أزمة النفايات تشلّ مدينة عقارب التونسية وسط استنفار أمني

أزمة النفايات تشلّ مدينة عقارب التونسية وسط استنفار أمني

تونس
بسمة بركات
10 نوفمبر 2021
+ الخط -

يصيب مدينة عقارب في محافظة صفاقس بالجنوب الشرقي لتونس، اليوم الأربعاء، شلل تام، بعد إقرار يوم حداد وإضراب عام في القطاعين العام والخاص، إثر مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، بدأت الاثنين واستمرت طوال نهار الثلاثاء، احتجاجاً على إعادة مكبّ للنفايات في المنطقة.

وأغلق المحتجون كل مداخل المدينة، وتوجهوا نحو مكب القنة في ضواحي المدينة المخصص للنفايات، للمطالبة بغلقه، رغم التعزيزات الأمنية.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد أعلن إضراباً عاماً في المدينة، اليوم، فيما فتحت السلطات الرسمية في تونس تحقيقاً في مقتل الشاب عبد الرزاق لشهب خلال التظاهرات في عقارب، الذي شُيِّع جثمانه أمس، وسط حضور مكثف من الأهالي.

وقال أحد سكان عقارب، ويُدعى محمد القارصي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "الإضراب العام ناجح مائة بالمائة، حيث إن شللاً أصاب المنطقة وأغلقت المقاهي وجميع المرافق والمؤسسات"، مضيفاً أن "المحتجين انقسموا إلى مجموعتين: توجهت المجموعة الأولى إلى مصب القنة، رغم التعزيزات الأمنية الكبيرة، حيث وصلت عشرات السيارات الأمنية. فيما ظلت مجموعة أخرى من المحتجين وسط المنطقة بالقرب من سوق عقارب".

وأوضح المتحدث ذاته أن "هناك حالة من الغضب في صفوف الأهالي، خاصة بعد محاولات البعض تسييس القضية"، مشدداً على أن "المسألة تهمّ كل القاطنين في الجهة، ولا علاقة لها بأحزاب أو انتماءات"، مشيراً في الآن نفسه إلى أنهم "ناضلوا من أجل حقهم في بيئة نظيفة وسليمة منذ الثورة".

يذكر أنّ منطقة عقارب شهدت، منذ مساء الاثنين، مواجهات بين عناصر الأمن وأهالي المنطقة، بعد رفضهم فتح مكبّ النفايات المغلق منذ فترة، وتحويل نفايات منطقة صفاقس إليه.

حالات إغماء

وشهد محيط مكب القنة في عقارب، مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن التونسية، حيث تم إطلاق الغاز المسيل للدموع، وسجلت حالات إغماء في صفوف النساء والأطفال.

وأكدت الناشطة في المجتمع المدني، ندى الوكيل، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن وقفتهم كانت سلمية من أجل إيصال رسالة مفادها تطبيق القانون ورفض إعادة فتح المكب، مؤكدة أنهم رفعوا عدة شعارات للتنديد بالتلوث وعدم تطبيق القانون.

وأضافت أنه رغم أن قوات الأمن أكدت لهم في البداية أنها لن تواجه المحتجين بالغاز، إلا أنه تم تفريق المحتجين بالقوة.

وبينت المتحدثة ذاتها أنهم فوجئوا باستعمال القوة في قمع التحرك الذي شمل جميع الفئات من الشيوخ والنساء والأطفال، لتتوالى عمليات استعمال الغاز المسيل للدموع، وهو ما أدى إلى حالات من الإغماء.

وأضافت الوكيل أنها تعاني من الحساسية وتخشى أن تصاب بضيق تنفس، مبينة أن أغلب المحتجين تفرّقوا وعادوا إلى عقارب.

وضع كارثي

وفي سياق متصل، أكد سامح البحري، الناشط بالمجتمع المدني وأحد المحتجين، لـ"العربي الجديد"، أنه "أصيب في ساقه عندما كان مع الأهالي للدفاع عن البيئة"، مضيفا أن الغاز المسيل للدموع "كان كثيفا إلى درجة لا تحتمل".

ولفت البحري أنه" موجود بالمستشفى بعقارب حيث توافدت عديد الحالات من الأطفال والنساء، مبينا أنه تم نقل البعض منهم إلى مستشفيات صفاقس، بحكم عدم توفر الأوكسجين وطلب مدهم بالإسعافات الضرورية، مشيرا إلى أن الوضع "كارثي".

ولفت إلى أن "سيارات الإسعاف كانت تنقل المصابين بنسق متواتر، وأن بعض الحالات حرجة جراء الغاز"، معتبرا أن "ما حصل جريمة ضد الإنسانية فهم ليسوا بمجرمين ويدافعون على حقهم في بيئة سليمة، ومطلبهم مشروع وسلمي".

وأضاف المتحدث الذي كان يتكلم بصعوبة جراء الإصابة أنهم "تونسيون ويطلبون فقط بحقهم في حماية البيئة ورفض النفايات حماية للأجيال القادمة، ولابد للدولة من أن تحترم تعهداتها، وهناك قانون يجب تطبيقه".

جرم في حق الأهالي

وأكد الناشط في المجتمع المدني، وعضو حملة "مانيش مصب" (لست مصباً) في عقارب، شكري البحري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "محاولة فرض الحل الأمني لمسألة حياتية تتجاوز الوضع البيئي في عقارب مرفوضة"، مبيناً أن "حكماً قضائياً بغلق المكب كان نتاج عدة تحركات ونضالات، وفتحه مجدداً يعتبر أكبر جرم في حق الأهالي".

