زمن السخرية

زمن السخرية

01 مايو 2021
الصورة
صمت (أنور عمرو/ فرانس برس)
+ الخط -

"ربما أطلق في المستقبل على عصرنا هذا اسم زمن السخرية"، يقول الكاتب والروائي الألماني إريك ماريا ريمارك. ونحن الشعوب التي جمعتنا المصيبة أو المصائب، كنا قد بدأنا السخرية من عصرنا قبل مجيء المستقبل، ليصل الأخير وفي جعبته مجموعة لا بأس بها من المعطيات التي تساعده على الإبداع. جيلٌ وربّما أجيال، من دون تعميم، استعانت بعبارة غداً يوم آخر، لترقيع الحاضر، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مجموعة من الصفات كالإيجابية والأمل والحلم. وإن كان هذا جائزاً، فالهرب جائز أيضاً لتفادي جَلْد الذات. الاحتمال الأخير يصير واقعاً حين يُصبح الغد ملجأً وحيداً. وهنا يبدو قول الكاتب والممثل مارك توين أكثر تعبيراً: "امنح كل يوم الفرصة لأن يكون أجمل أيام حياتك".
والزمن يلعب لعبته هنا. يُخبرنا أن الفارق بين اليوم والغد بسيط، وبين الغد واليوم الذي يليه بسيط، من دون أن يعمد إلى توسيع الإطار. ثمّ تصير المدة الزمنية فصلية أو سنوية، ودائماً هناك مناسبات نبني عليها.
ما فات ريمارك، وهذا مبُرّر، أنّ السخرية تليق بالزمن الذي نعيشه في الوقت الحالي من اليوم وإلى الأبد. هل فكّر يوماً في فترة قد نخسر فيها حواسنا الخمس أو بعضاً منها، ونعيش خلف شاشات وفي غرف مغلقة مُقنعين أنفسنا بمدى إيجابية هذا الواقع الذي أتاح لنا بدائل من دون الحاجة إلى اللمس أو العناق أو تبادل القبل أو الشم وغيرها؟ ليس لأن فيروس كورونا قد يفقدنا حاستي التذوق والشم، بل هناك ما هو أكثر قساوة، أي حين نضطر إلى اتخاذ هكذا قرارات بأنفسنا! 

موقف
التحديثات الحية

يُخيفني الغد. أراه كائناً غريباً وثقيلاً لا يشبه يومياتنا كبشر. كما أراه فاشلاً لأنه يعيد تكرار الأيام، من دون أن يسعى إلى مساعدتنا في إيجاد بدائل، بصفتنا عناصر أساسية فيه.
اليوم، أرى نفسي في المكان الذي وجده العالم النرويجي والرحالة المغامر المتخصص في علم الأعراق وتاريخ انتقال الحضارات ثور هايردال. يقول: "لم أتمكن قط من فهم معنى الوقت. لا أعتقد أنه موجود. شعرت بذلك مراراً وتكراراً عندما أكون وحيداً في الطبيعة. في مثل هذه المناسبات، لا يوجد وقت. ولا المستقبل موجود".
حين كنّا أطفالاً، كثيراً ما طُرحت علينا أسئلة تضع المستقبل في خانة الوصي على حياتنا. ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ ماذا يخبئ لنا المستقبل؟ إلا أن الأخير بمنأى عن كل ما يدور من حولنا، وليس في أشد الحاجة إلى استقبال شعوب ما زالت تعاني من تداعيات كورونا سواء صحياً أو نفسياً.
اليوم، في عالم مليء بالأزمات على أنواعها واللاتواصل وكورونا وكل إرث الماضي، سأسبق المستقبل وأسخر من هذا العصر. وسأعود إلى المؤلف والمحاضر الأميركي واين داير حين قال: "اذهب لحلمك الآن، فالمستقبل غير مضمون لأحد". ثم "من فضلكم دعوا المستقبل يتحرك بحرية، ودعوا المستقبل يمر بأمان، ودعوا المستقبل يبدأ الآن قبل أن يفوت الأوان!" (محمد حسنين هيكل).

المساهمون