ليست عنصرية.. إنها المصالح التركية

ليست عنصرية.. إنها المصالح التركية

28 يوليو 2019
+ الخط -
كانت تركيا الأردوغانية واضحةً بما فيه الكفاية إزاء الثورة وما يجري في سورية. لم تخفِ، ومنذ عام 2011، منظورها إلى ما يحدث. كانت قبل ذلك علاقاتها أكثر من ممتازة مع الدولة الأمنية في سورية، وبعد الشهر الثالث من العام المذكور، لم تترك وسيلة مع نظام دمشق إلا وحاولتها، كي تحافظ على مصالحها، وليتفادى هو تطوّر الثورة، بما فيه عقد صفقة مع الإخوان المسلمين، تنتهي بموجبها أزمة الثمانينيات، وينالون حصة بسيطة في الدولة، ويُصلح النظام علاقته مع الشعب. على الرغم من مماطلته حينها، ومحاولته كسب الوقت، متوهمًا إمكانية قمع الثورة، رفض النظام المنظور التركي. المعارضة السورية، و"الإخوان" أولًا، كانوا يريدون السلطة كاملة، وبالتالي هادنوا الأتراك، وعملوا لأجل استجلاب التدخل الدولي للوصول إلى السلطة. المعارضة هذه هي، وبشكل خاص، المجلس الوطني السوري حينها، والقوى القريبة منه تحديدًا.
مع رفض النظام الإصلاح خيارًا سياسيًّا، واعتماده القمع وسيلة وحيدة، نقلت تركيا رهانها، واختارت حصانًا جديدًا، وهو الإخوان المسلمون ومن يدور في فلكهم. راح السوريون البسطاء والثوار، وحالما بدأ القمع يشتد، يصلون تباعًا إلى تركيا التي رفضت حينها اعتبارهم لاجئين، والمعارضة لم تفكر بالأمر من أصله، ولا يعنيها وجودهم هناك، ولا مشكلاتهم ومآسيهم، فهي تريد السلطة كما النظام. مرّت الأعوام وتتالت الكوارث، ولم يتغيّر في وضعهم شيءٌ يذكر، حيث المخيمات ذات الخدمات الرديئة، ومئات ألوف العاطلين من العمل، والأجر المتدني وسواه كثير. بدأت تركيا، مع انهيار علاقتها مع النظام، استخدام سورية ورقة سياسية للتفاوض مع أميركا وروسيا وإيران وإسرائيل؛ وأيّ محاولة للتدقيق ستوضح أن تركيا وإيران أيضًا، ليستا أكثر من دولة إقليمية، وليس في مقدورهما التدخل الواسع، أي إن جواب السؤال الذي طُرح سوريًّا وبقوة في السنوات السابقة: لماذا لا تتدخل تركيا، وتساعد الثورة وتنهي النظام؟ تركيا دولة إقليمية، وهي بهذا لا تشبه روسيا أو أميركا بصفة خاصة، إذ بمقدور الأخيرتين تغيير الأنظمة والتدخل كما تمَّ لاحقًا، وفي هذا طبعًا سيكون هناك تنسيق مع الدول الكبرى والإقليمية، وهذا يُقرأ ضمن السياسات العالمية، وليس وفقًا لقدرة الدول العظمى ذاتها.
تتحمّل المعارضة السورية مسؤولية تهميش ذاتها، وتهميش حقوق اللاجئين في تركيا أو لبنان 
أو الأردن أو أي دولة. والسؤال هنا: ماذا فعلت المعارضة من أجل الشعب المُهجّر؟ وكيف تابعت قضاياه في تلك الدول ومقتلته في البحر؟ لا شيء أبدًا.