وأوضح البحري أن "الأهالي منذ 2013 وهم يناضلون من أجل إغلاق المكب، وتقريباً واجهوا أغلب الحكومات المتعاقبة، رغم الإخلال بأغلب التعهدات والتملص من الاتفاقيات".

ولفت إلى أن القضاء أنصفهم "وبالتالي لا بد من تطبيق القانون"، مضيفاً أن "استمرارية الدولة تفرض التطبيق، وبالتالي لا مجال لإعادة فتح مكب نفايات القنة".

وفيما شدد البحري على أن "الحق البيئي حق للجميع من مختلف الانتماءات والحساسيات"، تابع قائلاً: "بعيداً عن المرجعيات والقضايا المغلوطة، هناك اليوم قضية مصيرية، وهي قضية حياة أو موت. فهناك أطفال ماتوا بسبب الأمراض والتلوث والحشرات السامة والأوبئة، ولا مجال للصمت".

مكب النفايات بعقارب
المكب يهدد سلامة السكان (حسام زواري/ فرانس برس)

"النهضة" تدين اللجوء إلى المنهج الأمني

من جهتها، دانت حركة "النهضة" التونسية اللجوء إلى المنهج الأمني في التعاطي مع مشاكل البلاد وما يخلفه ذلك من ضحايا وانتهاكات، وتطالب بفتح تحقيق قضائي لتحديد المسؤوليات.

وحملت "النهضة"، رئيس الجمهورية ووزير الداخلية، المسؤولية عما يجري "لاسيما بعد أن طلب الرئيس من وزير الداخلية وأمام شاشات الكاميرا اتخاذ إجراءات لفرض حلّ على الجميع في مدينة عقارب بما يفهم منه دعوته لاعتماد الحل الأمني بالجهة"، مضيفة أن "توخّي هذه السياسات منهجا يهدّد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي في البلاد".

وتوفي الشاب التونسي لشهب خلال الاحتجاجات، يوم الاثنين، جراء إطلاق الشرطة التونسية الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، ما أدى إلى إصابات بحالات اختناق عديدة. ونفت وزارة الداخلية التونسية وفاة الشاب نتيجة ذلك، وقالت إنه كان بعيداً عن مكان المواجهات، فيما تصرّ عائلة الشاب على أنه توفي نتيجة الاختناق.

وحمّلت أحزاب "التيار الديمقراطي" والحزب "الجمهوري" و"التكتل"، أمس الثلاثاء، في بيان مشترك، "المسؤولية السياسية لوفاة شاب في مدينة عقارب بصفاقس، ولتعفن الوضع البيئي، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي؛ لرئيس الجمهورية قيس سعيّد"، مشيرة إلى أنّ "سعيّد المنفرد بالسلطة كلّف وزير داخليته (توفيق شرف الدين) باعتماد الحل الأمني في غياب حلول عاجلة لأزمة الفضلات المتراكمة في جهة صفاقس منذ أربعين يوماً".

وطالبت الأحزاب بـ"فتح تحقيق جدي ومستقل، لتحديد المسؤوليات، وإحالة الملف إلى القضاء"، لافتة إلى أنّ "بقاء جهة صفاقس من دون محافظ منذ أسابيع عديدة ترجم قصوراً في إدارة شؤون الدولة، وزاد من تعقيد الأوضاع".

مواجهات مع الأمن في محافظة صفاقس
دعوات لفتح تحقيق في أحداث عقارب (حسام زواري/ فرانس برس)

 

ذات صلة

الصورة
أرباب العمل يستهينون بأهمية الأمن والسلامة

تحقيقات

يكشف تحقيق "العربي الجديد" عن خطر متربص بالمناطق الصناعية التونسية، هدد إحداها بكارثة، بسبب تمادي أرباب العمل في عدم توفير متطلبات الأمن والسلامة، ما زاد من الحوادث القاتلة، في ظل تأخر بتمرير ملفات المتضررين.
الصورة
مؤتمر صحفي لحركة "النهضة" التونسية (العربي الجديد)

سياسة

طالبت حركة "النهضة" التونسية، مساء اليوم الجمعة، بإطلاق سراح وزير العدل السابق والقيادي في صفوفها، نور الدين البحيري، وذلك بعد ساعات على إيقافه، مؤكدة تعرضه للعنف من قبل القوات التي اعتقلته، ومحملة الرئيس قيس سعيّد ما قد يقع للبحيري.
الصورة
مؤتمر صحافي لمواطنون ضد الانقلاب (العربي الجديد)

سياسة

أعلنت المبادرة التونسية "مواطنون ضد الانقلاب"، اليوم الخميس، أنها تستعد ليوم 14 يناير/ كانون الثاني، ليكون يوم غضب و يوما فارقا لمواجهة الانقلاب، مؤكدة أن هناك مشاورات مع عديد العائلات السياسية لتكوين جبهة سياسية بديلة لسلطة الانقلاب.
الصورة
النائب زياد الهاشمي (فيسبوك)

سياسة

أكد القيادي والنائب عن حزب "ائتلاف الكرامة" زياد الهاشمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، اليوم الأربعاء، أنه "التحق بإضراب الجوع الذي ينظمه مواطنون ضد الانقلاب، من مقر الاتحاد البرلماني الدولي بجنيف بعد التنسيق مع هيئة إضراب الجوع ضد الانقلاب بتونس".

المساهمون