نساء صعيد مصر... انتهاكات مستمرة رغم استعراض النظام

07 مارس 2021
الصورة
في المنيا (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

قد يتهيأ للمراقب المحايد أنّ النظام المصري يدافع عن نساء الصعيد، بمعاقبته أحد الإعلاميين أخيراً، لكنّ الإقصاء والتمييز المستمرين بحقهن يدحضان ذلك

بينما يتعامل النظام في مصر، مع سقطة الإعلامي، تامر أمين، في حق نساء الصعيد، بكلّ شدة وحزم؛ خرجت مطالبات باستخدام نفس الشدة والحزم في مواضعها الحقيقية الواقعية في التعاطي مع قضايا أزلية وملحّة في الصعيد المصري، مثل منع النساء من الميراث، والزواج المبكر، وغيرها من القضايا التي يتغافل عنها الإعلام والنظام على حد سواء. 

اختار أمين أن يجاري الخطاب السائد للنظام، حالياً، بشأن تحديد النسل، والشكوى من الزيادة السكانية، والذي بدأ من الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل فترة، فجامل النظام بترديد الخطاب نفسه، ليصف أهالي الصعيد والريف في مصر، بأنّهم ينجبون ذكوراً لتشغيلهم في ورش، وينجبون إناثاً لإرسالهن للعمل في القاهرة، كخادمات (عاملات منزليات). لكن، على الفور، انقلب النظام عليه، وقرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (مؤسسة حكومية) تغريم قناة "النهار" 250 ألف جنيه (نحو 16 ألف دولار أميركي) وإنذارها بسحب الترخيص في حال تكرار المخالفات، ووقف برنامج "آخر النهار. الحلقات الخاصة بتامر أمين" ومنع ظهوره في وسائل الإعلام لمدة شهرين. وإحالة البلاغات المقدمة للمجلس إلى النائب العام المصري. كذلك، قررت نقابة الإعلاميين المصريين، إلغاء تصريح مزاولة المهنة الخاص بأمين. وحددت محكمة جنح مدينة نصر، شمالي القاهرة، جلسة 20 مارس/ آذار الجاري، لمحاكمة أمين، بتهمة سب وقذف أهل الصعيد.
لكن، لا يمكن النظر إلى سقطة تامر أمين، بعيداً عن واقعة "سيدة الصعيد" سعاد ثابت، التي جرت تعريتها بالكامل في إحدى قرى محافظة المنيا في صعيد مصر، وبرأت محكمة الجنايات المصرية المتهمين من كلّ ما نسب إليهم في حكم لم يمضِ عليه أكثر من شهرين ونصف. ففي 18 ديسمبر/ كانون الأول 2020، قبل نحو شهرين فقط من سقطة أمين، بحق نساء وأهالي الصعيد، برّأت محكمة الجنايات في مصر، ثلاثة متهمين في القضية المعروفة إعلامياً بـ"تعرية سيدة الكرم" التي وقعت في أعقاب مشاجرة في محافظة المنيا قبل أكثر من أربعة أعوام. تعود القضية "سيدة الكرك" إلى عام 2016، على خلفية تجريد سيدة مسنة من ملابسها تماماً في قرية أبو قرقاص، في سياق انتقامي لعدد من المسلمين، من ابنها بشبهة علاقته بسيدة مسلمة. كانت قرية الكرم بمركز أبو قرقاص، جنوبي محافظة المنيا، قد شهدت يوم الجمعة 20 مايو/ أيار 2016 اعتداءات طائفية على عدد من سكان القرية المسيحيين، بشبهة علاقة عاطفية بين مسيحي يدعى أشرف دانيال عطية وسيدة مسلمة، إذ أقدم عشرات من مسلمي القرية على نهب وحرق 5 منازل مملوكة لمسيحيين، مع إصابة ثلاثة أشخاص، كما جرى الاعتداء على السيدة سعاد ثابت والدة عطية، وتجريدها من ملابسها أمام منزلها، بالإضافة إلى تنظيم مسيرات جابت شوارع القرية، تخللها ترديد هتافات غاضبة وعدائية تجاه المواطنين المسيحيين بالمجمل.

