مشروع أردوغان... إعادة مليون سوري قيد الانتظار

مشروع أردوغان... إعادة مليون سوري قيد الانتظار

غازي عنتاب
عماد كركص
إدلب (سورية)
عدنان الإمام
22 مايو 2022
+ الخط -

لا يبدو أن المشروع التركي لإعادة حوالي مليون لاجئ سوري إلى مناطق محاذية لتركيا داخل الأراضي السورية قد دخل مرحلة التنفيذ الفعلي حتى الآن، إذ تشير المعطيات على الأرض إلى أن ما تم بناؤه من منازل الطوب في الشمال السوري التي تحدث عنها مسؤولون أتراك خلال العامين الماضيين ليس سوى مساكن بديلة للمهجرين والنازحين من الداخل السوري وسكان المخيمات، الذين أغرقت الأمطار خيامهم وأنهكهم حر الصيف. وجالت "العربي الجديد" في عدد من تجمعات أبنية الطوب في الشمال السوري، وقد افتتح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو إحدى القرى التي بنتها المنظمات التركية شمالي إدلب قبل أيام. الكثير من المسؤولين عن موضوع إسكان النازحين واللاجئين من السوريين والأتراك يقولون إن إعادة مليون لاجئ إلى تركيا هو مشروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبالتالي يتوجب انتظار التفسيرات عندما يحين الوقت لذلك، أي مع بدء التنفيذ.
وخلال افتتاح صويلو أحد مشاريع الإسكان في بلدة الكمونة شمالي إدلب كشف أردوغان في رسالة مصورة عن تحضير أنقرة لمشروع يتيح العودة الطوعية لمليون سوري إلى بلادهم. ولفت إلى أن نحو 500 ألف سوري عادوا إلى المناطق الآمنة التي وفرتها تركيا منذ إطلاق عملياتها في سورية عام 2016، موضحاً أن المشروع سيكون شاملاً بصورة كبيرة، وسينفذ في 13 منطقة على رأسها أعزاز وجرابلس والباب وتل أبيض ورأس العين، بالتعاون مع المجالس المحلية في تلك المناطق. ورصدت "العربي الجديد" بناء عدد من التجمعات السكنية على فترات متلاحقة منذ نحو عامين، في مقدمتها شمال إدلب، بالإضافة إلى مناطق الباب وعفرين وأعزاز بريف حلب الشمالي، وتل أبيض بريف الرقة، ورأس العين بريف الحسكة، وكلها مناطق تقع تحت النفوذ التركي.

ويقول مسؤول وقف الديانة التركي في الداخل السوري أحمد نايف المحمد إن المشروع الذي يشرف عليه وينفذه وقف الديانة التركي يتضمن بناء 15 ألف منزل سكني، تم بناء 8 آلاف منها وتسليمها لمستحقيها. وينفي في حديثه لـ "العربي الجديد" أن يكون المشروع الذي ينفذونه مرتبطاً بمشروع إعادة اللاجئين السوريين من تركيا، مؤكداً أن هذه المنازل التي بينت من الطوب ليست سوى بديل عن الخيام التي لم تصمد في وجه عوامل الطقس في الشتاء والصيف، وأن مستحقيها هم من المهجرين والنازحين من مناطق عدة في الداخل السوري.
وحول ملكية الأراضي التي تُبنى عليها هذه المشاريع، يشير المحمد إلى أن ملكيتها تعود للدولة السورية (تسمى شعبياً في سورية أراضي مشاع)، قائلاً إنهم حصلوا عليها بالتنسيق مع الجهات المختصة من دون تسميتها.

ونزح إلى شمال إدلب وشمال حلب، أي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، حوالي مليوني نازح، لا سيما بعد الحملات العسكرية التي شنها النظام بدعم روسي وإيراني في الفترة الممتدة ما بين عام 2018 وبداية 2020، وخصوصاً شمال حماة وجنوب وشرق إدلب وجنوب وغرب حلب. ويقيم معظم هؤلاء اليوم في مخيمات حدودية مع تركيا، ويعيشون ظروفاً مأساوية صعبة، في ظل نقص المساعدات ووضع المخيمات والخيام التي تفتقد لأدنى الخدمات الأساسية.

الصورة
منازل الطوب في الشمال السوري 1 (عدنان الإمام)
بنت تركيا آلاف المنازل من الطوب داخل سورية (عدنان الإمام)