مصطلحات جديدة بدأت تظهر للإعلام، وتبتغي توصيف العلاقة بين السوريين والحكومة التركية، منها "أنصار ومهاجرون"، و"ضيف ومضيف"، وسواهما. أي محاولة لتفكيك هذه المفاهيم ستوصلنا إلى أن السوريين ورقة بيد تركيا، أو حتى المعارضة السورية! وإذا كان طبيعيًا ألا يكونوا لاجئين في الأشهر الأولى لوجودهم، فإن الأمر بعد ذلك لم يعد مبرّرًا على الإطلاق، ولهذا وجدنا "استرخاصًا" بهم وبحقوقهم من الأنظمة لاحقًا. فعلًا تركيا فتحت حدودها، واستقبلت أعدادًا كبيرةً. وهذا أحدث مشكلة داخلية لم تتطوّر إلى صراعاتٍ عنيفة؛ فتارة نجد أحزاب المعارضة التركية ترفض كل التدخل في سورية واللاجئين السوريين في تركيا، وتارة نجد انقسامًا أهليًا يرفض بعضه كل السياسة التركية في سورية، وثالثة تتفجر مشكلات صغيرة هنا وهناك، ويوضح ذلك كله أن عدم تنظيم وضع السوريين في هذا البلد كان أمرًا خاطئًا كلية. نظام أردوغان والمعارضة السورية لم يهتما، وظلت المشكلات متفجرة، ولاحقًا انتقلت تركيا من استقبال اللاجئين والمعارضة إلى تحويلهم إلى أدوات في صراعها مع روسيا والخليج وأميركا. وتوضح ذلك طريقة تشكيل المجلس الوطني السوري، ولاحقًا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ثم هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، وحصتها في تلك المؤسسات. وهناك أيضًا تدخلها في أكثر من منطقة (جرابلس، وعفرين والباب، ولاحقًا إدلب، وتاليًا قد يكون تل رفعت وبلدات أخرى، والآن تعمل من أجل منطقة آمنة في شمال شرق سورية)، وإلحاق تلك المناطق بمحافظات سورية تحتلها منذ مائة عام!
الإخوان المسلمون السوريون هم الأكثر تبعية للحكومة التركية، وهم لا يرون أن الحكومة التركية تحكمها مصالح كبرى، تتعلق بالدولة التركية والشعب هناك، وليس بسياسات حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان حصريًا. وقد شكل تراجع قوة أردوغان داخليًا، ولا سيما مع الانتخابات البلدية أخيرًا، وخسارته المدن الكبرى، سببًا لاحتدام الخلاف بين حزب أردوغان والمعارضة، وضمن ذلك الموقف من السوريين. أردوغان نفسه، ولا سيما بعد الانقلاب العسكري في 2016، ومساعدة روسيا له في إنهائه، وتحالفه معها عبر مسار أستانة، ولاحقًا سوتشي، غيّر من سياساته، وراح يعقد الصفقات مع روسيا، وبما يعزّز العلاقة معها، وعلى حساب السوريين.
ظهر، في الانتخابات البلدية أخيرًا، خطاب مناهض للسوريين من مرشحي أردوغان
 والمعارضة، وحتى أردوغان راح يؤكد أنه عازمٌ على إعادة السوريين، ولكن ليس قسرًا أو إلى مناطق النظام، وكثيرًا ما لوّح بورقة السوريين في مفاوضاته مع أوروبا، وساهم ذلك بتنسيق كبير مع دول أوروبا، وبوصول مساعدات إلى تركيا لإبقاء السوريين فيها، أو إعادتهم إلى سورية، وأيضًا ردَّ على المعارضة التركية بأنه سيستخدم العرب السوريين ضد كرد سورية، ولمنع الأخيرين من الوصول إلى حدود تركيا. وبذلك يستخدم أردوغان السوريين في صراعاته الداخلية والخارجية.
ليس ثمة عنصرية حقيقية في تركيا كما الحال في لبنان، فأغلبية الحوادث والحملات الإعلامية محدودة، وإن شابتها ممارسات عنصرية. وبخصوص السياسة التركية الجديدة، فقد أوضحت فشل الإخوان المسلمين السوريين في امتحان الوطنية والثورة، حيث دافعوا بشكل كامل عن "العلمانيين والإسلاميين الأتراك"، وشهَّروا بالسوريين هناك، وبدلًا من المطالبة بتطبيق حق اللجوء وفقًا للاتفاقيات الدولية، راحوا يؤكدون ضرورة الالتزام بالقوانين الجديدة، وأن الأنصار ليسوا كالمهاجرين! وأن لتركيا حقًّا بالتصرف في مدنها كما تشاء. وذلك فيما الحل المؤقت هو بتطبيق حقوق اللاجئين وفقًا للاتفاقيات العالمية، وإعطاء مهل جديدة، كما فعلت الحكومة التركية، لعودة السوريين إلى المدن التركية التي أصدرت لهم بطاقات الحماية المؤقتة (الكملك)، وإصدار "كملك" لمن دخل تركيا تهريبًا، ومراعاة أوضاع المرضى وكبار السن والطلاب، وإيقاف الحملات التي تطالب بإعادتهم إلى سورية، وتسهيل شؤون الذين لديهم منازل وملكيات وفرص عمل، ليعودوا إلى بلداتهم الخارجة عن النظام فقط.
تأجيل الترحيل وإعادة اللاجئين، وإعطاء وقت إضافي إلى العشرين من أغسطس/ آب المقبل، للّاجئين السوريين، كما صرحت ولاية مدينة إسطنبول للحصول على "كملك"، لا تلغي أبداً أن السياسة الجديدة سيتم إلغاؤها.