الألغام تطارد العائدين لشمال سيناء: إهمال متعمد من الجيش؟

29 أكتوبر 2020
الصورة
يتخوف الأهالي من تهجيرهم كما حصل في الشيخ زويد (محمد الشاهد/ فرانس برس)
+ الخط -


لا تزال الألغام الأرضية تفتك بأرواح المصريين في قرى غرب محافظة شمال سيناء، التي عاد سُكّانها إليها أخيراً، بعد إنهاء الجيش المصري سيطرة تنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش" عليها. وأصبحت هذه الألغام، بمثابة عقاب للمطلب الشعبي الذي خرج من أجله آلاف المهجرين، والمتمثل بعودتهم إلى قراهم ومزارعهم، بعد أسابيع من إنهاء وجود التنظيم فيها، ووقوف الجيش حائلاً دون ذلك لبعض الوقت، ومن دون توضيح الأسباب.

وكان سُكّان قرى غرب شمال سيناء، قد شعروا بالقلق من إمكانية ملاقاتهم لمصير أهالي مدينتي رفح والشيخ زويد بالتهجير الدائم، ما أثار غضب قيادة عمليات الجيش، التي لم تتمكن من الاستمرار في الوقوف بوجه المهجرين. وسمحت هذه القيادة لسكان القرى بالعودة إليها، بعد خروج صور التظاهرات في سيناء بالتزامن مع احتجاجات 20 سبتمبر/أيلول الماضي في المحافظات المصرية، وتمكن المهجرون من دخول أراضيهم ومنازلهم، إلا أن الألغام الأرضية كانت في انتظارهم سريعاً، ما أدى إلى مقتل 15 مواطناً، غالبيتهم من النساء والأطفال.

شعر سكان قرى غرب شمال سيناء، بالقلق من إمكانية ملاقاتهم لمصير أهالي مدينتي رفح والشيخ زويد بالتهجير الدائم

ويقول أحد وجهاء قرية أقطية التي شهدت قبل أيام حادثة تفجير أدت إلى مقتل 5 نساء مصريات وإصابة مواطنين آخرين، إن ما يجري "يشعرنا بتعمد تركنا لملاقاة الموت في كل شارع وشبرٍ من قرانا التي عدنا إليها". ويضيف أنه إذا كانت هذه الألغام الأرضية لم تنفجر طوال مدة العمليات العسكرية التي استمرت أشهراً، فلماذا لم يعمل الجيش على تفكيكها خلال فترة مكوثه داخل قرانا بعد انسحاب داعش، بل اكتفى بإغلاق الطرق المؤدية إليها وعدم السماح لنا بالمرور؟ كما يتساءل المصدر عن السبب الذي منع الجيش من القيام بحملة توعية للمواطنين من خطورة الألغام والأماكن المحتمل زراعتها فيها؟ وتساءل عن سبب تفخيخ التنظيم لكل هذه الشوارع والمنازل، فهل يستهدف الوجود السكاني فيها أم الجيش؟ 

