"الائتلاف السوري" يحتوي أزمة مفوضية الانتخابات

24 نوفمبر 2020
الصورة
"الائتلاف" مُطالب برفع سقف خطابه ضد النظام (حافظ ترمان/الأناضول)
+ الخط -

أعلن "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، أمس الاثنين، إيقاف العمل بقرار تشكيل مفوضية للانتخابات، بعد أيام قليلة فقط من إعلان هذا القرار، وذلك إثر الرفض الواسع الذي واجهه من الشارع السوري المعارض، والذي اعتبر أن مثل هذه الخطوة هي بمثابة منح الشرعية لبشار الأسد ونظامه، في الانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل /نيسان المقبل. وقال رئيس "الائتلاف" نصر الحريري، في تغريدة عبر "تويتر"، إن خطوة التراجع عن القرار "تأتي استجابةً لمطالبات عدد من القوى الثورية والشعبية، وحرصاً على وحدة الصف واحترام وجهات نظر السوريين". وأوضح الحريري أن "الائتلاف" سيجري المزيد من المشاورات مع القوى الثورية والسياسية، للوصول إلى صيغة مناسبة، مؤكداً أن "مهمة الائتلاف كانت وستبقى تمثيل السوريين والتعبير عن إرادتهم". من جهته، أكد عضو الهيئة السياسية لـ"الائتلاف"، ياسر الفرحان، رفض "الائتلاف" لأي عملية انتخابية يشارك فيها الأسد، أو أي أحد من الضالعين بجرائم ضد الإنسانية من أركان حكمه، مشيراً في تصريحات نقلها موقع "الائتلاف" أن الأخير لن يمنح أي شرعية لانتخابات مقبلة في سورية، قبل توفير البيئة الآمنة والمحايدة.

فريق رئاسة الائتلاف مرن في تعاطيه مع المسار الأممي

وكان لقرار "الائتلاف" السوري المفاجئ بتشكيل "مفوضية وطنية للانتخابات"، صدى سلبي في الشارع السوري المعارض، الذي اعتبر قطاعٌ واسع منه أن القرار يأتي مقدمةٌ لـ"تطبيع مرفوض" مع النظام، وخطوة باتجاه الدخول مع هذا النظام في انتخابات رئاسية العام المقبل، استجابة لضغوط دولية وإقليمية تدفع في هذا الاتجاه. وبحسب مصادر مطلعة مقربة من "الائتلاف"، تحدثت لـ"العربي الجديد"، فقد شرعت هيئته السياسية أمس الإثنين، في فتح نقاش حول هذا القرار، وما تسبّب فيه من لغط. وكان أدى هذا اللغط إلى ارتفاع أصوات في الشارع السوري المعارض تدعو إلى حلّ "الائتلاف"، وتشكيل جسمٍ سياسي جديد يكون قادراً على تمثيل الثورة والمعارضة السورية في استحقاقات الحلّ السياسي، بعيداً عن التبعية والرضوخ لإرادات الدول الفاعلة في القرار السوري.

