هل تولد حكومة لبنانية جامعة لشروط الحريري والثنائي الشيعي والورقة الفرنسية؟

09 أكتوبر 2020
الصورة
الحريري يعتزم القيام بجولة اتصالات مع كلّ الأفرقاء السياسيين (حسين بيضون/العربي الجديد)
+ الخط -

أعلن رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري، أمس الخميس، في مقابلةٍ تلفزيونية مع قناة "أم تي في" المحلية، نيّته القيام بجولة اتصالات مع كلّ الأفرقاء السياسيين لمعرفة ثبات موقفهم وموافقتهم على الورقة الإصلاحية الفرنسية، والتي في حال وافقوا عليها لن يقفل هو الباب.

وشدد الحريري على أنّه مرشح لرئاسة الحكومة "من دون جميلة أحد"، علماً أنّه طلب في أكثر من استحقاق سحب اسمه من التداول، إلّا في حال القبول بشروطه لجهة تشكيل حكومة من الاختصاصيين المستقلّين عن الأحزاب السياسية، وهو ما يعارضه أكثر من حزب ممثل في البرلمان، وخصوصاً "التيار الوطني الحر" (برئاسة النائب جبران باسيل)، الذي كان يطرح معادلة "هو والحريري داخل المجلس الوزاري، أو لا أحد"، باعتبار أنّ الحريري هو رئيس حزب سياسي، ومن ضمن المنظومة الحاكمة.

في هذا السياق، حسم رئيس "تيار المستقبل" موقفه من معادلة "إما سعد الحريري وجبران باسيل داخل الحكومة أو خارجها"، وأكد رفضه لها، في حين يظن أنها لم تعد أيضاً مطروحة.

وعلّق مصدرٌ في "حركة أمل" (يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري)، لـ"العربي الجديد"، على مبادرة الرئيس الحريري، معتبراً أنها "جيدة، وفي توقيتها المناسب" قبل أيام من موعد الاستشارات النيابية الملزمة التي دعا إليها الرئيس ميشال عون في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في قصر بعبدا الجمهوري.

ولكن الممرّ الإلزامي لتكليف رئيس وتشكيل حكومة جديدة هو بتحقيق مطالب الثنائي الشيعي، أي "حزب الله" و"حركة أمل"، بتسمية وزراء الطائفة الشيعية، ومن ضمنهم وزارة المالية. 

وكان الحريري في مبادرته الأخيرة، قبل اعتذار أديب، قدّم تنازلاً عن موقفه بالمداورة الوزارية الشاملة، ووافق على منح وزارة المالية للطائفة الشيعية على أن يسمّيها الرئيس المكلف، الأمر الذي رفضه "الثنائي الشيعي" المصمّم على دوره في التسمية.

وفي هذا الإطار، يقول عضو "كتلة التنمية والتحرير" (تمثل حركة أمل في البرلمان)، قاسم هاشم، إنّ مطلبهم تسمية الوزراء "لا يأتي من باب المناورات، بل انطلاقاً من التركيبة اللبنانية القائمة على مبدأ التوافق والتفاهم والتوازن، وأي خلل بهذه القاعدة من شأنه أن يأخذ الأمور إلى تعقيدات جديدة، لن نصل معها إلى إيجاد حلول لأزمة التشكيل، من هنا فإنّ المفترض السير وراء التفاهمات والتوازنات السياسية والطائفية التي تعبّر عن الشراكة في القرار لكل المكونات الوطنية الأساسية لتعبيد الطريق أمام الاستقرار السياسي، الأمر الذي انتفى وجوده في المشاورات التي قام بها الرئيس المكلف مصطفى أديب، واقتصرت على طرفٍ دون باقي الكتل النيابية، وحتى رئاسة الجمهورية، التي من حقها التواصل والتشاور كمدخل لمنح الثقة".

وأشار هاشم إلى أنّ "الجمود خيّم على مرحلة ما بعد اعتذار أديب، ولم تتحرّك الاتصالات كما يجب، وما أعلنه الرئيس الحريري بالأمس من شأنه أن يفتح الباب أمام النقاش حول الملف الحكومي، ولا سيما أنه أطلق مواقف واضحة، عبّرت عن تصوّره الحكومي، وترك الباب مفتوحاً للحوار والنقاش الذي قد يؤدي إلى التفاهم حول شخصية الرئيس وشكل الحكومة، إذ لا يمكن فصل شخصية من يُكلَّف عن شكل وتصوّر الحكومة الذي يمكن أن يبنى عليه أي تفاهم بين القوى السياسية، كي لا نقع في المحظور الذي أوصلتنا إليه استشارات مصطفى أديب".

ولفت إلى أنّه "حتى اليوم لم نصل بعد إلى تحديد اسم معيّن لتكليفه برئاسة الحكومة، والأمور مفتوحة أمام كل الاحتمالات والخيارات، وفي الوقت نفسه نرى أنّ الحريري هو مرشّح طبيعي لرئاسة الحكومة، كونه رئيس أكبر كتلة نيابية تمثّل المُكوِّن السُني، ونحن لم نكن يوماً ضدّ تسميته، بل على العكس، تمسّك الرئيس نبيه بري به، والموضوع يتوقف على مسار الاتصالات والمشاورات، وما سينتج عن الاستشارات الملزمة في حال جرت في موعدها".

