"الإخوان" وكوابح تقييم ثورة يناير

14 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ظهر جدل، منذ أسابيع، بشأن تقييم التداعيات السياسية لثورة يناير 2011 في مصر، وكان لافتا وجود اتجاهين، يتبنى الأول النظرة التاريخية التقليدية، اعتماداً على المصادر الرسمية، فيما يذهب الثاني إلى أهمية تنوّع مستويات المصادر في سرد الروايات. وعلى الرغم من تحلي بعضهم بالموضوعية الجزئية، فإن اتساع حالة التعصب المنلفتة تثير التساؤل بشأن الدوافع وراء ترهيب محاولات تفسير المسارات والنتائج السياسية.
المشكلة في أنه، حتى الوقت الراهن، لم تطرح الأحزاب السياسية أو الحركات الاجتماعية روايتها لنجاح مسيرتها في الحراك السياسي أو إخفاقها، واقتصر دورها على الصمت ومراقبة المخالفين لها، فيما تبدو محاولاتٌ، محدودةٌ، من الباحثين وشهود الوقائع، في رصد رواية أو بناء نص تحليلي، وبالتالي، تقوم حجية الأخير على التواتر والتفسير، بدلالة النتائج السياسية المتحققة.
وبشكل عام، شهد تناول الأحداث السياسية تطورا عندما انتقل من دائرة التاريخ السياسي أو التاريخ الفردي إلى الدائرة الأوسع نطاقاً، ليشتمل التأريخ للمجتمع وحركة القوى الاجتماعية، وشبكه العلاقات وتحليل البنية الاجتماعية لفهم التقاليد والأعراف، بالإضافة إلى دراسة تطور البناء الاقتصادي، بكل ما يتضمنه من تفاعلات سياسية رسمية وشعبية. ويتقارب اهتمام بعضهم بحصر المصادر في الرسميين مع اتجاهٍ يرى أن التاريخ يتعلق بدراسة السلطة والأطر الرسمية، حيث هي عنوان صناعة الأحداث. كانت لهذا الاتجاه القدرة على التفسير في حقبة ما قبل ظهور تيارات السلوكية وما بعد الحداثة، حيث كانت اتجاهات التحليل تعتبر القانون والمؤسسات الرسمية المصادر المعتبرة. ويعتبر هذا الاقتراب، في تناول العلاقات بين الأطر الرسمية، عاملاً أساسياً لتشكيل العلاقات وصنع القرار، لكنه يسقط أهمية التركيبة الاجتماعية في تشكيل السلطة السياسية واستمرارها. وهنا، يمكن الإشارة إلى بعض الحالات والأسئلة:
الحالة الأولى، ارتفاع المشاركة في انتخابات 2011 لم تساعد على استمرار مجلس النواب 
سوى أربعة أشهر ونصف الشهر حيث تم حله بكل سهولة. والحالة الأخرى، أن نجاح الإخوان في انتخابات الرئاسة جاء في ظل سياق متناقض، فهو كان نتيجة التقارب مع الحركات الجديدة، وتوجيه خطاب مطمئن إلى الجيش. وهناك اعتقاد بأن هذه التناقضات تفسّر المسار والنتائج السياسية على مدى المرحلة التالية، وخصوصاً ما يتعلق بالدخول في صراعاتٍ بين مكونات السلطة وتباعد مواقف التنظيمات السياسية، أدّت، في النهاية، إلى إزاحة سهلة لرئيس الدولة. ووفق هذ المنظور، ظل جدل المعارضين بشأن استمرار شرعية الرئيس السابق، محمد مرسي، سائداً في الذهن، بالاعتماد على مبرّر قانوني، تجاوزته مراكز قانونية وواقعية جديدة.
وبينما تراجعت قدرة الاقتراب الرسمي، القانوني الوثائقي، التفسيرية، تصاعد تأثير المتغيرات السياسية والاجتماعية غير الرسمية في الشؤون العامة ونفوذها، حيث أخذت في الاعتبار الظروف الموضوعية لتطور المُجتمع، وتأثير الميراث الثقافي وقدرته على الاستجابة للتحديثات المتجدّدة، ما دفع باتجاه الاستعانة بالبناء النظري لعلوم السياسة والاقتصاد والاجتماع، حيث تسمح بطرح تساؤلات كثيرة عن قدرة الأطر الرسمية وغير الرسمية على تفسير الأحداث.
ولعل غياب الوعي بوظيفة التاريخ السياسي، أو تجاهله، والنظر إليه مرادفا لتاريخ الوثائق، الصامتة أحياناً والمسكونة بالشكليات أحياناً أخرى، يهمل الحراك الاجتماعي والآثار السياسية والاقتصادية بوصفها مصادر للكتابة التاريخية، فهي تقوم بوظيفتين؛ أنها تمثل الإطار التفسيري للوثائق، وأنها تعطي الفرصة للترجيح بين الروايات، حسب معايير التلامس والتماسك مع السياق السياسي والاجتماعي.
