الجزائر: التلاميذ الراسبون إلى سوق العمل

الجزائر: التلاميذ الراسبون إلى سوق العمل

18 يوليو 2021
الطلاب الراسبون مصيرهم معقّد في الجزائر (مصعب رؤيبي/ الأناضول)
+ الخط -

ناهزت نسبة النجاح في شهادة التعليم المتوسط في الجزائر 65 في المائة، ما يعني فشل نحو 35 في المائة من المتقدمين للامتحانات في نيل الشهادة التي تؤهلهم لدخول الثانويات. يعتبر هذا الرقم مرتفعاً جداً، قياساً إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة لتعزيز مستوى التعليم، والأموال التي ترصدها للقطاع. ورغم أن جزءاً من الراسبين يلتحق بالمرحلة الثانوية عبر احتساب معدلات الفصول الدراسية الثلاثة، في حين يسمح لعدد منهم بإعادة السنة تمهيداً لخوض امتحانات نيل الشهادة مجدداً، لكن جزءاً آخر منهم لا يتابع الدراسة، ويتوجه إلى سوق العمل مباشرة في سن صغيرة، أو يسلك طريق التأهيل المهني.
وتتخوف نقابات التربية من أن تعزز خيارات وقف التعليم التسرّب المدرسي، في وقت تعتبر أنه يمكن إنقاذ عشرات من التلاميذ ومنحهم فرص مواصلة الدراسة، علماً أن العضو في نقابة أولياء التلاميذ حليم بن عمرة يعزو إخفاق التلاميذ في هذه السن المبكرة وتخليهم عن الدراسة إلى أسباب اجتماعية واقتصادية تستدعي مساعدتهم نفسياً من أجل تجاوز الفشل في الحصول على شهادة التعليم المتوسط.
يقول بن عمرة لـ "العربي الجديد": "تشهد الجزائر ثلاث حالات من التسرب المدرسي، أولاها التخلي عن الدراسة قبل بلوغ سن الـ16 المحددة للدراسة الإلزامية، وهو ما يحصل خصوصاً لدى الفتيات في المناطق الريفية. وتتمثل الحالة الثانية في تسجيل تلاميذ تجاوزوا سن الـ 16 سنة نتائج ضعيفة لا تسمح لهم بمتابعة الدراسة، ما يعرضهم لإقصاء مباشر. أما الحالة الثالثة فترتبط بترك تلاميذ مقاعد الدراسة بسبب ظروفهم الاجتماعية الصعبة، رغم أن نتائجهم مقبولة.

وتشكل الظروف الاجتماعية والعوامل الأسرية البيئة الأولى ذات التأثير الأكبر في تشكيل شخصية التلميذ ورغبته في الدراسة، باعتبار أن اضطرابات نفسية تصيب التلميذ في بيت يشهد خلافات عائلية، أو حالات طلاق أو موت أحد الوالدين. تشير الباحثة في علم الاجتماع التربوي رحيمة مداني في حديثها لـ "العربي الجديد" إلى أن "أسبابا وعوامل أخرى تتحكم في فشل التلاميذ في المستوى المتوسط، أهمها ضعف المنهج الدراسي، وإرهاق التلاميذ بدروس دعم وتعويض تحصل خارج المدرسة، والفوضى في برامج التدريس والتغييرات المستمرة التي طرأت على الكتب في السنوات الأخيرة. وكذلك إلى عوامل نفسية مثل ضعف التركيز والخمول بسبب المرض أو الإنهاك العقلي والذهني المرتبط بالدروس. ولا ننسى تأثير وسائل التربية على صعيد العلاقة بين التلميذ والمواد التي يدرسها، وكيفية إنجازه الدروس وتوجيهه إلى المراحل التالية".

الصورة
بعض الراسبين مباشرة إلى سوق العمل (العربي الجديد)
بعض الراسبين ينتقلون مباشرة إلى سوق العمل (العربي الجديد)

وفي شأن وِجهة التلاميذ الذين لم يحصلوا على شهادة التعليم المتوسط، تقول الباحثة فريدة صيّودة من جامعة العلوم الإنسانية والاجتماعية في وهران لـ "العربي الجديد" إن "دراسة أعدتها كشفت أن الراسبين يجدون أنفسهم أمام خيار إعادة السنة في حال لم يتجاوزوا سن الـ 16، في حين يخيَّر الباقون بين متابعة تأهيل مهني، أو الذهاب إلى سوق العمل الذي بات مفروضاً على كثيرين، خصوصا أبناء العائلات الفقيرة التي تسعى إلى ضمان مدخول مادي".

