المقترح الأميركي لأفغانستان: تحفظات الحكومة و"طالبان" تقلل من فرصه

المقترح الأميركي لأفغانستان: تحفظات الحكومة و"طالبان" تقلل من فرصه

09 مارس 2021
الصورة
غني: تسليم الحكم يكون لرئيس منتخب جديد (وكيل كوهصار/فرانس برس)
+ الخط -

لا شك بأنّ المقترح الأميركي لحل القضية الأفغانية المتعلق بحكومة تشاركية، والذي أتى به المبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد، خلال زيارته الأخيرة إلى كابول، وأشير إليه في رسالة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، لكل من الرئيس الأفغاني أشرف غني ورئيس "المجلس الأعلى الوطني للمصالحة" عبد الله عبد الله، محط اهتمام الساحة الأفغانية، خصوصاً السياسيين الذين يؤيّدون رؤية الحكومة التشاركية الشاملة لجميع أطراف القضية، ومنها حركة "طالبان". غير أنّ إيحاءات المسؤولين في الحكومة الأفغانية تشير إلى أنّ الأخيرة غير راضية عن ذلك المقترح، على الرغم من تأكيدها أنها تدرسه.
وقال المتحدث باسم مستشار الأمن القومي الأفغاني حشمت الله ناطق، لـ"العربي الجديد"، إنّ غني استلم رسالة وزير الخارجية الأميركي والمقترح الذي قُدم لحلحلة القضية الأفغانية، مضيفاً أنّ الرئيس الأفغاني "بصدد دراسة هذا المقترح، وسيبرز موقفه حيال القضية لاحقاً". وكان المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية، دوا خان مينه بال، قد أكد أيضاً لـ"العربي الجديد"، أنّ غني يدرس ما جاء في رسالة بلينكن. غير أنّ تصريحات نائب الرئيس الأفغاني أمر الله صالح، أمس الإثنين، عبّرت صراحة عن أنّ الحكومة غير راضية عن المقترح. وقال صالح في كلمة له أمام اجتماع عقد في كابول بمناسبة الذكرى السنوية السابعة لوفاة وزير الدفاع الأسبق الجنرال محمد قسيم فهيم، إنّ "الولايات المتحدة قدمت مقترحاً لحل الأزمة الأفغانية، لكن ذلك المقترح لا يتوافق مع إرادة الشعب وما يبتغيه". وشدد صالح على أنه "لا يحق لأي جهة أن تسلب من الشعب إرادته في تعيين الحكومة وتقرير المصير"، مؤكداً أنّ "الحكومة الأفغانية مستعدة للتفاوض بشأن موعد الانتخابات"، ولكن "التلاعب بدستور البلاد أمر غير مقبول".

كما قال مستشار الأمن القومي الأفغاني حمد الله محب، أول من أمس الأحد، في كلمة له أمام مؤتمر عقد بشأن عملية السلام في العاصمة كابول، إنّ "المقترح الذي أتى به المبعوث الأميركي ليس موقفاً رسمياً للولايات المتحدة الأميركية، بل هو لتسريع عملية المفاوضات"، مؤكداً أنّ "الحكومة الأفغانية درست المقترح وهو في المجمل حول تشكيل النظام السياسي في البلاد". ولفت محب إلى أنّ "القضية الأفغانية لها أبعاد خارجية، ولو كانت داخلية فقط، لكان حلّها أمراً سهلاً"، مشيراً إلى أنّ "المفاوضات مع طالبان حتى لو نجحت، لن تأتي بالصلح الدائم في البلاد".

