جواد الخالصي لـ"العربي الجديد": مطالب المتظاهرين العراقيين حق مغتصب والتطبيع خيانة

12 يناير 2021
الصورة
يدعو الخالصي إلى توحيد الأوقاف الدينية في العراق (العربي الجديد)
+ الخط -

يتوقف المرجع الديني العراقي الشيخ جواد الخالصي عند جملة من الأحداث والملفات المهمة في الساحة العراقية، خلال حديث مع "العربي الجديد" أجري معه في العاصمة بغداد، من خلال مكتبه الإعلامي. ويتضمن الحديث موقفه من التظاهرات الشعبية، والانتخابات المبكرة المتوقع أن تجرى في 6 يونيو/حزيران المقبل ما لم ينجح مخطط الأحزاب لتأجيلها، إلى جانب رؤيته لأداء الأحزاب السياسية والتطبيع مع إسرائيل، وأخيراً دعوات العودة إلى البيوت الطائفية السياسية.
ويُعتبر الخالصي أحد المراجع الدينية الرئيسية في المذهب الجعفري، والتي تتخذ من مدينة الكاظمية في بغداد مقراً لها على خلاف المرجعيات الدينية الأخرى. ويُمثل امتداداً للمدرسة الخالصية، التي برزت كإحدى الواجهات الرئيسية ضد الاحتلال البريطاني للعراق مطلع القرن الماضي، والتي مثلها المرجع الديني محمد مهدي الخالصي الكبير، جد المرجع الشيخ جواد الخالصي.

يعتبر الخالصي أن الانتخابات القادمة، إن تحققت، ستكون الأضعف والأكثر تزويراً

ويُنظر للمرجع الخالصي (68 عاماً)، والذي يُعرف بمواقفه الرافضة لكل ما نتج عن الاحتلال الأميركي من مشاريع سياسية، بكونه أحد أبرز دعاة التقريب بين المذاهب في العراق، في نهج مشابه لمواقف ودعوات المرجع الديني اللبناني الراحل محمد حسين فضل الله، خصوصاً أن الخالصي كان أحد رواده في سبعينيات القرن الماضي، كما يروي ذلك عن نفسه.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في العراق، يؤكد الخالصي وقوفه مع التظاهرات. ويبين أن "تلك المطالب حق شرعي مغتصب لأبناء العراق، وكان يجب أن تؤدى (تعطى) إليهم". إلا أنه يؤكد، في الوقت نفسه، أن "أيّ شيء منها لم ينفذ إلى الآن، بل استُغلت لتبديل وجوه كان بعضها أكثر ضعفاً وخنوعاً لمشروع الاحتلال (الأميركي). ولكن التظاهرات تبقى حقاً مشروعاً، وهي إيجابية ولازمة".
ويشرح الخالصي موقفه من الانتخابات المبكرة بالقول إن "الانتخابات المقبلة إن تحققت- وهو ما يشكك الكثيرون فيه- ستكون الأضعف والأكثر تزويراً. وإذا كانت الانتخابات السابقة قد شابها الفساد والتزوير، ولم يشارك فيها إلا أقل من 10 في المائة ممن يحق لهم المشاركة في الانتخابات، فإن الانتخابات المقبلة ستكون نسبة المقاطعة فيها أغلبية، لأن الجميع أصبحوا لا يرون فيها إلّا الخديعة وصرف الأموال بين جماعات الفساد المعروفة".

