"الرسائل العربية": رحلات صيد المخطوطات من الشرق

15 ابريل 2019
الصورة
(من مخطوط "كليلة ودمنة"، المكتبة الوطنية الفرنسية)

في عنوان كتابه الأصلي يورد المؤلف ألكسندر بيفيلاكوا كلمة "جمهورية"، The Republic of Arabic Letters وهو يفهم حرفياً بـ"جمهورية الآداب العربية" التي يحيل بها الكاتب إلى مجتمع فكري أدبي مهم من الكتّاب والعلماء الأوروبيين الذين تخصصوا في الثقافة والأدب العربيين ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهؤلاء أسسوا عبر المراسلات والخطابات والنشر مجتمعاً تجاوز حدود البلدان.

وكأن الباحث المتخصّص في دراسات التاريخ الثقافي، يقترح علينا أن ثمة وجوداً لكيان (جمهورية) علمية أصغر حجماً من البلدان وأكثر اتساعاً منها في آن، وأن أصحاب هذه الجمهورية هم دارسو النصوص الإسلامية من إنكليز وهولنديين وفرنسيين وإيطاليين وألمان، وعلى أساس ما قدمه أبناء هذه الجمهورية الثقافية تأسس ما يعرف اليوم بالدراسات الإسلامية في أوروبا، من هذه الأسماء جورج سيل أول مترجم إنكليزي للقرآن، وبارتيليمي ديربلو مترجم المكتبة الشرقية.

غير أن مترجم الكتاب إلى العربية هيثم داوود اختار عنونة العمل بـ"الرسائل العربية: الإسلام والمسلمون في عهد التنوير الأوروبي" (جروس برس ناشرون، 2019)، عن ذلك يوضّح المترجم السوري في حديث إلى "العربي الجديد": "تعتبر مسألة ترجمة عنوان الكتاب إحدى القضايا المهمة في تقديم الكتاب وطرحه أمام القراء وهذه قضية تحمل بُعداً أخلاقياً في الوقت ذاته فليس لزاماً على المترجم نقل عنوان الكتاب بشكله الحرفي، فكما هو معروف فإن عملية الترجمة برمتها تتمثل في نقل المعنى وصياغته بطريقة مفهومة بالنسبة لقارئ النص المترجم مع المحافظة على أمانة النقل وأمانة الترجمة للنص الأصلي وبعد استشارة عدد من الأصدقاء، تم اقتراح عنوان "الرسائل العربية" عوضاً عن العنوان الأصلي للكتاب لتمثل هذه الرسائل العربية المفاهيم الأصيلة والتقاليد الجميلة والتراث الفكري والبعد الخلقي والأخلاقي الذي قدمته الحضارة العربية الإسلامية لأوروبا".

يتناول الكاتب في البداية مشاريع بناء المكتبات في أوروبا، ثم رحلة صيد المخطوطات من الشرق، التي تبدو كما لو أنها كانت مغامرة مثيرة، وفي فصل خاص بترجمة القرآن يروي تفاصيل دقيقة لأول ترجمة لاتينية للقرآن أنجزها لودوڤكو ماراتشي (1612-1700)، وهي النسخة التي اعتمد عليها جورج سيل في ترجمة القرآن إلى الإنكليزية وظلت مرجعية حتى القرن العشرين.

في أحد فصول الكتاب يروي المؤلف قصة أول مقعد للأدب العربي في جامعة أوكسفورد والذي حمل اسم "وليام لود"، وكان أول من شغل مقعد لود هذا إدوارد بوكوك (1604-1691)، والذي يقول عنه بيفيلاكوا "أحياناً يحوّل كتاب واحد مجال الدراسة حقاً ويفتتح طريقة جديدة للتفكير والكتابة"، وكان يتحدث عن كتاب بوكوك الذي درس فيه التاريخ العربي، وقدم "رؤية جديدة للإسلام" بالتعريف بعلماء وفقهاء مثل ابن سينا والسيوطي وابن تيمية والشهرستاني.

يقف الكاتب أيضاً عند "المكتبة الشرقية" لـ بارتيليمي ديربلو الذي صدر عام 1697، وفيه مصادر المكتبة، وطريقة تنظيمها وشبكات التجميع التي جلبت المخطوطات الشرقية إلى مكتبات باريس. ويذكر مصدراً واحداً على وجه الخصوص، وهو قاموس ببليوغرافي للباحث العثماني كاتب جلبي، أو حاجي خليفة (1609-1657)، وكان محورياً لكتاب ديربلو.

الحقيقة إن موسوعية كتاب من هذا النوع، تتطلب مترجماً متخصصاً، هذا أول ما يخطر لك حين تعرف أن العمل نقل إلى العربية، فمن هو المترجم؟ يقول داوود "منذ مرحلة مبكرة لدي ذلك الشغف في قراءة التاريخ، لا سيما تلك الفترة الغامضة من العصور الوسطى، والرابط التاريخي السريالي السرمدي بين الوجود العربي في الأندلس وانتهاء الحكم الإسلامي في تلك الفترة وصعود الحضارة الأوروبية، التي بدأت آنذاك تنفض عن كتفيها تلك الفترة المظلمة من تاريخها بكل ما تحتويه من دجل وشعوذة واتهامات بالسحر والهرطقة والتعامل مع الشيطان ورفض المنهج العلمي والحديث وتحليلها للأحداث التي كانت تعيشها بناء على فهمها البسيط المحدود وصولاً إلى مرحلة النهضة التي اعتمدت في قسم كبير منها على الإرث العربي الإسلامي وعلى الكتابات العربية والمؤلفات التي قدمها العلماء المسلمون آنذاك".

في جزء مخصّص لعلاقة الإسلام بالتنوير، يناقش الكاتب كيف قرأ فولتير وغيبون الإسلام على نحو مختلف عن قراءات المستشرقين قبلهما، ويعتبر أن ثمة خلطاً وقع بين آراء المستشرقين وأفكار التنويريين، مبيناً أن حقبة التنوير قدمت فهماً مختلفاً، ولم يكن الإسلام فقط هو الذي شوهد في ضوء مختلف، بل الدين بشكل عام.

يرى داوود أن أهمية ترجمة هذا الكتاب تكمن في ما يعيشه العالم اليوم من "العنصرية والتطرف ومعاداة العرب والإسلام وانتشار رهاب الإسلام وكره اللاجئين ومعاداة الأجانب، فمن المهم والواجب السير في اتجاهين: الأول تعزيز عملية ترجمة الكتب التي تحمل رسائل مشابهة لكتاب "الرسائل العربية" كون هذه الكتب والرسائل تعزز الهوية والإرث الثقافي العربي والهوية التاريخية، والثاني نشر الكتب العربية التي تتحدث عن التاريخ والحضارة العربية باللغات الأجنبية".

دلالات

تعليق: