سؤال الساعة في لبنان: كيف فرّ سجناء بعبدا؟

21 نوفمبر 2020
الصورة
بعض أقارب السجناء الفارين (أنور عمرو/ فرانس برس)
+ الخط -

بينما بدأ لبنان الأسبوع الثاني من الإقفال العام مع ما فيه من سجن السكان في بيوتهم لمحاولة كبح فيروس كورونا الجديد، توجهت الأنظار إلى السجون الحقيقية المكتظة، والتي تعاني بدورها من أوضاع صحية وإنسانية غير ملائمة لطالما تحدثت عنها التقارير المحلية والدولية. فقد سجل فجر اليوم السبت، فرار مجموعة كبيرة من السجناء من مركز توقيف في بعبدا (جبل لبنان، بالقرب من العاصمة بيروت) بعد مواجهة وقعت داخل السجن مع عناصر قوى الأمن الداخلي، أسفرت عن سقوط عدد من الجرحى في صفوفهم.
لم يقتصر الأمر على ذلك، إذ وقع عدد من القتلى في صفوف السجناء الفارين خلال مطاردتهم. وفي التفاصيل التي تحدث عنها بيان قوى الأمن الداخلي، أنّه "صباح اليوم أقدم 69 سجيناً على الفرار من نظارة مخفر قصر عدل بعبدا. وقد تم توقيف 15 منهم، فيما سلّم 4 أنفسهم. كذلك وقع حادث سير في محلّة بولفار كميل شمعون - الحدت (البلدة المحاذية لبعبدا) إذ اصطدمت سيّارة من نوع داسيا، لونها أبيض، لوحتها عمومية (مخصصة لنقل الركاب)، بشجرة، فتبيّن أنّ عدداً من السجناء الفارّين كانوا على متنها بعد سلبها من سائقها. وأدّى الحادث إلى وفاة خمسة سجناء فارين وجرح واحد، نقل إلى أحد المستشفيات للعلاج". وانتشر مقطع فيديو مصوَّر على مواقع التواصل الاجتماعي رُبِط بعملية سرقة قام بها بعض السجناء لسيارة أجرة كانوا قد استقلّوها وذلك أمام أنظار المارّة، وهي السيارة التي اصطدمت بالشجرة وقتلت معظم من كانوا فيها.
وفيما أكدت قوى الأمن الداخلي، أنّ التحرّيات والاستقصاءات مكثّفة، مع استمرار عمليات البحث لإلقاء القبض على بقية السجناء الفارّين، أشارت إلى أنّ "التحقيقات بملابسات الحادثة جارية بكلّ دقّة، بإشراف القضاء المختص". وطلبت من المواطنين الذين لديهم أيّ معلومة عن مكان تواجد أحد من الفارّين، الاتصال على رقم النجدة 112، مشيرة إلى أنّ "كلّ مواطن يساهم في إعطاء أيّ معلومة يبقى اسمه طيّ الكتمان، وفقاً للقانون".
في الإجراءات الأولية، أشارت مصادر أمنية لـ"العربي الجديد" إلى أنّ العناصر الأمنية فرضت فور وقوع الحادث طوقاً أمنياً في المكان والمناطق المحيطة، وكثّفت الدوريات بحثاً عن السجناء، مع إجراء تحقيقات لمعرفة كيفية وقوع عملية الهروب بغية إصدار بيان رسمي بشأنها.
يأتي الحادث فيما يعيش لبنان أزمات متعددة، أولها الأزمة السياسية في ظلّ عدم توصل الأطراف إلى صيغة يشكل من خلالها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري حكومته، وأزمة اقتصادية حادة ترتبط بقطاع المصارف، خصوصاً مع ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء إلى أكثر من خمسة أضعاف سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة)، واحتجاز أموال المواطنين بالعملات الأجنبية في المصارف، وتحديد ما يمكنهم أن يتصرفوا به شهرياً منها بالليرة اللبنانية حصراً وبسعر وسطي تعتمده المصارف (3900 ليرة للدولار الواحد)، وكذلك أزمة وبائية حادة تسبب بها فيروس كورونا الجديد الذي أوقع نحو 120 ألف إصابة في لبنان حتى مساء أمس.

وفي هذا الإطار، تندّر عدد من المواطنين على تباهي قوى الأمن الداخلي بقدرتها على تسجيل المخالفات والغرامات بحق المواطنين الذين يخترقون قرار الإقفال، وذلك في بياناتها اليومية، بينما يتمكن موقوفون من الفرار من داخل أحد أهم المراكز الأمنية بالذات.
وهذه ليست المرّة الأولى التي تسجّل فيها حالات هروب لسجناء من سجون لبنان، خصوصاً من النظارات التي غالباً ما تعاني من اكتظاظ كبير في عدد الموقوفين، الذين ارتفع منسوب قلقهم من جراء تفشي فيروس كورونا ودقّة الوضع الصحي، في حين أنّ ردود الفعل في أحيان كثيرة يعبّر عنها من داخل السجن، من خلال أعمال شغب وتكسير وتهديد بالانتحار، للضغط باتجاه إقرار قانون العفو العام الذي ما زال مصيره معلقاً بالخلافات السياسية التي تحول دون اتفاق الأفرقاء على صيغة مشتركة بشأنه.
ويعتبر الاكتظاظ من العلل الأساسية في السجون اللبنانية وقد حذّرت من مخاطره منظمات محليّة ودولية، ويعود بنسبة كبيرة الى وجود آلاف الموقوفين من الذين لم تصدر أحكام بحقهم، في وقتٍ تعاني السجون من مشكلة عدم استيفائها المواصفات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان، بالإضافة إلى كونها غير مؤهلة بالمعايير كافة، لا سيما الصحية لاستيعاب الاكتظاظ الخطير الحاصل.

ويستغرب محامي الموقوفين الإسلاميين، محمد صبلوح، في حديثه لـ "العربي الجديد"، كيف هرب السجناء؛ فسجن بعبدا محصّن بشكل تام ومغلق، ما يشير إلى استهتار  العناصر المولجين حماية السجن نظراً لصعوبة الهرب منه". ويشير إلى أنه يفترض بالسجون أن تكون مركز إصلاح وإعادة تأهيل، بينما في لبنان تغيب هذه الاجراءات عن السجناء ولا تكلف لجان متخصصة لدراسة أوضاعهم وحالة كل سجين، فيخرج شخص أكثر خطورة من ذي قبل بدلاً من أن يعود إلى الحرية والحياة إنساناً صالحاً.

ويلفت إلى أن القدرة الاستيعابية لسجون لبنان تخطّت حاجز الــ 182%، والاكتظاظ الحاصل الذي يترافق مع إذلال للسجناء وسوء معاملة في بعض الأوقات ونقصاً في التغذية والرعاية الصحية ولا سيما في ظل الضائقة الاقتصادية، كلها عوامل تولّد مشاكل وضغوط نفسية كبيرة ولا سيما لمن هم موقوفون ولم تبدأ محاكماتهم بعد رغم مرور السنين، بينما ترفض طلبات إخلاء سبيلهم. لهذه الأسباب، يشير صبلوح إلى أن بعض السجناء، كما حصل في سجن بعبدا، يلجأون إلى الانتحار الجماعي. فعملية الهروب لا يمكن وضعها إلا في الإطار المذكور، إذ عرضوا حياتهم للخطر وقرروا مواجهة الموت. وللأسف، قتل 5 منهم.

ويشير صبلوح إلى أنه قبل أيام، تقدم إلى المعنيين بطلب مرتبط بـ 16 سجيناً ينامون على الأرض بلا فراش ويضعون ثيابهم تحتهم. وفي ظل  حياة ومعاملة كهذه، لا يمكن لوم السجناء في كثير من الأحيان على ردود فعلهم. ويشدّد على أن القضاء يتحمّل مسؤولية كبيرة بسبب التأخر في إصدار الأحكام وإبقاء الموقوفين مدة زمنية تفوق تلك المحددة قانوناً، في ظل البطء والمماطلة بالتعامل مع الملفات ومعاملات إخلاء السبيل.

من جهته، اطلع الرئيس اللبناني ميشال عون من وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي على تفاصيل فرار عدد من السجناء من سجن بعبدا، وطلب التشدّد في البحث عنهم والقبض عليهم والتحقيق في ظروف فرارهم.

وفي بيان لاحق، ذكرت قوى الأمن الداخلي، أنّه "بناءً على إشارة القضاء المختص، تُعمِّم المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي صور وأسماء الفارّين، وتطلب من المواطنين الذين لديهم أيّ معلومة عن مكان وجود أحد منهم، الاتصال على الرقم 112 للعمل على توقيفه، علماً أنّ كلّ مواطن يساهم في إعطاء أيّ معلومة يبقى اسمه طيّ الكِتمان، وفقاً للقانون". والصور، مع الأسماء، كما نشرتها قوى الأمن الداخلي كالآتي:

 

الصورة
الفارون من نظارة بعبدا1
الصورة
الفارون من نظارة بعبدا2
الصورة
الفارون من نظارة بعبدا3
الصورة
الفارون من نظارة بعبدا4

المساهمون