"الانفصالية الإسلامية" في فرنسا

06 سبتمبر 2020
الصورة

في زيارة المقيم الفرنسي العام في المغرب الجنرال نوجيس مسجد باريس (25/9/1936/Getty)

+ الخط -

أكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 18 فبراير/شباط من العام الجاري، في خطابٍ له في مدينة مولوز (شرق)، عزمه التشدّد في مواجهة ما سماها "الانفصالية الإسلامية"، والوقوف ضد "التأثيرات الخارجية" على الإسلام في فرنسا. وبعد ذلك الخطاب الذي طرح مفهوم الانفصالية الإسلامية لأول مرة علناً، وقعت عدة مناسبات، تم خلالها استعادته وتطويره وتوسيع مروحته، ليطاول ما لم يطاوله فَي نسخته الأولى، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المتعدّدة. ولم يكن اختيار مولوز لإطلاق المصطلح الجديد في الثقافة السياسية الفرنسية مصادفة، فالمدينة تقع في مقاطعةٍ كثيفة السكان من المسلمين من أصول مختلفة. كما أن فيها عدة مراكز دينية، جرت العادة أن تُرسل بعض الدول الإسلامية أئمتها المكونين في مدارسها الدينية التي يعتبر الخطاب الفرنسي أنها متطرّفة، أو في أحسن الأحوال ليست تنويرية.

لقد أرّخت هذه المناسبة لحصول انزلاق مفاهيمي في الخطاب الرسمي الفرنسي، المرتبط بالإسلام، فمن وصف الخطر "الجمعي الطائفي" الذي يعزل فئةً من المواطنين عن مفاهيم الجمهورية العلمانية، بتعريفاتها الأكثر التزاماً، للوصول إلى الحديث من دون أي التفاف أو مواربة عن خطر وجود نزعة انفصالية، لدى مجموعات إسلامية في الجمهورية الفرنسية. وبعد أن كان توصيف "الانفصالي" مرتبطا بقومياتٍ تعيش على التراب الوطني، كالباسك والكورسيكيين، فقد صار الآن متوجها نحو مكوّن ديني، أثبتت كل الدراسات السوسيولوجية الجادة أنه غير متجانس، وأنه مندمجٌ في غالبيته في مؤسسات الجمهورية.

صار توصيف الإنفصالي متوجها نحو مكوّن ديني، أثبتت الدراسات السوسيولوجية الجادّة أنه غير متجانس، وأنه مندمجٌ في غالبيته في مؤسسات الجمهورية

يعتبر ماكرون الانفصالية "حركة انغلاق على الذات تسعى للخروج من المجال الجمهوري". ويعطي مثالاً على ذلك من خلال سحب بعض الأهالي أولادهم من المدارس الحكومية، لأسباب دينية. مضيفاً مثالاً آخر على المراقب أن يعيد قراءة النص الذي ورد فيه عدة مرّات، ليصدق أنه يُماشي المثال الأول في مستوى الجدّية، والذي لا خلاف مبدئيا على خطورته، فيعتبر أن "رفض مصافحة امرأة من رجل" يُعبّر أيضاً عن نزعة انفصالية (...). إخراج الأطفال من المسار التعليمي جريمة تعاقب عليها قوانين أغلب الدول. وأن يكون ذلك لأسباب دينية، فستصير الجريمة أكثر إثارة للخوف وللشك، من دون الوقوع في الأحكام المسبقة الكاريكاتورية. وعموماً، تُشير إحصاءات وزارة التربية الفرنسية إلى ندرة مثل هذه الحالات. أما رفض مصافحة امرأة، أو ترك اللحية، أو القيام بالصلاة أو صيام رمضان، فلا يمكن أن تسبب الهلع والخوف، مهما كان الموقف الذاتي منها سلبياً، كما أنها تبقى في إطار الحريات الشخصية حتى إشعار آخر، إن لم تتجاوز على حريات الآخرين، ولم تؤثر في احترام القوانين المرعية.

