"أسود بكلّ بساطة": وثائقيّ ساخر عن العنصرية

14 اغسطس 2020
الصورة
جان ـ باسكال زادي: "ألسنا سود البشرة"؟ (فوك كان/Getty)

جاء فيلم "أسود بكلّ بساطة" في وقت مناسب، من دون أنْ تكون له علاقة بما حدث في أميركا من تظاهرات مؤيّدة للسود، بعد حادثة جورج فلويد، ولا بردود الفعل الفرنسية المتضامنة. تحضيراته وتنفيذه سابقان لهذا. ومع فكرة مسبقة حول هذا النوع من الأفلام، لكونها ملتزمة ومتوقَّعة بعض الشيء، وما يفرضه هذا من حذر، فإنّ مُشاهدة "أسود بكلّ بساطة" لجون واكس وجان ـ باسكال زادي، المعروض في الصالات الفرنسية منذ 8 يوليو/ تموز 2020، تتيح مفاجآت عدّة، خصوصاً بالنسبة إلى معالجته أسئلة حقيقية بأسلوبٍ مبتكر وطريف وممتع.

زادي ممثّل وفكاهيّ وسيناريست ومخرج أسود. في فيلمه الأول هذا، يجرؤ على تناول أمورٍ لم تعد عادية تماماً. يُمكن القول إنّها حرجة وحسّاسة. أوّلها وأبسطها وصف الشيء بالشيء. ففي فرنسا اليوم، تتحرّج فئات كثيرة من قول "السود"، وحين يتطرّق الحديث إلى أحدهم يُلجأ، كما يحصل في مجتمعات عدّة، إلى لغة أجنبية، فيقال "بلاك" بالإنكليزية تخلّصاً من عبء معنى الكلمة وإيحاءاتها، وتجنّباً لاتّهام بالعنصرية. لكنّ زادي يُعيد استخدامها بكلّ صراحة: "قُلْ أسود بكلّ بساطة، فمن المثير للسخرية قول "بلاك". ألسنا سود البشرة"؟، يقول له صديقه الممثل فاري في الفيلم، وهو أسود أيضاً، ويؤدّي دوره الحقيقيّ فيه.

ليس الفيلم روائياً ولا وثائقياً. يفتعل الأسلوب الوثائقي في السرد، ويبنيه على اسكتشات توحّدها فكرة محورية. يؤدّي الممثلون أدوارهم الحقيقية في الحياة، كشخصيات مشهورة. لزادي دور رئيسي فيه، ويدعوه الجميع ج. ب.، اختصاراً لاسمه الأول. يحضر كممثل فاشل (40 عاماً). ربما لهذا يُقرّر تنظيم أول مسيرة احتجاج سوداء كبيرة في فرنسا. لكنّ اجتماعاته ونقاشاته، الهزلية غالباً، مع شخصيات مؤثّرة في الفنّ، لإقناعها بمساندته، والدعم المهمّ من فاري، الممثل المشهور في الواقع والفيلم، تُصبح تلميحاتٍ ذكية وساخرة، وأحياناً غبيّة مقصودة وخفيفة الظلّ، لإدانة الأفكار النمطية للأطراف جميعهم، حول السود ووضعهم في فرنسا.

من البداية، قال ج. ب. إنّ هناك كاميرا تُصوّر استعدادته للمظاهرة، ولقاءاته مع الجميع، تتبعه طول الوقت لتسجيل المواقف. في نهاية كلّ لقطة، يوجّه نظره إلى المصوّر، ليبدو الفيلم كأنّه وثائقي عنه. شخصيته خرقاء بعض الشيء، ومشوّشة الأفكار، ومُبالِغة قصداً عن شخصيته الحقيقية في الواقع، وفي آرائها وأسلوب طرحها. لعلّه نوع من تحريض المشاركين معه في الفيلم على التجاوب وإظهار ردود فعل غريبة واستثنائية تطيل الموقف، وتجعله أكثر تميّزاً وجذباً. لا شيء يوقف إصراره ومتابعته لنيل ما يريد. يهتمّ بالشهرة والحديث عنه في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا يُفسّر قراره الفجائي بتنظيم هذه المسيرة الشعبية، رغم عيشته الهانئة، اللامبالية عادةً بمفاهيم الهوية، مع زوجة بيضاء وأولادهما. قرار فجائي، يبدو أنّه غير مستعدّ له تماماً، إذْ تسيّره أفكار غريبة وتوصيفات لا تقوم على أساس منطقيّ، ولا على تفسير أو تبرير مقنع لها لديه وللآخرين. مثلاً، يعتقد أنّ اللون هويتهم المشتركة، لذلك يحصر المشاركين بالمظاهرة التي ينظّمها بـ"الرجال" السود. لا نساء سود ولا بيض البشرة، وإنْ كانوا يؤيّدون حقوق السود. يعتقد أيضاً أنّ تأثيرها سيكون هكذا أكثر فعالية.