الصورة
التسرب المدرسي يحصل آلياً أحياناً (العربي الجديد)
التسرب المدرسي يحصل بشكل آلي أحياناً (العربي الجديد)

ويعتقد بعض المربين أن خيار وقف الدراسة في سن صغيرة مرده إلى الظروف الاجتماعية التي تعيشها آلاف العائلات. وتشير الأستاذة المتخصصة في الطب النفسي المدرسي نورة بلعاليا في حديثها لـ "العربي الجديد"، إلى أن "بعض التلاميذ الفاشلين في التحصيل الدراسي يعتبرون التعلم أمراً فارغاً، فحال الفقر التي تعيشها أسرهم تدفعهم إلى التفكير في التوجه إلى العمل في سبيل كسب المال".
وتوضح أن "كُثراً من التلاميذ كانوا يكتفون ببلوغ هذا المستوى من التعليم لمجرد أنه يسمح لهم بالانخراط في الجيش بعد ثلاث سنوات وفي جهاز الشرطة بعد خمس سنوات. لكن المؤسستين رفعتا الحد الأدنى للمستوى التعليمي الذي يسمح بالالتحاق بهما". تضيف: "استجابة لمتطلبات سوق العمل، باتت الحكومة تشجع التلاميذ الراسبين على الالتحاق بمراكز التأهيل المهني التي تستقبِل أكثر من 200 ألف متدرب سنوياً في مهن النجارة والحِدادة والبناء والفلاحة والأعمال الفندقية وغيرها، علماً أن سوق العمل بات أكثر حاجة إلى هذه المهن في السنوات الأخيرة، خصوصاً أنها توفر فرصاً جيدة لأصحاب المشاريع الصغيرة". 

الصورة
التأهيل المهني أحد حلول معالجة الرسوب (العربي الجديد)
التأهيل المهني أحد حلول معالجة الرسوب (العربي الجديد)

من جهته، يؤكد الأستاذ في علوم التربية عبد الله بكاي لـ "العربي الجديد" أن "الرسوب في شهادة التعليم المتوسط هو بالدرجة الأولى مؤشر لفشل المدرسة في الاضطلاع بدورها على أكمل وجه. لذا يتحمل نتائج الفشل كل المعنيين بالقطاع التربوي، لكنه ليس أيضاً نهاية التعليم، لأن مراكز التأهيل المهني تعتمد مناهج تدريب عالية المستوى لإكساب الآلاف قدرات مهنية قوية وأفكاراً مبدعة. في المقابل، لا يمكن تجاهل شريحة التلاميذ التي فشلت في التحصيل الدراسي، وبات مصيرها الشارع لاعتبارات اجتماعية متعددة، وبالتالي باتت أكثر تعرضاً للوقوع في يد شبكات الجريمة والمخدرات، وكذلك أولئك الذين يرفضون العودة إلى التعليم رغم السماح لهم بإعادة السنة، ما يدرجهم في إطار التسرب المدرسي".

ويكشف تقرير نشرته وزارة التربية في إبريل/ نيسان الماضي، أن نسبة التسرب المدرسي ناهزت 2 في المائة في الموسم الدراسي 2020-2021. ويشير إلى أن بعض أولياء الأمور يتحملون مسؤولية عدم استكمال أبنائِهم دراستهم، بسبب ظروف اجتماعية مختلفة، وأن وزارة التربية اقترحت إجراءات جديدة وتدابير بهدف تقليص التخلي عن الدراسة قبل سن الـ 16، في إطار مقاربة اجتماعية تضمنت مراجعة آليات التقويم التربوي واختبارات الإدراك. وتؤكد الدراسة أن عملية تقليص نسب التسرب المدرسي "يجب أن تلحظ جعله حلاً استثنائياً وليس آلياً، مع تكثيف المراقبة النفسية للتلاميذ والإرشاد، وتنظيم حصص لدعم الدراسة وتطوير التعليم عن بعد، وتعزيز التوجيه خصوصاً نحو مؤسسات التأهيل المهني. كما يجب اتخاذ إجراءات تتعلق بالدعم المدرسي وتوفير النقل والغذاء في القرى النائية".

المساهمون