"البوتينية" .. إيديولوجية روسيا الجديدة

19 يوليو 2020
الصورة

روس بحتجون في سانت بطرسبورغ على "إصلاحات" الدستور الروسي (15/7/2020/فرانس برس)

+ الخط -

تلخص عبارة "أنا هنا لأبقى" الوضع جيدا في روسيا، بعدما نجح الرئيس فلاديمير بوتين، بفضل استفتاء الأول من يوليو/ تموز الحالي، على التعديلات الدستورية، في حسم الجدل المحتدم داخل النخب السياسية والإعلامية، بشأن الزعيم المقبل بعد نهاية ولايته الرابعة عام 2024. تقضي المادة 81 من الدستور المعدّل بإعفاء الرئيس، وقت دخول التعديلات الدستورية حيز التنفيذ، من احتساب ولاياته السابقة ضمن مقتضيات الدستور الجديد.

استبدل بوتين تكتيك تبادل المواقع (بوتين/ ميدفيديف)، بخطة تعديل الدستور الروسي، حتى يتمكّن من "تصفير" ولاياته الرئاسية، وبالتالي إمكانية ترشحه لعهدتين جديدتين، ما يتيح له إمكانية البقاء في الحكم حتى العام 2036. ويستجيب لتطلعات سلاسل القيادة الرسمية في الكرملين، بضمان بقائه في الحكم، بفعل سلطته المطلقة من دون ولادة وريث شرعي له. خصوصا، بعد أن تمكّن من ربط اسمه بالنظام السياسي، فروسيا البوتينية، منذ وصوله إلى السلطة عام 2000، دولة هجينة؛ تتولى تطبيق الحداثة بأساليب استبدادية، بعد فشل عملية التحوّل الديمقراطي الروسي في تسعينيات القرن الماضي.

يعتقد بوتين أن قيادته أنقذت روسيا من التفكّك والخضوع للمصالح الغربية، وأقامت الدولة الروسية القوية

كرّس بوتين نفسه زعيما لروسيا، فقد استعاد هيبة الدولة المفقودة، بعد سقوطها تحت رحمة المضاربين ورجال الأعمال الفاسدين وصندوق النقد الدولي وسفراء الدول الكبرى، ليتعدّى، في أعين أنصاره، مرتبة الرئيس نحو القائد الأعلى لروسيا. وبدا ذلك واضحا في أكبر تعديل دستوري جزئي تشهده روسيا، منذ عام 1993، حيث أجمع مجمل التعديلات على تجسيد رؤية بوتين لروسيا؛ من خلال تحديد القيم والأولويات التي رسخها خلال عشرين عاما من وجوده داخل الكرملين.

حرص عبقري "الشطرنج ثلاثي الأبعاد"، كما وصفت الوزيرة الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، بوتين مرة، على أن يطبع الدستور الروسي بلمسة بوتينية خالصة، فحضرت النزعة الثقافية المحافظة التي وسمت فترة حكمه، من خلال بنود تشجع التعليم الوطني، وفقرات فيها إشارات دينية واضحة إلى الرب، ومواد تشيد بمؤسسة الأسرة، ودورها الطلائعي في بناء الأمة الروسية. وبالموازاة مع النفس الإصلاحي في الدستور، حضرت مقتضياتٌ ذات نزعة سلطوية شمولية، تطلق يد الرئيس للحفاظ على نفوذه، وحماية الهيكل الداخلي لنظام الحكم في روسيا، الذي تولى رجل المخابرات الروسية بناءه 20 سنة قضاها في سدة الحكم. وقد منح بوتين لنفسه، بموجب الدستور المعدل، حق رفض تمرير قانون أقرّه ثلثا النواب. ووسع من صلاحياته في مجال القضاء، فخوّل للرئيس حق تعيين عدد كبير من القضاة. صحيح أن الدستور أعطى البرلمان الحق في اختيار رئيس الحكومة، لكن الرئيس احتفظ لنفسه بالحق في إقالة رئيس الحكومة، أو إقالة أي عضو من أعضاء الحكومة، حينما يشاء.

