هل يحرّك الفقر والجوع ضمير السلطة في لبنان؟

هل يحرّك الفقر والجوع ضمير السلطة في لبنان؟

31 ديسمبر 2021
+ الخط -

كان المشهد تراجيديا، وسوريالا أيضا بامتياز. صفقة على شكل مجزرة سياسية – دستورية -قضائية - أخلاقية كانت في طريقها إلى التنفيذ أمام عيني الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس الذي حضر إلى بيروت في زيارة استطلاعية تضامنية مع اللبنانيين، ولحثّ الطبقة السياسية على "تجاوز الخلافات والعمل معا (متوهما) من أجل إيجاد الحلول لإنقاذ لبنان". وبالفعل، كانت السلطة السياسية "تحاول تجاوز خلافاتها"، عبر تدبيج صفقة جهنمية وبوقاحة متناهية (على عينك يا تاجر)، تقوم على تطيير رأس المحقق العدلي المكلف التحقيق في واقعة انفجار مرفأ بيروت، طارق البيطار، عبر تطيير كل رؤوس هرم السلطة القضائية، رئيس مجلس القضاء الأعلى ومدّعي عام التمييز ورئيس هيئة التفتيش القضائي والمدّعي العام المالي، مقابل تطيير حق المغتربين اللبنانيين وغير المقيمين في المشاركة في الانتخابات وفي الاقتراع المباشر لاختيار أعضاء مجلس النواب في دورة الاقتراع في الربيع المقبل، وإعادة تفعيل الحكومة المشلولة منذ شهرين ونصف الشهر، أي بعد تشكيلها بشهر، تنفيذا لإرادة حزب الله، الممثل في الحكومة بوزيرين فقط من أصل 24 وزيرا، والذي يريد "قبع" (مفردة مسؤول الأمن والاستطلاع في حزب الله) المحقق العدلي من موقعه لطمس التحقيق. ولهذا الغرض، كان قد افتعل في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي صدام الطيونة/ عين الرمانة الذي ذهب ضحيته سبعة قتلى.

أكثر من مليون عائلة، وهذا رقم صادم، سجلت لتحصل على بطاقة تموينية، تفتق عقل السلطة بها قيمتها مائة دولار في الشهر 

وكان تنفيذ هذه الطبخة الشيطانية أو تعبيد الطريق لها منوطا بالمجلس الدستوري الذي كان عليه أن يبتّ بالطعن المقدم من "التيار العوني" (تيار رئيس الجمهورية)، فإذا جاء القرار إيجابيا أي إقرار الطعن، فهذا سيعني أن الصفقة سالكة باتجاه تدمير المؤسسات وتقاسم المغانم. وإذا لم يقرّه المجلس الدستوري فهذا يعني أن الطبخة الجهنمية لم تنضج، وأن الخاسر هو فريق رئيس الجمهورية. ولكن الضحية الأولى المباشرة كانت مصداقية المجلس الدستوري نفسه، وهو أعلى سلطة قضائية تتمتع باستقلالية تامة يكفلها الدستور، وهو يبتّ بدستورية القوانين، والذي لم يتمكّن من اتخاذ أي قرار، لا إيجابيا ولا سلبيا، لأنه انقسم على ذاته، وانعكست عليه التجاذبات والصراعات بين القوى السياسية. لقد أراد السياسيون أن يورّطوه في لعب هذا الدور المشبوه لكي يسقطوه من الداخل، ولكي يجدوا، في المقابل، مخرجا دستوريا شرعيا لفظاعاتهم. إذ جاء العجز عن البتّ في الطعن أيضا لصالح الفريق الذي يريد "قبع" المحقق، ويشلّ عمل الحكومة، أي فريق "الثنائي أمل - حزب الله" الذي يبقي هكذا زمام المبادرة في يده، ويقطع الطريق على رئيس التيار العوني، جبران باسيل الذي يستميت في إجراء تشكيلات قضائية ودبلوماسية قبل الانتخابات الرئاسية، لكي يحافظ على نفوذ له داخل أجهزة الدولة بعد رحيل حميه عن القصر الجمهوري في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وكذلك يبقي الثنائي رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أسيرا له، غير قادر على عقد ولو كان اجتماعا واحدا لمجلس الوزراء، خوفا من أن يسقطه الثنائي أو يطير له النصاب القانوني. ولهذا السبب، انتفض ميقاتي معلنا قبل ساعاتٍ من صدور (أو عدم صدور) قرار عن المجلس الدستوري أنه غير معنيٍّ بأي صفقةٍ أو طبخةٍ لن تلحظ، في أي حال، أي دور لرئيس الحكومة أو تحفظ حقوقا للطائفة السنية التي يمثل، إذ إن السلاح الذي بقي في يديه هو ضرورة أن يوافق رئيس الحكومة على أي تعيينات يمكن تسويقها أو الاتفاق عليها. قابله خوف باسيل من أن القبول بإطاحة قاضي التحقيق سيثير غضب الشارع المسيحي عليه، عشية الانتخابات النيابية. ناهيك عن أن تثبيت حق المغتربين في الاقتراع كل في دائرته الذي حاول باسيل الطعن به ولم يفلح سيتسبب للتيار العوني بخسارة عدد كبير من المقاعد النيابية. لذلك، وانطلاقا من كل هذه المعطيات والحسابات، ما زال احتمال تأجيل الانتخابات قائما في قاموس السلطة المافيو - ماكيافللية! وفي المقابل، يُحافظ كل فريقٍ ضمن السلطة على دوره وحصته وقدرته على التعطيل، يتصارعون ويتناتشون الكراسي والمناصب ويتنازعون الصلاحيات، وينصبون الفخاخ لبعضهم بعضا بعد أن طيروا أموال صغار المودعين، ويرفضون إقرار قانون "كابيتال كونترول"، أي الحد من تهريب الأموال إلى الخارج، فيما يمارس حزب الله عمليات التهريب بمختلف أنواعه، فقد سرت معلومات عن فتح قيادة الحزب تحقيقا داخليا بشأن فضائح تورّط فيها مسؤولون لديه بتهريب نفط وبنزين وسلاح وذخيرة مع قيادات "داعشية" في سورية بملايين الدولارات.