إيحاءات المسؤولين في الحكومة الأفغانية تشير إلى أنّ الأخيرة غير راضية عن المقترح

وكان غني قد أكد في كلمة له أمام اجتماع للبرلمان، السبت الماضي، أنّ أفغانستان "لها دستور، ووفق هذا الدستور، يسلّم الرئيس الموجود الحكم لرئيس منتخب جديد"، مشيراً بذلك إلى أنه لا يمكن أن يترك زمام الأمور إلى حكومة انتقالية. ووجّه الرئيس الأفغاني اتهامات لباكستان، مؤكداً أنّه "لا بدّ أن تغيّر سياساتها القديمة، وأن تتعامل مع أفغانستان المستقلة، دولة وشعباً، وعليها أن تناقش مع جارتها (أفغانستان) عملية المصالحة الحقيقية، وما يتطلع إليه الشعب الأفغاني، فذلك ضرورة وفي صالح الجميع"، داعياً إسلام أباد إلى "قبول أفغانستان كدولة لها سيادة". وتتهم الحكومة الأفغانية باكستان بمساندة "طالبان"، والوقوف ورائها، زاعمةً أنّ "مقاليد حلّ القضية الأفغانية بيد باكستان".

من جهته، أكد رئيس "المجلس الأعلى الوطني للمصالحة" عبد الله عبد الله، في كلمة له أول من أمس الأحد، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، أنّ "المقترح الذي قُدّم من قبل أميركا لحلحلة المعضلة الأفغانية، لا بدّ من دراسته والتباحث بشأنه، وبحث حل شامل لأبعاد القضية الأفغانية"، مشيراً إلى أنه "لا بد من التركيز على المقترح من أجل الوصول إلى ما يتطلع إليه الشعب الأفغاني وهو السلام الشامل". ولفت إلى أنّ "أي مقترح تكون فيه نقائص لا بدّ من تعديله وإصلاحه، ولكن إبداء الحساسية المطلقة تجاهه ليس في صالح أي طرف"، من دون أن يشير إلى الجهة التي يقصدها بحديثه.

تقارير دولية
التحديثات الحية

أما حركة "طالبان"، فهي "تأخذ وقتها في التشاور بشأن المقترح"، وفق ما قال قيادي في الحركة لـ"العربي الجديد"، رافضاً الكشف عن هويته. من جهته، قال القيادي السابق في "طالبان"، وهو وزير العدل في حكومتها، المولوي سيد أكبر آغا، لـ"العربي الجديد"، إنّ "خليل زاد جاء مع مقترح الحكومة التشاركية، ولكن لا يبدو أنّ الحكومة الأفغانية توافق على ذلك، كما أنّ لطالبان تحفظات كبيرة على المقترح؛ منها أنّ المبعوث الأميركي ناقشه مع وجوه تعدّ لاعباً في الساحة السياسية الأفغانية منذ 20 عاماً، وهي ليست محط توافق الحركة". ورأى أنّ "طالبان سترضى بالحكومة التشاركية والانتقالية لحلحلة الأزمة الأفغانية، شرط أن تكون على رأسها وجوه جديدة غير متهمة بالفساد في البلاد". ولفت أكبر آغا إلى أنّ "هناك نقائص في المقترح الأميركي، والحركة ستقدّم ملاحظاتها وتحفّظاتها حيالها، لا سيما في ما يتعلق بالنظام الإسلامي الشامل لجميع أطياف الشعب، فمقترح خليل زاد ليس شاملاً لجميع الأطراف".

أكبر آغا: طالبان سترضى بالحكومة التشاركية شرط أن تكون على رأسها وجوه جديدة غير متهمة بالفساد

وحول خروج القوات الأميركية من أفغانستان بحلول شهر مايو/ أيار المقبل (التزاماً باتفاق الدوحة بين طالبان والولايات المتحدة)، كما أشير إليه في رسالة وزير الخارجية الأميركي، قال أكبر آغا إنّ "طالبان قد تقبل بتمديد فترة بقاء القوات الأميركية لبضعة أشهر، ولكن في حال قبول الولايات المتحدة بمناقشة مطلبين أساسيين للحركة هما: الإفراج عن باقي سجناء طالبان، وشطب أسماء القياديين فيها من القائمة السوداء لمجلس الأمن الدولي". وأضاف "خروج القوات الأجنبية من أفغانستان، وفق اتفاق الدوحة، في صالح الجميع، وليس الحركة وحدها تريد ذلك، بل أيضاً جميع الأحزاب السياسية في البلاد. كما أنه مطلب الشعب، لأنه يتطلع إلى حلحلة القضية، وأساس الحلحلة يكمن بخروج القوات الأجنبية من أفغانستان".

وكانت قناة "طلوع" التلفزيونية الأفغانية قد نشرت رسالة بلينكن إلى غني، وتم تأكيد مضمونها في تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أيضاً. ومما جاء فيها أنّ الولايات المتحدة "تدرس سحب قواتها بالكامل بحلول الأول من مايو، مع بحثنا خيارات أخرى"، مضيفاً أن بلاده "لم تستبعد أي خيار في ما يتعلق بأفغانستان". غير أنّ متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية امتنعت، أول من أمس الأحد، عن تأكيد صحة مضمون الرسالة، بحسب وكالتي "رويترز" و"الأناضول"، لكنها قالت إن الولايات المتحدة "لم تتخذ أي قرارات بشأن وضع قواتنا في أفغانستان (التي يبلغ عددها 2500 جندي) بعد الأول من مايو. كل الخيارات لا تزال مطروحة". وأضافت المسؤولة الأميركية أنّ "رحلة خليل زاد الأخيرة إلى العاصمة القطرية الدوحة تمثل استمراراً للدبلوماسية الأميركية في المنطقة". وبحث وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في الدوحة، أول من أمس الأحد، مع المبعوث الأميركي إلى أفغانستان، "آخر التطورات في المنطقة، ولا سيما في أفغانستان"، وفق وكالة الأنباء القطرية (قنا).

الولايات المتحدة لم تتخذ أي قرارات بشأن وضع قواتها في أفغانستان بعد الأول من مايو

في السياق، اعتبر الأستاذ الجامعي خالد سراج، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ أميركا "قبل أن تناقش مع طالبان ما جاء في رسالة بلينكن، ومنها مقترح الحكومة التشاركية، قد تناقش مع الحركة تمديد أمد انسحاب قواتها كاملة من أفغانستان"، مشيراً إلى أنّ "طالبان ستقبل بهذا المقترح في حال رأت من واشنطن ضوءاً أخضر حيال مطالبها الأخرى، وفي حال كانت واشنطن جادة في الخروج".

وتأتي هذه التطورات على صعيد عملية السلام الأفغانية، بالتزامن مع التصعيد المستمر على الأرض، ومعارك ضارية تشهدها مناطق مختلفة من البلاد. إذ أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية، مقتل 34 من عناصر "طالبان" في عمليات للجيش، أول من أمس الأحد، في مناطق مختلفة من ولاية قندهار، جنوب البلاد، بينما قتل ثمانية من عناصر الشرطة في اليوم ذاته، في هجوم للحركة في إقليم بلخ، شمالي أفغانستان.

كذلك، أكد وزير الداخلية الأفغاني مسعود أندرابي في مؤتمر صحافي، الأحد، أنّ حركة طالبان "تستعدّ لشنّ عملية الربيع" (فصل الربيع الذي تشتد فيه المعارك عادةً)، وأنّ التقارير الاستخباراتية لدى الحكومة تؤكد أنّ الحركة "رتّبت أوراقها لشن هذه العملية". لكن المتحدث باسم "طالبان" ذبيح الله مجاهد سارع للرد على تلك الاتهامات، وقال إنّ الحركة "تصب كامل اهتمامها على عملية المفاوضات، وليس على الحرب، لكنها مستعدة لمواجهة أي ظرف". وكانت الحركة قد أكدت، في بيان لها بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاتفاق الدوحة، أخيراً، أنها أوقفت عملياتها داخل المدن ولم تعلن عن عمليات الربيع، التزاماً بهذا الاتفاق.

المساهمون