هنا، قد لا تكفي الوثائق والمصادر الأولية من الوثائق والجزئية للتعبير عن المصلحة العامة، فخلال السنوات الأولى لثورة يناير، ظهرت ما تعرف بوثائق النكاية والاستدارة والتنكّر، بحيث يشكل الاعتماد عليها، بوصفها مرجعا للتفسير، تقزيماً للحراك الثوري في ذاك الوقت، وإنحيازاً أعمى للبيانات الصادرة عن مساومات الغرف المغلَقة. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تقاذف البيانات بشأن الخلاف على المبادئ الحاكمة للدستور، في 2011، ولماذا تراجع "الإخوان المسلمون" عن القبول بها بعد ساعة من توقيع رئيس الحزب، محمد مرسي، واعتبروها استرشادية؟ وهل تقود هذه المقدمات إلى نظام ديمقراطي أم نظام سلطوي؟
وفي حالة التغيرات السريعة والمعقدة، يمثل الاعتماد على مصادر الوثائق، دون غيرها من المصادر، نوعاً من التحيز ضد الديناميكيات الاجتماعية والسياسية المشاركة في صناعة الأحداث، ولم تنظر في الوثائق. وفي الحالة المصرية، ظهرت أنماط كثيرة من هذا النوع، فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم التغير في مسوّدات دستور 2012 من دون التعرّف على تركيبة الجمعية التأسيسية والقوى المؤثرة فيها. وبهذا المعنى، تعد طريقة تشكيلها ومدى موضوعية معاييرها، وأيضاً، المداولات حول مواد الدستور من المصادر المهمة في تفسير الدستور، ولماذ تجنب الإشارة إلى إعادة تعيين شيخ الأزهر، وتضمن استمرار سلطة رئيس الجمهورية وإكمال مدته؟
الإجابة على مثل هذه الأسئلة هي باتباع مصادر متنوعة، وليس انتظار مصادر صارت غير
متوفرة، وهناك أساليب بحثية كثيرة للترجيح بين المصادر وتحريرها من الاحتكار والتدليس، غير أن ظهور الحساسية المفرطة تجاه التقييم يكشف عن حالةٍ مرضية، فالمسألة الأساسية ترتبط بمحاولة فهم رد فعل "الإخوان المسلمين" الغاضب تجاه محاولات التقييم الأولية والبسيطة.
وفقاً للمدرسة التقليدية في كتابة التاريخ، فوفقاً للبيانات الرسمية، يمكن اعتبار أن جماعة الإخوان تقبل بالحوار والنقاش المفتوح. ولكن، على مستوى المنظور الحديث، يبدو أن ثمّة تياراً نافذاً داخل "الإخوان" معاندا للحوار والنقاش، فبينما سكت الجانب الرسمي التنظيمي عن تحديد موقفه من تقييم المرحلة الماضية، تآزرت حملات الأفراد المنظمة لتشويه كل المخالفين بطريقةٍ تكشف عن عمق الرداءة الاجتماعية والخُلقية.
يرتبط هذا السلوك بإشكالية وضع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها حركة مدنية، في التاريخ المصري، فقد عاشت الجانب الأكبر في تاريخها تتنظيماً سرياً، فيما المفترض في الحركات المدنية الوضوح والشفافية. وفي هذا السياق، يبدو أن وجود مساحاتٍ غير مدوّنة في تاريخ "الإخوان المسلمين" ساعد على حدوث أمرين: التوسع في التأويل، بحيث صار تاريخها ملعباً للروايات الشفاهية المتناقضة، وأيضاً، ظلت عامل قلق سياسي غير واضح الاتجاه.
ويمكن القول إن مسار "الإخوان"، حسب الروايات المعروضة، حلقات متتابعة من الصراع مع الدولة والانكسار، باستثناء فترة محدودة شهدت بعض الهدوء. وهذا ما يمكن اعتبارها ظاهرة تستوجب النظر والدراسة، ليس فقط لطبيعتها الحادّة، ولكن لتطابق نتائجها في إهدار الرأسمال الاجتماعي وهلامية طرح المشروع الإسلامي. ويمكن القول أيضا إن ما يحدث يمثل إنعاشاً للمصادر، في مرحلة أولية لتجاوز الاحتكار الحدثي، حيث يشكل سرد الروايات الجذر الأساسي لمراكمة محتوى متنوع، وهي عملية أقرب إلى استنطاق المصادر بكل مستوياتها وتنوع النظر إليها؛ سياسياً واجتماعيا واقتصادياً، فمحاولات رهن التاريخ القريب واختزاله في عدة أشخاص افتئات على الحق في التفكير وحرية البحث.