كان الحريري في مبادرته الأخيرة، قبل اعتذار أديب، قدّم تنازلاً عن موقفه بالمداورة الوزارية الشاملة، ووافق على منح وزارة المالية للطائفة الشيعية على أن يسمّيها الرئيس المكلف، الأمر الذي رفضه "الثنائي الشيعي" المصمّم على دوره في التسمية

وأكد مصدرٌ في قصر بعبدا، لـ"العربي الجديد"، أنّ "الرئيس عون سلك الطريق الدستوري بتحديد موعدٍ للاستشارات النيابية الملزمة، لتسمية الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، ووضع القوى السياسية أمام الأمر الواقع، وحثّها على التحرّك وعدم إهدار المزيد من الوقت، ولكن في حال لمس غياب التوافق حول شخصية معيّنة، أو رأى أنه من اللازم تأجيل الاستشارات، فسيفعل ذلك إذا كان من شأن هذه الخطوة أن تؤدي إلى الاتفاق والتفاهم، لأن وصول رئيس مستفزّ لفئة معيّنة، وغير مرحَّب به من كتل نيابية كبرى، سيزيد من حدّة الأزمة، ويعيد مشهد حكومة حسان دياب".

بدوره، قال عضو "كتلة المستقبل"، النائب عثمان علم الدين، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الرئيس الحريري عرض الحقائق بالوقائع والأسباب التي أدت إلى الأزمة الراهنة، وتحدث عن خطة الإنقاذ، والسعي لإنجاح المبادرة الفرنسية"، مؤكداً أنّه "لا ولم ولن يلعب دور المعرقل".

وأضاف علم الدين: "قال الحريري صراحةً، فليقدّم كل فريق مشروعه، فهو يريد حكومة من دون أحزاب سياسية، لوضع حدّ لمنطق المحاصصة الذي أوصل البلد إلى الانهيار، كما لم يستثنِ نفسه من المسؤولية، بل اعترفَ بها وطلب من القوى السياسية أن تعترف بدورها وتتحمّل مسؤولياتها".

ويبدي الشارع اللبناني رفضه لعودة الرئيس الحريري باعتباره من أركان السلطة وجزءا أساسيا من المنظومة الحاكمة والتسويات السياسية التي دمّرت البلد اقتصادياً ومعيشياً ونقدياً، وسيجدد موقفه في هذا الإطار، بمناسبة ذكرى مرور سنة على انتفاضة 17 أكتوبر، وهنا يردّ علم الدين بالقول: "منذ تاريخ الانتفاضة وحتى اليوم، هناك صرخة وجع، والرئيس الحريري استقال، وأيّد مطالب الناس، وطالب بالإصلاحات، لكن في المقابل لم يقدم المنتفضون أي اسم لرئاسة الحكومة، أو مشروع بديل أو استراتيجية واضحة، وبقيت الانتفاضة حتّى من دون قيادة".

وشنّ الحريري، في المقابلة، هجوماً على الحلفاء قبل الأخصام، ولا سيما "حزب القوات اللبنانية" (يتزعمه سمير جعجع)، إذ اتهمه بالعمل لمصالحه الخاصة، وقيام اتفاق محاصصة بينه وبين "التيار الوطني الحر" بتسمية العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وغيرها من الاتهامات التي استدعت رداً مفصّلاً من الدائرة الإعلامية في القوات اليوم الجمعة.

وأوضح مصدر قواتي، لـ"العربي الجديد"، أنّ "الحريري أعلن عن خطوة جيدة ومفيدة لناحية القيام بجولة اتصالات، لكنه أخطأ بتوجيهه السهام على القوات". 

وعمّا إذا كانت هذه الاتهامات لا تصب في صالح الحريري وتسميته من قبل نواب القوات في "تكتل الجمهورية القوية"، قال المصدر إنّ "موقف القوات واضح قبل وبعد المقابلة، لناحية حكومة مستقلة مؤلفة من اختصاصيين وشخصيات جديدة صاحبة كفاءة وكف نظيف، من رأسها إلى أعضائها، ولأجل ذلك سمّت في الاستشارات الماضية السفير نواف سلام".

كذلك، شدد مصدرٌ في التيار الوطني، لـ"العربي الجديد"، على أنّ "تكتلنا النيابي (لبنان القوي) لم يقرّر بعد الشخصية المناسبة لتولي رئاسة الحكومة، ولن يحسم موقفه الآن، بانتظار المشاورات والاتصالات، ولكن لن نقبل باستغلال المبادرة الفرنسية والتهديد بحرب أهلية كالتي تحدث عنها الحريري، من أجل فرض بعض الأفرقاء السياسيين شروطهم، وأي قرار يجب أن يتخذ بتوافق وطني كامل".

أما الحزب التقدمي الاشتراكي، برئاسة وليد جنبلاط، فقد طاولته بعض سهام الحريري، بكشفه عن أن جنبلاط كان يريد منه الموافقة على إعطاء حقيبة المالية للطائفة الشيعية "على مدى الحياة"، ما استدعى ردّ النائب في الحزب، وائل أبو فاعور، بالقول: "ربما التبس الأمر على الحريري، لأن جنبلاط لم يطرح إعطاء وزارة المالية للطائفة الشيعية بشكل دائم، وكانت فكرة مبادرة جنبلاط عدم تكريس حقيبة بشكل دائم لطائفة معيّنة". 

وهذا الاحتقان الموجود بين التقدمي الاشتراكي والحريري يطرح بدوره علامات استفهام حول موقفهم من تسميته وتكليف الحريري تشكيل الحكومة، علماً أن مصادره تؤكد لـ"العربي الجديد"، أنّ الحزب لطالما لعب دور المقرّب وليس المعرقل، ولكنه ضد المشاورات قبل الاستشارات، وفقاً لذلك "لن يعلن عن مرشحه الآن".

المساهمون