تكشف التعديلات الدستورية التي أقرّها البرلمان، في شهر مارس/ آذار المنصرم، بأغلبية 383 صوتا، عن عزم الرئيس على فرض "البوتينية" طريقة فعالة في الحكم، بحسب منظر الكرملين، فلاديسلاف سوركوف، بقوة القانون، فالاستفتاء، في نظر المراقبين، محاولة من بوتين للحصول على تفويض شعبي، سوف يحتاج إليه مستقبلا، لحظة تنزيل تصوّره للدولة الروسية. ما يعزّز من شكلية هذا الاستفتاء أمران، أحدهما حديث الصحافة الروسية عن طبع الدستور الجديد وتوزيعه للبيع، في المكتبات وأكشاك الصحف، قبل الاستفتاء. والآخر؛ إجبار المشاركين في التصويت على اختيار واحد من اثنين: قبول مجمل التعديلات أو رفضها جميعا.

حرص بوتين على أن يطبع الدستور الروسي بلمسة بوتينية خالصة، فحضرت النزعة الثقافية المحافظة التي وسمت فترة حكمه

ساهمت هذه الخطة في تحقيق طموح أنصار بوتين، فقد شقّت صف المعارضة الروسية، فتراوح موقفه بين خياري التصويت بـ "لا" والمقاطعة، ما أدّى إلى هيمنة أنصار البوتينية على نتائج الاستفتاء؛ حيث بلغت نسبة القبول بالتعديلات 78.5%، واقتربت نسبة الإقبال العام على المشاركة 68%.

استغل بوتين الظرفية الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا لمصلحته، فمنع المعارضة من الدعوة إلى رفض الدستور، بإيقاف كل أشكال الاحتجاج ضد التعديلات، وعمد إلى تضييق الخناق على الصحافة التي تغرّد بعيدا عن سرب النظام. إضافة إلى استخدام أساليب وحيل غير قانونية في الدعاية للدستور، إذ عمد القائمون على الحملة إلى مغازلة المشاعر القومية لدى الروس، قصد حثّهم على المشاركة في التصويت، فحضرت صور الأطفال في الشوارع، ما يمثل مخالفةً قانونية، وأجريت سحوبات على جوائز لتشجيع المصوّتين، واستخدمت اللغة الروسية، ورموز الحرب العالمية الثانية.. وغيرها ذلك، ما يثير الشعور بالفخر والحس القومي لدى الروس.

يريد بوتين لروسيا أن تصبح قوة عظمى، وأن يتم الاعتراف بها على هذا النحو، أي أن يكون لها صوت في جميع القضايا العالمية

يدرك أعضاء "مطبخ مجلس وزراء" جيدا أن مصالحهم وثرواتهم ومقتضيات أمنهم تعتمد على حكم هذا الرجل، فقد ساهموا في تحويله من رئيس متردّد نسبيا، في بدايات حكمه خلفا للرئيس الأسبق بوريس يلتسن، إلى مستبد طبيعي جريء، يعتقد أن قيادته هي التي أنقذت روسيا من التفكّك والخضوع للمصالح الغربية، وأقامت الدولة الروسية القوية، فالثابت الوحيد عمليا في الفكر الرسمي في روسيا بوتين هو عبادة الدولة القوية. ويتجلى ذلك، بحسب مالك جالوتي، في الحرص الشديد في النسخة التي تحظى بموافقة الدولة من تاريخ البلاد على سردية كيف أن الدولة الضعيفة جلبت البؤس، وكيف أن الدولة القوية جلبت المجد والازدهار.

حولت هذه السردية قيصر روسيا، في أعين شريحة واسعة، من رئيسٍ منقذٍ للشعب الروسي، من ويلات تبعات إصلاحيات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلى زعيم محارب في جبهات الحرب العسكرية (سورية وليبيا) والاقتصادية (العقوبات) والدبلوماسية (الأمن العالمي، السلم..)، طمعا في صناعة روسيا جديدة، تحيي أمجاد روسيا القيصرية، بفرض نفسها على مسرح الأحداث الدولية، فبوتين يريد لروسيا أن تصبح قوة عظمى، وأن يتم الاعتراف بها على هذا النحو، أي أن يكون لها صوت في جميع القضايا العالمية، فالدب الروسي أوْلى بالزعامة من التنين الصيني.