وقبل إعلان التراجع عن القرار، وفي محاولة واضحة لتطويق تداعياته السلبية، قال رئيس "الائتلاف" نصر الحريري، في تغريدة على "تويتر"، أول من أمس الأحد، إن الائتلاف "تلقّى ملاحظات قيّمة من جهات ثورية ووطنية عدة حول قرار تشكيل المفوضية الوطنية للانتخابات"، مشيراً إلى أنه "سيناقشها بشكل معمق، ويجري معالجة للقرار، بما يحافظ على ثوابت الثورة السورية، مسترشداً بإرادة شعبنا، محترماً لتطلعاته ومطالبه المشروعة في انتقال سياسي من دون المجرم بشار الأسد". وبيّنت مصادر من داخل "الائتلاف"، لـ"العربي الجديد"، أن أغلب أعضاء الهيئة السياسية "ميالون إلى طيّ القرار وكأنه لم يكن"، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن يعقد الحريري مؤتمراً صحافياً "يوضح فيه حيثيات ما جرى، وكي ينفي بالمطلق نيّته، أو نيّة الائتلاف الوطني المعارض، المشاركة في أي انتخابات يكون بشار الأسد طرفاً فيها"، وفق المصادر.
وقد فوجئ الشارع السوري المعارض، يوم الخميس الماضي، بتشكيل "مفوضية وطنية للانتخابات" من قبل "الائتلاف الوطني" المعارض. من جهته، حاول "الائتلاف" تدارك الجدل الذي أثاره هذا القرار، من خلال تأكيده أن "إنشاء هذه الهيئة، يأتي انسجاماً مع قرار مجلس الأمن الدولي 2245 وبيان جنيف للعام 2012، ولكي تكون كوادر الثورة السورية وقواها مستعدة لكامل الاستحقاقات المتعلقة بتنفيذ الحلّ السياسي وتأسيس هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات من دون الأسد"، وفق بيان.
لكن الشارع السوري المعارض لم يقتنع بتبرير "الائتلاف" لإصدار هذا القرار، الذي فتح الباب مجدداً أمام الأصوات التي تطالب بإعادة هيكلة "الائتلاف" أو حلّه. وجاء ذلك خصوصاً أن هناك اتهامات تلاحق "الائتلاف" من قبل ناشطين وشخصيات معارضة مستقلة بالفشل السياسي، وعدم القدرة على مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، واتساع الهوة بينه وبين الشارع المعارض الذي يرفض التعاطي مع أي حلول سياسية من شأنها التفريط في مبادئ الثورة الأساسية، وفي مقدمها، خروج الأسد والمحيطين به من السلطة. بل إن هذا الشارع يطالب المعارضة السورية برفع سقف مطالبها لتقديم الأسد وأركان حكمه إلى محاكمة دولية، لمحاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها بحق السوريين منذ عام 2011 وحتى اليوم.

اتهامات تلاحق "الائتلاف" بالفشل السياسي، وعدم القدرة على مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية

من جهته، أشار الباحث السياسي في مركز "جسور" للدراسات، وائل علوان، إلى أن عدداً من أعضاء الهيئة السياسية في الائتلاف "أكدوا أنه لم يتم تداول ونقاش قرار تشكيل المفوضية، أي أن القرار لم يتخذ بشكل صحيح مؤسساتياً، بل اتخذ من فريق رئاسة الائتلاف". وأضاف علوان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هذا الفريق مرن في التعاطي مع المسار السياسي الأممي، من خلال واقعية سياسية كاملة"، موضحاً أن "ممثلي الائتلاف في الهيئة العليا للمفاوضات، وفي اللجنة الدستورية، يتعاطون مع الملف بناءً على ما يتم التوافق عليه إقليمياً ودولياً". وبرأيه، فإن هؤلاء "يرون أن المزاج السياسي الدولي يميل إلى عدم انتقال سياسي كامل للسلطة في سورية، وعدم إدانة النظام بشكل واسع، وكتابة دستور جديد، ثم توفير بيئة آمنة بحد أدنى والدخول في انتخابات برلمانية ورئاسية تحت إشراف أممي، يكون نظام الأسد شريكاً فيها". وأشار علوان إلى أن الفريق المفاوض حالياً "متقبل للحل السياسي وفق المنظور الدولي ووفق بعض القراءات للقرار الدولي 2254 على أنه يدعو إلى شراكة بين النظام والمعارضة في الحكم".
لكن الكاتب السوري المعارض رضوان زيادة رأى، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "المشكلة الرئيسية هي انعدام الثقة المطلقة بالائتلاف وشخصياته القيادية، وانعدام القدرات التواصلية لديهم". واعتبر أنه لهذا السبب، فإن "كل قرار يتخذه الائتلاف يكون محل شك دوماً ويتم التشكيك في موقف القياديين فيه". وأعرب عن اعتقاده بأن هذه المشكلة "لن تتغير أبداً، وهو ما نطلق عليه في العلوم السياسية موقف عدم الثقة شعبياً، وبما أن الائتلاف هو مؤسسة غير منتخَبَة، يصبح من المستحيل تحصيل الثقة مجدداً". وأضاف: "لا أمل نرجوه من الائتلاف بشكله الراهن".

المساهمون