تحديده موعداً للمظاهرة متوافق مع تاريخ إلغاء العبودية. حين قيل له إنّه تاريخ أبيض، يغيّره ببساطة، ويقبل بأوّل اقتراح. في تساؤلاته عن الهوية السوداء عنصرية وذكاء أيضاً، فهذه أفضل وسيلة للهجوم على التعصّب الهوياتي. تجلّى هذا في مَشاهد وحوارات عدّة، كاعتباره أحد الممثلين السود خائناً لهويته، لأنه لا يترك شعره مجعّداً. في لقائه الممثل المعروف عمر سي (له "المنبوذون" لإيريك توليدانو وأوليفييه نكّاش، 2011)، الفرنسي من أصول سنغالية وموريتانية، يصمّم غاضباً على تركه فجأة، لاعتقاده هذا: "مريب أنْ تكون أسود ومُصنّفاً على لائحة الشخصيات المفضّلة لدى الفرنسيين".

فهل على الأسود أنْ يكون شخصية غير محبوبة في فرنسا، ليكون مخلصاً للقضية؟ هل عليه ترك شعره مُجعّداً لينتمي إلى السود؟

لا شيء يقف أمام صراحته، فعلى بساطتها تبدو الشخصية مُركّبة في تعاملها مع وضع معقّد وآراء عدّة ليست مقنعة بالضرورة، أو لا تريد إظهار الانتماء إلى عرق ما، فهو مصمّم على حصرها فيه. في مشهد نعت صحافية ناجحة بأنّها "سوداء"، يُصرّ ـ رغم إنكارها ـ على انتمائها العرقيّ، ودور الانتماء هذا في نجاحها، بسبب التمييز الايجابي. تساؤلاته عن الهوية السوداء، المرتبطة بأفريقيا غالباً (بحسب رأيه)، يُعبّر عنها في مشهد يجمعه بماتيو كاسوفيتس، المخرج الفرنسي الأبيض، فيقول له هذا بكل حميّة، وهو يختبره لأداء دور مكرّس لأسود من أفريقيا، لا من ضاحية فرنسية: "الأفريقي هو هنا (مُشيراً إلى القلب)، لا في اللون"، فهو الأبيض أكثر أفريقية منه. ج. ب. لا يتجنّب أيّ موقف، مهما كان مُحرجاً. يتلاعب بالأفكار النمطية، مُعتمداً أسلوبي الدعابة والتحريض، ليُخرج محدِّثه عن طوره، فيحصل على ردود فعل متنوّعة.

"أسود بكلّ بساطة" وثائقيّ عن الهوية والعيش المشترك والعنصرية والصوابية السياسية، تختلط فيه المواقف بين تمثيل وواقع، يصعب التفريق بينهما، لا سيما مع انقلاب معظم لقاءات ج. ب. مع المشاهير إلى شجار وخلاف، إذْ يُعبّر كلّ واحد منهم عن نظرته الخاصة المتعلّقة بالسود والتعصّب الهويّاتي. هذه الآراء، الظاهرة في نقاشات شارك السود فيها خاصة، ربما تكون آراءهم في الحياة أو لا. فالفيلم يتلاعب بهذا، كما أنّه عُبِّر عنها بلغة متهكّمة ومواقف ساخرة وطريفة، بأسلوب قائم على الدعابة والمرح.

التعامل مع قضية حسّاسة كهذه بدا، مهما كان الموقف حامياً، باعثاً على الابتسام. هذا كلّه دعم حضور ج. ب.، الخفيف والمحبّب.