاون بشكل صحيح، مثل تنظيم معارض متخصصة لكافة الأنشطة والمجالات الاقتصادية، من زراعة وصناعة وخدمات، ويتم فيها تنظيم مشاركة الشركات والمؤسسات، لتقدم كل شركة ما لديها من منتجات، لتكون وسيلة لزيادة التبادل التجاري بين دول العالم الإسلامي.
بل قد يكون ذلك مدخلًا لدمج الكيانات الصغيرة والمتوسطة من الشركات، سواء داخل القطر الواحد، أو على مستوى الإقليم، لإيجاد كيانات كبرى، يمكنها المنافسة والإنتاج، في ظل متطلبات الحجم الكبير على مستوى الأمة.

ولا يزال حجم التجارة البينية لدول منظمة التعاون الإسلامي شديد التواضع، حيث بلغ في عام 2017 نحو 319 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 20% تقريبًا من إجمالي التجارة العالمية لدول المنظمة، وذلك وفق بيانات تقرير التوقعات الاقتصادية لمنظمة التعاون الإسلامي 2018.

3 - تعد شعيرة الهدي، أي ذبح الأضاحي، من أسرع المجالات التي يمكن من خلالها تحقق صورة جيدة للتعاون الاقتصادي، ففي الموسم الواحد يحتاج الحجاج قرابة 2 مليون رأس (ما بين الغنم، والبقر، والإبل) وبالتالي يمكن ترتيب الأوضاع الإنتاجية من خلال البلدان الإسلامية التي تتوفر لديها المراعي والثروة الحيوانية، للوفاء بهذا العدد.

وقد يكون لدى بعض الدول الإسلامية الخبرة العلمية من مراكز البحوث المتخصصة التي يمكنها أن توفر للدول المنتجة الدعم الفني، لكي يتم الأمر وفق الشروط الصحية والشرعية في الأضاحي التي يتطلبها موسم الحج كل عام.. وبذلك توجد علاقات تكاملية بين دول العالم الإسلامي في هذا النشاط. وقد يكون مدخلًا لباقي أنشطة القطاع الزراعي والثروة الحيوانية.
4 - الهدايا، جزء ليس بالهين في اقتصاديات الحج، فنحو 2.5 مليون حاج يحرصون على اقتناء الهدايا عند عودتهم لأهلهم وذويهم، سواء من حجاج الداخل أو الخارج. وللأسف تتجه التجارة السعودية إلى استيراد معظم هذه الهدايا من دول غير إسلامية، وعلى رأسها الصين، التي تتفنن كل عام في تقديم منتجات جديدة لتخاطب بها مشاعر الحجاج.

وبلا شك أن الترتيب والإعداد لهذه الهدايا يمكن أن يكون سوقًا واسعًا ونشاطًا مهمًا للدول الإسلامية، ويكون ذلك من خلال دراسة مشتريات الحجاج خلال 5 أعوام ماضية، للتعرف على القطاعات المهمة التي تستهوي الحجاج لشراء هداياهم، سواء كانت من الملابس والمنسوجات، أو العطور، أو ألعاب الأطفال، أو الأجهزة الإلكترونية، وقد يكون ذلك من السهل توفيره عبر دول إسلامية تشتهر بإنتاج هذه السلع بوفرة، مثل المنسوجات من تركيا، أو السلع الإلكترونية من ماليزيا وإندونيسيا، وهكذا.

5 - قد يكون من المناسب أن يتم تكوين صناديق استثمار مباشر تطرح أفكارها ومشروعاتها على الحجاج، لكي يساهموا بأموالهم لصالح مشروعات إنتاجية تعمل على تنمية الدول الفقيرة والأشد فقرًا في العالم الإسلامي. وبلا شك فإن ذلك يحتاج إلى رقابة حكومية تضمن سلامة عمل هذه الصناديق، بما يحافظ على أموال المساهمين، وهم بلا شك من بلدان مختلفة.

قد ينظر البعض إلى هذه الجوانب على أنها محدودة الأثر، وهي ليست كذلك، فسوف يتحول العام بالكامل إلى فترات إعداد، ومنافسة بين الشركاء لتحقيق أكبر مصالح اقتصادية ممكنة، وهو ما سيؤدي إلى إيجاد فرص عمل جديدة، وأنشطة اقتصادية متنوعة، وكذلك سوف يدر على السعودية الكثير من المصالح الاقتصادية، وتدفق سياحي على مدار العام، ليكون نشاط الحج غير قاصر فقط على شهور الحج، بل سيكون التواجد المستمر للمستفيدين من هذه المؤتمرات والمعارض.
لكن يبقى غياب الإرادة السياسية عقبة كؤود تجاه وحدة الأمة الإسلامية، على مختلف الصُعد، ومن بينها الصعيد الاقتصادي، ولنا أن نتخيل لو أن الدول الإسلامية قد استفادت من هذا التجمع السنوي على مدار العقود الماضية، منذ التوجه للدولة القُطرية وغياب مفهوم وواقع الأمة الإسلامية، فموسم الحج في كل عام يضم مختلف التخصصات من جميع بقاع العالم، فضلًا عن الملاءات المالية المختلفة.
تعليق: