الجزائر: ضرورة دعم الراسبين في البكالوريا

22 أكتوبر 2020
الصورة
تحضيرات للعام الدراسي الجديد (بلال بنسالم/ Getty)
+ الخط -

مع كلّ إعلان لقوائم النجاح في شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) في الجزائر، تتجه الأنظار إلى الناجحين من التلاميذ، وتملأ الأفراح بيوتهم وتركز الصحافة على المتفوقين من بينهم، فيما يعيش الراسبون أصعب أوقاتهم، ليس فقط لأنّهم أخفقوا في النجاح، لكن أيضاً لشعورهم بأنّهم تسببوا بألم لعائلاتهم. وهكذا، يشعر الراسبون بالإحباط ويصل بعضهم إلى الكآبة والانتحار. بالرغم من فرحها العارم بتفوقها، واتصال وزير التربية محمد واجعوط بها، كونها الثالثة في امتحانات شهادة البكالوريا في الجزائر، فإنّ التلميذة رشا بدر الدين، فضّلت أن تتوجه برسالة إلى زملائها التلاميذ الذين أخفقوا في الامتحان، فقالت لدى استضافتها في برنامج تلفزيوني محلي إنّ "الإخفاق والرسوب ليسا نهاية العالم، يمكن أن تفشل هذا العام وتنجح بامتياز في العام المقبل. عليهم (الراسبين) أن يضعوا النجاح كهدف، وعلى عائلاتهم أن تساعدهم لإعادة السنة، فطالما الإنسان متسلح بالإرادة والرغبة فإنّ النجاح مسألة وقت فقط". كانت هذه عبارات مواساة وتشجيع في الوقت نفسه لكلّ من تعثروا في نيل شهادة البكالوريا، أرادت بها التلميذة رشا أن ترفع من معنويات زملائها ممن "تخلفوا عن النجاح هذه المرة" كما قالت، متمنية لهم أن يتقبلوا هذا التعثر وتكرار التجربة والتي ستكون أكثر فائدة لهم، وتحيل عثرتهم هذه المرة إلى نجاح في المستقبل القريب.

آدم هو أحد المعنيين بكلام رشا. الشاب، وهو من مدينة علي منجلي في قسنطينة شرقي الجزائر، فشل في الامتحان بالرغم من الظروف التي توفرت له من الأسرة، ونجاح أغلب أقاربه. يقول آدم لـ"العربي الجديد": "أحسست إحساساً غريباً عندما طالعت كشف النقاط (سجل العلامات). وبالرغم من تفهم العائلة لإخفاقي أشعر بمرارة إذ لم أتمكن من إدخال تلك الفرحة إليهم كما فعل زملائي الناجحون لعائلاتهم". لكنّه يعتبر أنّه يحاول أن يستجمع قواه لمعاودة السنة وتحقيق النجاح لإسعاد والديه: "أعتبر أنّ المسألة مجرد تأجيل فقط".
كان الفارق الزمني بين الإعلان عن نتائج البكالوريا والدخول المدرسي (انطلاق العام الدراسي) في السنوات الماضية يقدر بشهرين وربما أكثر، إذ كانت النتائج تعلن في بداية يوليو/ تموز فيما الدخول المدرسي في نهاية سبتمبر/ أيلول، وهي فترة كافية بالنسبة للتلميذ لنسيان الإخفاق وتجديد العزم على الدراسة، كما أنّها فترة كافية بالنسبة للعائلة لإقناعه بإعادة السنة وتجاوز ظروف الفشل وتحفيزه مجدداً. لكن، هذا العام، بسبب أزمة كورونا، كان الفارق الزمني قصيراً جداً كون امتحان البكالوريا أرجئ من يونيو/ حزيران الماضي إلى سبتمبر/ أيلول الماضي، وأعلن عن النتائج في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، فيما الدخول المدرسي للصفوف الثانوية سيكون في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وهو ما يمكن أن يصعّب على التلاميذ الراسبين نسيان الفشل وتجديد العزيمة.
يلفت خبراء ومختصون إلى ضرورة الوقوف إلى جانب المُتعثّرين في نيل شهادة البكالوريا، وتقديم الرعاية النفسية عقب هذا التعثّر الظرفي، بل يصفه كثيرون بأنه تأخر في موعد النجاح وليس فشلاً. وفي هذا الصدد نشر الأستاذ بجامعة "الجزائر" يحيى جعفري، توجيهاً دراسياً أكد فيه أهمية الاهتمام بالمتعثرين في نيل الشهادة: "بالموازاة مع تكفل جهات عدة بالناجحين تبريكاً وتشجيعاً وتوجيهاً، يتوجب أيضاً الدفع بأكثر من جهة إعلامية وتربوية وجمعوية إلى مواجهة إحباط ويأس الفاشل وتحويله إلى طاقة إيجابية تخفف عنه، وتضعه بمعية إرادته على سكة النجاح من جديد، وإن لم يكن ذلك أكاديمياً فمهنياً، لأنّ الوطن وفقاً لرؤية الجودة الشاملة يحتاج إلى جميع أبنائه باختلاف الشهادات والمهارات". أضاف أنّ "التكفّل بتوجيه الراسبين ينبغي ألا يقلّ أهمية عن توجيه الناجحين، بل السيئ في أيّ نتائِج مدرسية كانت أو مهنية أن تجعل المجتمع والمدرسة والوطن محلّ فرحة البعض وكره البعض الآخر".
"ليست نهاية العالم، فعدم النجاح في شهادة البكالوريا هذا العام، ما هو إلا تعثّر فقط أو كبوة محارب لفترة زمنية" كما يقول محمد الأمين أوفة لـ"العربي الجديد" وهو الذي خاض تجربة البكالوريا ستّ مرات قبل أن ينجح العام الماضي وهو على أعتاب سنّ الأربعين. يشدّد على أنّ "الانتكاسة الأولى" كانت بالنسبة له صدمة، خصوصاً أنّه كان الأمل الأول في العائلة، ليرفع همة أشقائه في دخول الجامعة، لكنّ ذلك الحلم لم يتحقق إلا بعد ست مرات من تكرار التجربة، وها هو قد نجح ودخل إلى الجامعة.

قصة محمد الأمين هي أحد النماذج التي يتحدث بها الناس، فعدم الحصول على شهادة البكالوريا ليس القصة الوحيدة أو الأخيرة لمن تعثروا في النجاح الدراسي، قبل أن يعاودوا الكرّة وينجحوا، خصوصاً أولئك الذين ثابروا وعقدوا العزم على تجاوز هذه الكبوة نحو تحقيق النجاح في الجامعة. كذلك، هناك من تخلّى عن الحلم وتوجه إلى التكوين المهني، وتفوق في اختصاصات متاحة في المهن، وتمكن من تحقيق أهدافه والإبداع فيها أيضاً، بل ربما فتحت له آفاقاً أرحب مثل كثيرين ممن حققوا ذواتهم في اختصاصات يحتاجها سوق العمل في الجزائر.

المساهمون