منازل لائقة
من جهته، يقول المدير العام للهلال الأحمر التركي إبراهيم ألتان لـ "العربي الجديد" إن بلاده تبني بمساعدة المؤسسات الأهلية ومنظمة "آفاد" (إدارة الكوارث والطوارئ التركية) 77 ألف منزل في إدلب، سلم منها حوالي 50 ألفاً للنازحين، مشيراً إلى أن لدى أردوغان مشروعاً جديداً يخص اللاجئين السوريين في تركيا، يهدف إلى بناء منازل لائقة على الأغلب ستكون عبارة عن مبان مؤلفة من طوابق عدة في الداخل السوري لتشجيع اللاجئين على العودة الطوعية. ويوضح أن ذلك سيكون من خلال تجمعات تضم الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وكل ما يحتاج إليه الناس.
وأشرف على بناء منازل الطوب في إدلب وريف حلب عدد من المنظمات المحلية السورية والتركية، في مقدمتها "آفاد" و"وقف الديانة" وهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات IHH، إما بدعم تركي أو منظمات دولية أو عن طريق جمع التبرعات، لكن جميعها تهدف إلى نقل سكان المخيمات إليها، وليس إعادة اللاجئين السوريين من تركيا.
ويقول مسؤول المكتب الإعلامي في هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات IHH سليم طوسون إنهم بنوا العديد من منازل الطوب في مجمعات، وزوّدوا تلك المجمعات بالخدمات بالإضافة إلى المدراس والمراكز الصحية. ويوضح لـ "العربي الجديد" أن "المرحلة المقبلة ستشهد بناء مبانٍ يحتوي كل طابق فيها على ثلاث شقق أو أربع، وربما يكون هذا المشروع الذي من شأنه إعادة اللاجئين إليه مستقبلاً والذي تحدث عنه كذلك المدير العام للهلال الأحمر التركي".
وفي ما يتعلق بمشروع العودة الطوعية، يؤكد طوسون أن العمل لم يبدأ بعد، مشيراً إلى أن المشروع هو مشروع الرئيس أردوغان، ويجب انتظار تفسيراته.

الصورة
منازل الطوب في الشمال السوري 5 (عدنان الإمام)
يؤكد مسؤولون أتراك أن منازل الطوب مجرد بديلة من الخيم (عدنان الإمام)

غياب الخدمات
لكن لاجئين يسألون: ماذا لو تمت إعادتهم إلى تجمعات منازل الطوب التي بُنيت للنازحين والمهجرين في مناطق مختلفة في الشمال السوري؟ سؤال يزيد من مشاعر الخوف من العودة بالنسبة لآلاف اللاجئين السوريين في تركيا. ويعرب نازحون في تلك التجمعات والقرى السكنية عن تذمرهم، لا سيما في ما يخص جودة الأبنية الطوبية وعدم صلاحيتها، وسوء الخدمات أو فقدانها بشكل شبه كامل، وخصوصاً الكهرباء والمياه وإزالة النفايات وغيرها، بالإضافة إلى ندرة المساعدات.
يقول المهجر من ريف معرة النعمان جنوبي إدلب غازي نجار، والذي يقطن حالياً في تجمع الكمونة، أحد تجمعات أبنية الطوب التي بنتها المنظمات المحلية والتركية، إن التجمع يفتقد للحد الأدنى من الخدمات كمستوصف صحي أو مدارس، وقبل كل ذلك الطرقات التي تؤدي إلى التجمع. يضيف: "ما من طريق واحد يصلح لسير الدراجات النارية أو السيارات للوصول إلى المخيم". ويشكو المهجر عبد الرزاق الهشوم، وهو نازح في المخيم نفسه، من سوء بناء المنازل التي ما زالت أسقفها تدلف المياه إلى الداخل، لا سيما خلال موسم الأمطار. ويشير في حديثه لـ "العربي الجديد" إلى أن "التجمعات لم تزود بشبكات مياه، ما يدفع الأهالي إلى شراء المياه من الباعة على حسابهم الخاص، كذلك بالنسبة لعملية ترحيل القمامة التي تجمع أجور ترحيلها من النازحين بعدما تكون الرائحة قد ملأت المخيم وكثرت الحشرات والأمراض".
وفي التجمع ذاته، بنت المنظمات مسجداً ليؤمه النازحون. إلا أن إمام المسجد الشيخ محمود الحلاق يقول إن بناء المسجد كان سيئاً للغاية، لافتاً إلى أن السقف آيل للسقوط في أي لحظة، عدا عن تسرب المياه الأمطار إلى الداخل. وتقع تلك التجمعات في أراض مشاع، بعيدة عن مراكز المدن والقرى ومراكز الخدمة، عدا عن كونها بيئة مناسبة لانتشار الحشرات والزواحف والحيوانات البرية. 
ويتمثل الخوف الأكبر في لجوء الحكومة التركية إلى استخدام الذرائع لإعادة اللاجئين قسراً والقول إن عودتهم كانت طوعية، بعد توقيعهم على التنازل عن حقهم في الحماية المؤقتة، وهو ما حدث مع بعض الحالات خلال الأعوام الماضية، لا سيما في ظل عدم معرفة الكثير من الذين رحلوا تحت هذا البند باللغة التركية. كما يخشى بعض القاطنين في الولايات التركية الرافضة لوجودهم استخدام المخالفات والإجراءات الإدارية وغيرها كذرائع لإلغاء حق الحماية المؤقتة للاجئين.
وحصلت "العربي الجديد" على إحصاءات من ثلاثة معابر عن عدد المرحلين من تركيا، والذين يعتبرون بمثابة العائدين طوعياً إلى سورية. فمن معبر تل أبيض الحدودي بين أورفة التركية والرقة السورية وحده، سجلت عودة ما يقارب حوالي 750 لاجئاً منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية إبريل/ نيسان الماضي. كما سجلت عودة 596 لاجئاً إلى الأراضي السورية منذ بداية شهر مايو/ أيار الحالي وحتى 18 منه. كما أظهرت إحصائية لمعبر باب الهوى الحدودي بين هاتاي التركية وإدلب السورية عودة 1323 لاجئاً خلال إبريل/ نيسان الماضي فقط. وبحسب إحصائية المعبر التي نشرت بشكل رسمي، فقد تم تصنيف هؤلاء بأنهم "مرحلون من تركيا". أما في معبر باب السلامة الحدودي بين كلس التركية وأعزاز السورية شمال حلب، فقد أشار مصدر لـ "العربي الجديد" إلى أن عدد اللاجئين الذين عادوا خلال هذا الشهر بشكل طوعي إلى سورية يقدر بما بين 1500 و2000 لاجئ، في وقت يبلغ عدد الذين رحلوا بشكل قسري خلال الشهر الحالي حوالي 200 لاجئ، وهؤلاء سجلت بحقهم مشكلات ومخالفات داخل تركيا.

الصورة
منازل الطوب في الشمال السوري 3 (عدنان الإمام)
منازل الطوب أفضل من الخيم (عدنان الإمام)

أربع مدن نموذجية
بالعودة إلى مشروع إعادة اللاجئين من تركيا، فقد تبلغت المعارضة السورية في تركيا من قبل مسؤولين أتراك بعض التفاصيل عن المشروع بشكل غير رسمي. ويقول مصدر فضّل عدم الكشف عن اسمه لـ "العربي الجديد" إن "مسؤولين أتراكاً أخبروا قيادة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة أن مشروع إعادة اللاجئين سيكون بعد إنجاز بناء أربع مدن نموذجية بإشراف تركي"، مضيفاً أن "المدن التي سيتم بناؤها ستكون نموذجية تتوفر فيها الخدمات العامة بشكل لائق، لا سيما التعليم والصحة، بالإضافة إلى تسهيل التجارة والبدء بالمشاريع الصناعية". وبحسب المصدر، فإن المسؤولين الأتراك أخبروا المعارضة أنه لن يتم إجبار أي لاجئ على العودة، كما أن أي لاجئ يرغب في العودة سيسجل اسمه ضمن قوائم على الوحدات السكنية التي سيتم بناؤها في هذه المدن، ليتم تسليمها بشكل تدريجي". ويقول إن المسؤولين الأتراك طلبوا من المعارضة أن تكون رسائلهم حيال اللاجئين متوازنة، وتتضمن رغبة السوريين بالعودة الطوعية إلى بلادهم وعدم تفضيل البقاء في بلدان اللجوء متى توفرت لهم الظروف المناسبة في بلادهم.

ويعيش في تركيا نحو 3.5 ملايين سوري كلاجئين تحت بند "الحماية المؤقتة" التي تعتبر بمثابة وثيقة لجوء غير معترف بها دولياً، لكن معظمهم يعتمدون على أنفسهم من خلال العمل في السوق التركي على الرغم من حصولهم على أجور متدنية، ويدفعون بدلات الإيجار والضرائب. وساهم متمولون سوريون في تغذية السوق التركي، مع الإشارة إلى أن القليل من هؤلاء يحصلون على مساعدات من الاتحاد الأوروبي عن طريق الهلال الأحمر التركي الذي يقتطع أجور عامليه منها.

ذات صلة

الصورة
خديجة السورية (العربي الجديد)

مجتمع

تعيش السورية خديجة عنداني (55 عاماً) وحيدة، بعد رحلة لجوء قاسية إلى تركيا، عادت بعدها إلى مدينة إدلب شمال غرب سورية، لتواصل حياتها من دون دعم أو سند أو حتى منزل يؤويها.
الصورة

مجتمع

يتطلع النازحون من منطقة تل رفعت، في ريف حلب الغربي، بترقب، للعملية العسكرية التي تلوح تركيا بها ضد "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، والتي ستكون تل رفعت نقطة انطلاق لها.

الصورة
الجيش التركي في سورية-عارف تماوي/فرانس برس

سياسة

العملية العسكرية التركية المرتقبة شمالي سورية، والتي تعتزم تركيا شنها بالمشاركة مع حليفها "الجيش الوطني" المعارض ضد "قوات سورية الديمقراطية – قسد"، لا تزال محط جدل ونقاش بين مؤيد ومعارض في أوساط السوريين.
الصورة
تشييع الشاب السوري شريف الأحمد في ريف إدلب (فيسبوك)

مجتمع

شيَّع أهالي بلدة حفسرجة بريف إدلب الغربي، شمال غربي سورية، الثلاثاء، جثمان الشاب شريف الأحمد (21 سنة)، والذي قُتل، أمس الإثنين، على يد شبان أتراك بدوافع يُرجّح أنها عنصرية، قرب منزله في ولاية إسطنبول.

المساهمون