وقد اقترح الرئيس الفرنسي أربعة محاور لعلاج النزعة الانفصالية الإسلامية، تبدأ بمحاربة النفوذ الأجنبي في توجيه الدراسات الدينية وتعليم الدين في فرنسا، وبالتالي وقف قبول الأئمة الذين ترسلهم دول بعينها، خصوصاً الجزائر وتركيا والسعودية. الثاني تشجيع الدولة فرنسة الإسلام. والثالث، لمواجهة كل الإشارات التي يمكن أن تدل على وجود ميول انفصالية تعتمد إقامة قانون ذاتي بعيد عن قوانين الجمهورية. وأخيراً، يتعلق المحور الرابع بإعادة سلطة الدولة إلى بعض المناطق التي يشعر سكانها بأنها (الدولة) قد استقالت من مسؤولياتها فيها، وذلك عبر العمل الاجتماعي والنشاط الرياضي وتعزيز دور المدرسة، وكذلك التشديد على وجود كثيف وواضح لرجال الشرطة الوطنية، كما الدرك.

لا يمكن نفي وجود نزعات متشدّدة بين مسلمي فرنسا تساعد المشكلات البنيوية التي تعتري السياسات العامة في تفاقمها، كما لا يمكن نفي تأثير العوامل الخارجية في تأجيج بعض منها. ولكنها في العموم تبقى محصورة في أقلية عددية، ربما تؤثر في المشهد العام، ولكن معالجة "خطرها" يحتاج أساليب أكثر إبداعاً وتعتمد أساساً على تحسين السياسات العامة، والتي تشمل عمليات التوعية والتثقيف التي تستند على الاندماج القائم على احترام التنوع. أما التركيز عليها إلى حد اجتراح المصطلحات الانشطارية، كما "الانفصالية الإسلامية"، فهو مؤشّر على أن الخطاب السياسي اليميني المتطرّف صار عادي الوقع، وصار اللجوء إلى استعمال مفرداته أيضاً أمرا عاديا لكل الأطراف التي تبحث، مع اقتراب استحقاق انتخابي جديد، عن كسب الأصوات.

لا يمكن نفي وجود نزعات متشدّدة بين مسلمي فرنسا تساعد المشكلات البنيوية التي تعتري السياسات العامة في تفاقمها

كان ماكرون يوماً، وفي بدايات ولايته، يتبنّى خطاباً ثقافياً منفتحاً، يؤمن بالتعدّدية الثقافية، ومتأثراً بالجو الثقافي الذي خالطه طوال سنوات الدراسة والتكوين. إلا أنه تخلى عنه مع اندماجه في العمل السياسي اليومي، بعد الوصول إلى سدّة الرئاسة، لشعوره بأن جمهور ناخبيه يتجه أكثر فأكثر نحو اليمين. ولم يتصوّر عتاة اليمين المتطرّف الفرنسي الوصول إلى أن يأخذ منهم ماكرون سبق استخدام مصطلح "الانفصالية الإسلامية"، والذي كانوا سيحسبون ألف حساب قبل النطق به.

وقد كرر الرئيس ماكرون، يوم 4 سبتمبر/ أيلول الجاري، بمناسبة الاحتفالية الوطنية بإعلان الجمهورية الذي تم سنة 1870، استعمال المصطلح الإشكالي، مشيراً إلى قرب صدور قانون لمواجهته. وفي هذا، تُشبّه صحيفة لوموند سياسة ماكرون بلوحةٍ انطباعيةٍ بدأ رسمها رئيس جمهورية منذ ثلاث سنوات، وهو يضع فيها بشكل متدرّج رؤيته للجمهورية، وللمواطنة، وللعلمانية، تاركاً بعض أجزائها بيضاء، ليعود لاحقاً إلى تلوينها. وهو اليوم يُضيف إليها "الانفصالية الإسلامية". ويبقى الحذر مما سيملأ به بقية المساحات البيضاء، قبل الانتهاء من رسم هذه اللوحة، عشية الانتخابات الرئاسية سنة 2022.