تقارير عربية
التحديثات الحية

وحول البدائل عن ذلك، يتحدث الخالصي عن خيارات عدة، من بينها "انتفاضة جماهيرية عارمة وإنشاء نظام سياسي جديد"، أو الذهاب إلى "انتخابات نزيهة، في ظل عملية سياسية وطنية وسليمة، وبقانون انتخابات سليم، فتكون منفذاً حقيقياً لتغيير الوضع في العراق". ويشدد، في الوقت ذاته، على رفضه "مشاركة المتظاهرين، خصوصاً من ثوار تشرين (أكتوبر/تشرين الأول) في الانتخابات المقبلة وكل العملية السياسية الحالية". ويعتبر أن من يشارك في الانتخابات سوف "يتحمل لوحده آثار هذه الممارسة، بعد عجز الحكومة، المتولدة من الأزمة، عن تقديم أي مجرم من قتلة المتظاهرين أو محاكمة أحد المفسدين. بل جرت، بعد ذلك، عمليات اغتيال جديدة استهدفت بعض الوجوه المعروفة من المتظاهرين، وكان آخرهم صلاح العراقي الذي فقدناه هذه الأيام أثناء إجراء الحوار". ويعتبر أن "الانتخابات المقبلة لا يمكن أن تكون أفضل من سابقاتها، فلا تغيير فيها. كما أننا لا نرى أن العملية السياسية القائمة يمكن أن تخرج لنا ولشعبنا حلاً حقيقياً نافعاً". ويتابع "الخلاصة أن العملية السياسية فاسدة ولن تؤدي إلى صلاح، وإنها مُسخّرة للعدو، فلن تؤدي إلى الحلول والحرية الحقيقية".
ويصف الخالصي تجربة الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق بعد 18 عاماً، بأنها "لا تمثل إلا نفسها". ويضيف أنه بعد قبولها "الدخول في العملية السياسية، وهي مشروع الاحتلال الأميركي البريطاني المعروف، فإنها في تقييمنا فقدت هويتها الإسلامية، ولا يمكن وصفها بأنها شيعية أو سنية، وبذلك فهي لا تمثل إلا نفسها والمشروع الذي تنتمي إليه. فالذي فشل هو مشروع الاحتلال والإسلام الأميركي ومن سار معه، وليس الإسلام السياسي الذي كان ولا يزال ثابتاً على موقفه المقاوم والرافض لمشروع الاحتلال".

يشدد الخالصي على رفضه مشاركة المتظاهرين في الانتخابات المقبلة وكل العملية السياسية الحالية

ويؤكد وجود "خريطة متكاملة وواضحة، تمثل إرادة العراقيين لبناء دولتهم المستقرة الموحدة، ويكون الجيش والقوات المسلحة الجهة التي تمتلك السلاح وحق استخدامه. ويمكن أن يكون هناك تنظيم شعبي، يساند القوات المسلحة، ويخضع لقرارات الدولة المستقلة، للمساعدة على صيانة المجتمع من الجرائم والاختراقات". ويعتبر أنه "لا بديل عن مشروع الاحتلال (الأميركي) إلا المشروع الوطني للتحرر منه، وهذا لا يتم إلا عبر مؤتمر وطني شعبي عام، يضم شخصيات لم تشارك في العملية السياسية الحالية، ولم تتورط في الدم العراقي خلال الفترة الماضية. وهذا ما تبنيناه بعد الاحتلال مباشرة من خلال المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني".
ويشرح الخالصي مفهوم "المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني" بأنه يعود إلى بدايات الاحتلال. ويوضح أنه عبر دعوة المدرسة الخالصية لـ"مؤتمر جامع ورافض للاحتلال ومشروعه"، تمت دعوة "كل القوى الإسلامية، السنية والشيعية، والقوى الوطنية والقومية بكل شرائحها التي واجهت النظام السابق. وبذلك كان المؤتمر عابراً للخلاف القومي الديني. بل ضم المؤتمر كل هذه القوى. ودُعيَ إليه المسيحيون والصابئة المندائيون والأيزيديون وكل القوى الوطنية. ولم يُستثنَ من الدعوة والحضور إلّا الأشخاص الذين شاركوا في جرائم النظام وكانوا من أدواته. فكان المؤتمر خيمة شاملة لكل العراقيين وجبهة مواجهة مع نظام الاحتلال ومشروعه البغيض. وأكد المؤتمر على الثوابت الوطنية التي لم يتمكن أحد من تجاوزها. وهذه الثوابت، بعد الكبريات الثلاث، الوحدة والهوية والاستقلال، هي استعادة القرار السيادي من أيدي الأجانب، ورفض المحاصصة وإدانة العملية السياسية بكل مفاصلها العبثية العقيمة، ومنها الانتخابات المزيفة والحكومات التي شكلت وكانت سبب الفساد والهلاك الاقتصادي. واليوم لا بديل إلا بنفس التوجه، وحركة المؤتمر وتركيبته الشاملة، مع الاهتمام بالتجربة الكبيرة التي عاشها شعبنا خلال السنوات القاسية في ظل الاحتلال وأساليبه الإجرامية القاسية، ما أعطى أرضية مناسبة للحركة الجديدة والمؤتمر الجديد".
وحول الفصائل العراقية المسلحة المدعومة من إيران والمتورطة بأعمال إجرامية على أسس طائفية، يؤكد الخالصي أن "بعض تلك الفصائل تتستر بالارتباط بإيران، أو بمرجعيات دينية، وبعضها يوجه من قبل الاحتلال (الأميركي) مباشرة. والمشكلة المهمة هي أن الاحتلال هو الذي أنشأ هذه الحالة (حالة المليشيات في العراق)، وهو الذي يستفيد منها ويسخّرها، حتى لتوريط إيران وتشويه صورتها. وهذا ما نبهنا إليه إخواننا الإيرانيين مراراً وتكراراً. ولكننا في الوقت نفسه لا نقبل بمخطط الاحتلال بجعل إيران عدواً أن يُنسينا المعركة الحقيقية مع الكيان الصهيوني وداعميه، وهم دعاة المشروع الاستعماري القديم، بل نحمّل الاحتلال مسؤولية كل الكارثة التي أصابت شعبنا".

يعتبر الخالصي أن بعض الفصائل تتستر بالارتباط بإيران، أو بمرجعيات دينية، وبعضها يوجه من قبل الاحتلال مباشرة
 

ويدعو الخالصي إلى توحيد الأوقاف الدينية في العراق، مبيناً أن "الأوقاف كانت موحدة ويجب أن تبقى كذلك. إلّا أن سفير الاحتلال (الأميركي) أصدر قراراً مجحفاً مخالفاً للقانون الدولي والمحلي بتقسيم الوقف إلى وقفين أو أكثر، من أجل ترسيخ الفتنة وإتاحة المجال للفاسدين من أعوانهم لنهب المال العام. وبذلك فإن العودة إلى الأصل هي الطبيعي والشرعي، وليست إنشاءً أو خيالاً، والتقسيم هو القرار الباطل والظالم".
ومعلقاً على الحديث الدائر حول الصراع أو التنافس بين مرجعيتي قم والنجف ووجود مساعٍ إيرانية لمصادرة القرار الديني الشيعي من النجف، يقول الخالصي إنه "يوجد تنافس طبيعي بين كل المرجعيات، حتى في المكان الواحد. وهناك ممارسات مدسوسة وغير طبيعية ومشبوهة ضمن هذا التنافس. ولا يمكن مصادرة القرار الشيعي من الشعب العراقي، خصوصاً حين يحظى بقرار الشعب العراقي كله، بامتداده الإسلامي والوطني. وهذا ما نعمل عليه، وتتبناه كل القوى الوطنية، ضمن مشروع المؤتمر العراقي الموحد العام الممثل للشعب العراقي".
ويتحدث الخالصي عن التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي بالقول إن "التطبيع يشكّل خيانة عظمى وعملاً غادراً، خصوصاً في فترة التصعيد الصهيوني، وعلى يد مجرمي اليمين المتطرف أنفسهم، وهم يعملون على تمرير واقعهم وإخفاء مفاسدهم من خلال الانتصارات المزيفة، مع تحقيق المصالحة مع الجهات الخانعة والضعيفة من المتسلطين على الأمة. ونحن لا نقر بالاعتراف بكيان آخر في أرض فلسطين التاريخية، ورأينا شرعي وقانوني في أن فلسطين واحدة وعاصمتها القدس. ولكننا نقول لمن ادّعوا السير مع المقررات الدولية: إنكم نقضتم حتى ما تدعونه من أسس العلاقة مع الصهاينة وداعميهم الذين نقضوا كل المقررات والقوانين الدولية الثابتة. والتطبيع يؤدي عملياً إلى تمايز الصفوف، لأن الحسم في الصراع لا يكون إلا من خلال هذا التمايز. والتطبيع يبقى أمراً فوقياً مفروضاً على الحكومات ولا تقبله الشعوب". ويرفض الخالصي دعوات ترميم "البيت الشيعي"، قائلاً إن "الدعوة إلى ترميم المومياءات الطائفية هي تكرار لمشروع التدمير الطائفي الذي كان أداة في الأزمة التي صنعها المحتلون".

المساهمون