لم يعد الفقر اليوم محصوراً بالحرمان من الكسب اليومي، بل بات يشمل أنواعاً متعدّدة ومختلفة من هذا الحرمان

زيارة الأمين العام للأمم المتحدة كانت كمن أسقط في يده! هو يحثّهم على الاتحاد وتجاوز الخلافات، وعلى إجراء الإصلاحات الاقتصادية والإدارية الضرورية، والتي يطالب بها المجتمع الدولي، وجال جنوبا على الحدود مستطلعا الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، واعدا بالسعي إلى نجاح المفاوضات لترسيم نهائي للحدود التي انطلقت قبل أكثر من سنة بإشراف الولايات المتحدة، والمتعثرة بسبب المراوغة الإسرائيلية واستنسابية الموقف اللبناني وتخبطه، وهو الضائع بين تجاذبات أطراف السلطة أنفسهم ومزايداتها. وشهد غوتيريس أيضا على مزايدات بعض مسؤولي السلطة تجاه مسألة النزوح والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الذين زار الأمين العام مخيمات لهم، ومراكز لوكالة الغوث (أونروا) في شمال لبنان، واطلع على أوضاعهم. ويبدو أنه استخلص، في ختام زيارته، مشكلة لبنان الحقيقية، إذ وصف حزب الله بفيل في غرفة، ناصحا بتوسيع الغرفة، وطالب في المقابل حزب الله بالتحول إلى حزب سياسي كغيره من الأحزاب السياسية. ولكن غوتيريس يجهل أن حزب الله وكل منظومة السلطة، مهما اختلفوا وتصارعوا وباعدت بينهم المصالح، وخصوصا الانتخابية، وهي على الأبواب، فهم متكافلون ومتضامنون في إذلال اللبنانيين وإفقارهم وحتى تجويعهم، وفوق ذلك قمعهم وكتم أفواههم.

طاول الفقر المدقع المتعدّد الأبعاد ثلث السكان. أما نسبة الفقر المادي فباتت تتجاوز 70% من السكان

الأزمة غير المسبوقة التي لم يشهد مثلها لبنان منذ أيام المجاعة في الحرب العالمية الأولى، والتي تدهورت بشكل متسارع في نهاية 2019، لم تعد مجرّد أزمة اقتصادية وهبوط سعر الليرة مقابل الارتفاع الجنوني في سعر الدولار. لقد بلغت حد الفقر الذي يزحف بأشكال وظواهر مختلفة. ولم يعد اليوم محصوراً بالحرمان من الكسب اليومي، بل بات يشمل أنواعاً متعدّدة ومختلفة من هذا الحرمان، فقد خلصت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، في تقرير لها أصدرته في سبتمبر/ أيلول الماضي، تحت عنوان "الفقر المتعدّد الأبعاد في لبنان: واقع أليم وآفاق مبهمة"، إلى أن نسبة الفقر المتعدّد الأبعاد في لبنان تضاعفت من 42% عام 2019 إلى 82% اليوم، فيما طاول الفقر المدقع المتعدّد الأبعاد ثلث السكان. أما نسبة الفقر المادي فباتت تتجاوز 70% من السكان. يبحث التقرير في المفهوم الأوسع والعمق للفقر، ذلك الذي يأخذ في الاعتبار مختلف الظروف المعيشية والأنواع المتعدّدة من الحرمان. ولذلك، مهما بدا الحديث عن الفقر في ظلّ الانهيار الاقتصادي غير المسبوق الذي تشهده البلاد منذ عامين "طبيعياً"، فإن ما تثيره الدراسة يتجاوز مفهوم الفقر المادي المحصور بالدخل، ليشمل أنواعاً مختلفة من الحرمان باتت تصيب غالبية العائلات التي تعيش وتقيم في لبنان. ووفق "إسكوا"، فإن مفهوم "الفقر المتعدّد الأبعاد" يقاس في ستة أبعاد أساسية، يطاولها بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة: التعليم، الصحة، الخدمات العامة، المسكن، الأصول والممتلكات، والعمل والدخل. أي أن كل هذه القطاعات الحيوية والأساسية قد ضربها الفقر إلى درجة أن هناك نحو 700 ألف عائلة لا تحصل على الدواء، كما أن هناك أكثر من مليون عائلة، وهذا رقم صادم، سجلت لتحصل على بطاقة تمويلية، تفتق عقل السلطة بها قيمتها مائة دولار في الشهر على مدى سنة، ولكن السلطة التي تصرّ في العلن على إجراء الانتخابات لن تبدأ توزيعها قبل نهاية شهر مارس/ آذار، أي مع بدء الحملة الانتخابية بغرض استعمالها رشوة انتخابية لهذا الكم من الناس المحتاجين! فقد صدق ما قاله رئيس الجمهورية، ميشال عون، قبل سنة غداة تفجير المرفأ، إن اللبنانيين ذاهبون إلى الجحيم، ولكن في ظل عهده الميمون!