الصورة
نساء في قنا (خالد دسوقي/ فرانس برس)
نساء في قنا (خالد دسوقي/ فرانس برس)

وجاء حكم محكمة الجنايات المصرية، بعدما تنحى عدد من القضاة عن النظر بالقضية "لاستشعارهم الحرج" مرتين. ففي سبتمبر/ أيلول 2020، وللمرة الثانية، تنحت المحكمة عن قضية "سيدة الكرم"، وقررت إحالة القضية لدائرة جديدة. بينما استشعرت الحرج، في المرة الأولى في مارس/ آذار 2019 إذ قررت هيئة محكمة جنايات المنيا التنحي عن نظر القضية لاستشعارها الحرج وأحالت القضية لدائرة جديدة خرجت بنفس القرار للمرة الثانية. يشار إلى أنّه بعد صدور حكم محكمة الجنايات بتبرئة المتهمين بتعرية "سيدة الكرم" كلف النائب العام المصري، المكتب الفني بمكتبه بدراسة أوجه الطعن على الحكم الصادر ببراءة المتهمين، وذلك فور إيداع محكمة الجنايات التي أصدرت الحكم أسبابه.
إلى جانب هذه القضية هناك قضايا عدة تكشف معاناة نساء صعيد مصر، مثل قضية الزواج المبكر، التي تشكل قرابة 117 ألف حالة زواج تحت سن 18 عاماً سنوياً من دون أيّ أوراق ثبوتية، في مصر عموماً، طبقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (مؤسسة حكومية) لعام 2019. ويحتل الصعيد المرتبة الأولى بين محافظات مصر، في زواج القاصرات، بنحو 59 ألف حالة، وتصل نسبته في بعض محافظات الصعيد إلى 40 في المائة من الزيجات. 
أما قضية ميراث المرأة في صعيد مصر، فأوجزها أيضاً الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في أرقام تشير إلى أنّ 10 في المائة من النساء في محافظات صعيد مصر، يحصلن على ميراثهن الشرعي، بينما تنظر المحاكم المصرية سنوياً 144 قضية تنازل عن الميراث، 95 في المائة منها لنساء وفتيات يحرمن من الميراث بمحافظتي قنا وسوهاج، بحسب الجهاز نفسه. وتشير دراسة للباحثة الأكاديمية، سلوى محمد المهدي، إلى أنّ العائلات بصعيد مصر، تستخدم ما يسمى بعرف "الرضوى" بدلاً من الميراث؛ إذ تجري ترضية الأنثى بمبلغ مادي عوضاً عن الميراث. وكشفت الدراسة أنّ نحو 95.5 في المائة من النساء بمحافظتي سوهاج وقنا لا يرثن وفق العرف والتقاليد التي لا تحبذ توريث المرأة خوفاً من استيلاء زوجها وأبنائها على الميراث، وبالتالي ينتقل الميراث إلى أشخاص أغراب عن العائلة. كشفت الدراسة أيضاً زيادة أعداد قضايا النزاع على الميراث بالمحاكم، والتي بلغت 144 ألف قضية سنوياً، إلى جانب 2750 قضية حجر على الوالدين بدعوى عدم الأهلية.

وعلى الرغم من التعديلات التي أدخلت على القانون رقم 77 لسنة 1943 بشأن الميراث، فالأعراف السائدة ما زالت تحكم الصعيد. ونص التعديل الأخير على "قانون المواريث" على أنّه "مع عدم الإخلال بأيّ عقوبة أشدّ ينص عليها قانون آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه (نحو 1280 دولاراً) ولا تتجاوز مائة ألف جنيه (نحو 6400 دولار) أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلّ من امتنع عمداً عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث رضاء أو قضاء نهائياً، ويعاقب كل من حجب سنداً يؤكد نصيباً للوارث أو امتنع عن تسليم ذلك السند حال طلبه من أيّ من الورثة الشرعيين أو أيّ جهة مختصة".

الأكثر فقراً
ليست قضايا المرأة في صعيد مصر وحدها تشهد تأزماً في هذا الإقليم الذي يضمّ 11 محافظة، بل قضايا مختلفة منها الفقر. وكشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أنّ محافظات الصعيد هي الأكثر فقراً في البلاد، وتحلّ أسيوط في الصدارة بنسبة فقر تبلغ 66.7 في المائة، ثم سوهاج 59.6 في المائة، والأقصر بنسبة 55.3 في المائة، ثم المنيا 54 في المائة، وقنا 41 في المائة.

المساهمون