هذه الأسئلة وغيرها، لا يجد سكان قرى غرب محافظة شمال سيناء، بحسب المصدر، أجوبة لها، سوى أن "المواطنين يدفعون ثمن الإصرار على البقاء في الأرض، تارةً بالقصف والتدمير والتهجير، وطوراً بالعقاب".
ويشرح المصدر أن قوات الجيش والفرق الهندسية لم تحرك ساكناً منذ وقوع الانفجار الأول للمهجرين في قرى قاطية وأقطية والمريح والجناين، ولم نر أي مركبةٍ للجيش المصري، تعمل على البحث عن المتفجرات أو تفكيك العبوات، بل بات المواطنون يبحثون بأنفسهم عنها في منازلهم ومزارعهم للحيلولة دون انفجارها بأهاليهم. ويأتي ذلك خصوصاً، بحسب المصدر، بسبب أن غالبية هذه التفجيرات أصابت أو قتلت النساء والأطفال، لعدم درايتهم بشكل العبوات الناسفة والألغام الأرضية، ما رفع أعداد الضحايا بين هذه الشريحة. ويشير إلى أن أي مواطن لم يغادر قريةً من القرى المهجرة، رغم ما حصل، وهم لا يزالون مصرين على الاستمرار والبقاء فيها، من باب أن الموت في الأرض خيرٌ من العيش بعيداً عنها. وعلى العكس تماماً، لا يزال عشرات المواطنين، كما يروي المصدر، يعودون إلى قراهم بشكل يومي، من بين أولئك الذين كانوا خارج المحافظة، أو ممن فضلوا التأخر في العودة بانتظار تحسن الأوضاع الأمنية في المنطقة المحيطة بالقرى، نظراً إلى عودة الحديث عن تواجد التنظيم في مناطق قريبة من القرى المستهدفة، غرب مدينة بئر العبد.
وتعقيباً على هذا المشهد، أصدرت "مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان" (منظمة مجتمع مدني مصرية)، قبل أيام، بياناً بعنوان "عبوات داعش وإهمال السلطات المصرية يتسببان في سقوط ضحايا جدد من المدنيين"، تأسفت فيه لتكرار وقوع ضحايا من المدنيين نتيجة انفجار عبوات ناسفة في مناطق قاطية وإقطية والجناين والمريح جنوب غرب مركز بئر العبد. وقالت المنظمة إن "رغبة النازحين الملحة في العودة إلى بيوتهم لم تكن نابعة من غياب البدائل فقط، ولكن أيضاً بسبب سيطرة الخوف على الأهالي، من أن تلقى منازلهم وقراهم مصيراً مشابهاً للقرى المدمرة والمهجرة في رفح والشيخ زويد في الشمال الشرقي من سيناء، والتي أخلاها الجيش قسرياً أو هجّر سكانها بلا رجعة". كما دانت المؤسسة استخدام "داعش" لهذه الأسلحة العشوائية التي لا تميّز بين الأهداف المدنية والعسكرية، والتي أدّت وفقاً لما وثقته المؤسسة في الفترة بين 11- 24 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، إلى مقتل 16 شخصاً وإصابة 8 آخرين، جميعهم من السكان المحليين الذين عادوا إلى قراهم بعدما أعاد الجيش فرض سيطرته على القرى. وشددت "مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان" على أن أولى واجبات الجيش المصري تتمثل في تطهير القرى والمنازل من المتفجرات والعبوات الناسفة قبل السماح للمدنيين بالعودة إلى مناطقهم. وناشدت السلطات المصرية بتحمل مسؤولياتها لإيقاف الخسائر في الأرواح، والقيام بواجبها في تأمين المدنيين وحفظ أرواحهم، والبدء بحملة تطهير جدية للتخلّص من أي متفجرات زرعها "داعش" في القرى.

لم يطهر الجيش المصري القرى والمنازل من المتفجرات والعبوات الناسفة قبل السماح للمدنيين بالعودة إلى مناطقهم

من جهته، يرى كاتب في شؤون سيناء، أن ما حصل في قرى غرب المحافظة منذ بدايته إلى يومنا هذا، مدعاة إلى التفكير العميق، بدءاً بفعل التنظيم ورد فعل الأمن المصري، من ثم عودة المهجرين وما رافق ذلك من جرائم بحقهم. ويضيف أن ملخص هذه الأحداث برمتها يشير إلى أن المخطط الرئيسي، الذي يحاك لهذه المنطقة، هو التهجير بغض النظر عن الأداة أو الفاعل أو النتائج. ويوضح المصدر أن المحاولة الأولى هي الصدمة بأن تتحول منطقة هادئة كقرى قاطية وأقطية والمريح والجناين إلى ساحة حرب في دقائق، ومن ثم إلى منطقة عمليات عسكرية وهجمات إرهابية، لأسابيع عدة، لتصبح منطقة عسكرية مغلقة من الجيش المصري يحظر على سكانها الوصول إليها، حتى لو بغرض التفقد والاطمئنان، إلى أن باتت بمثابة مصيدة للموت، قد يتعرض أي مواطن فيها للخطر بفعل العبوات الناسفة والألغام الأرضية المتناثرة في كل زاوية من القرى. 
ويوضح الكاتب، الذي فضل عدم الكشف عن هويته لتواجده في سيناء، أنه لا بد للجيش المصري من أن يثبت عكس هذا الادعاء الذي يساور عقل وتفكير كل من يتواجد في هذه الأرض. ويذكّر بأنّ للجيش والتنظيم، على حد سواء، سوابق تاريخية في مجال التهجير القسري، كما حصل في مدن رفح والشيخ زويد والعريش ومناطق وسط سيناء على مدار السنوات الست الماضية. وبرأيه، فإن إثبات عدم صحة الاتهامات لا بد أن يأتي من خلال سعي الجيش إلى عودة كل المهجرين في كافة المناطق إلى قراهم فوراً، وضمان أمنهم واستقرارهم، وإزالة كل آثار تنظيم داعش، من كافة القرى والمزارع والشوارع، وحماية المواطنين المصريين في سيناء. ويأتي ذلك خصوصاً، بحسب المصدر، في ظلّ المعلومات الصادرة عن سكان مناطق رفح والشيخ زويد بأن تنظيم "ولاية سيناء" انسحب من غالبية المناطق التي كان يتواجد فيها جنوب المدينتين في شريط جغرافي ملاصق للقرى الجنوبية في تلك المناطق، وباتت الفرصة متاحة أمام العودة الفورية لآلاف المهجرين، في حال أراد الجيش ذلك، وسعى له، ووفر الحماية اللازمة لسكان تلك المناطق.