هل حقاً توغّلت الصّين في الأمم المتحدة؟

هل حقاً توغّلت الصّين في الأمم المتحدة؟

06 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

ليس وصف الأمم المتحدة بالكعكة من قبيل المبالغة، على الأقل هكذا تبدو المنظمة إن نُظر إليها من زاوية توزيع إدارة شؤونها بين الخمسة الكبار، أي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: أميركا، بريطانيا، فرنسا، روسيا والصين. إذ تحتكر فرنسا إدارة حفظ السلام منذ 1997، وترفض أميركا التخلي عن إدارة الشؤون السياسية منذ 2007، وتستفرد بريطانيا بإدارة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية منذ 2007 أيضاً، وتبثّ روسيا مواطنيها في أرفع المناصب في هيكل الأمن والسلام في المنظمة، بما في ذلك مكتب مكافحة الإرهاب، بينما تُمسك الصين بإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية منذ 2008.
يتشبث الخمسة الكبار بتسيير إدارات استراتيجية، في تحدٍّ تامّ لقرارات الجمعية العامة التي تنبذ الاحتكار، وتشدّد على ألّا يخلف أحد مواطني دولة عضو مواطناً آخر من الدولة ذاتها في أية وظيفة عُليا (A /RES /46 /23). لكن الدول الكبرى أول من يخرق قواعد البيت، وتحصل على هذه المناصب عبر ليّ ذراع الأمين العام للمنظمة. إذ تنتزع من المرشّح الأوفر حظاً للفوز بهذا المنصب وعوداً بتعيينه مواطنيها في الوظائف العُليا التي تختارها، في مقابل تصويتها لترشيحه. ولعلّ المثال الأبرز الذي يتبادر إلى الذهن، صفقة فرنسا مع كوفي عنان، قبيل انتخابه أميناً عاماً للمنظمة نهاية 1996، إذ حظي بدعم الخمسة الكبار باستثناء باريس التي لم تصوّت له، حتى تعهّد لها بتعيين موظّف فرنسي لرئاسة إدارة حفظ السلام، أقوى الإدارات الأممية.
حاول أنطونيو غوتيريس أن يضع حدّاً لهذا الاحتكار عند توليه منصب الأمين العام للمنظمة في مطلع 2017، فقرّر تعيين كل من الفرنسي جان بيير لاكروا والأميركي جيفري فيلتمان على رأس إدارة حفظ السلام، وإدارة الشؤون السياسية تباعاً، لسنة واحدة فقط. كان يعتزم فتح تعييناته لهاتين الإدارتين لموظّفين ينحدرون من بلدان خارج نادي الكبار، لكن محاولته فشلت، فاستسلم لجبروت الدول العظمى التي واصلت التحكّم في مفاصل المنظمة الأممية بما يخدم مصالحها.

من الطبيعي أن تعيد الصين النظر في حضورها المحتشم في الأمم المتحدة، وتحاول تأكيد وجودها على الساحة الدبلوماسية الدولية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تؤدي في الأمم المتحدة دوراً يتماشى مع تنامي قوّتها، وارتفاع تمويلها أنشطة المنظمة. وبما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحدّد نصيب كل دولة عضو في الميزانية العادية قياساً على الناتج القومي الإجمالي لكل بلد وعدد سكانه، فقد انعكس النمو الصاروخي لاقتصاد الصين على ارتفاع مساهمتها من 12 مليون دولار في عام 2000، أو 1% من الميزانية العادية آنذاك، إلى 367 مليون دولار في 2019، (12%)، فتحولت الصين إلى ثاني أكبر مساهم بعد أميركا التي تشارك بنسبة 22%، وأصبحت أيضاً ثاني مموّل لعمليات حفظ السلام الأممية منذ 2016، بنسبة 15%، بينما تبلغ المساهمة الأميركية 27%.
في سياق هذه المتغيرات، كان من الطبيعي أن تعيد الصين النظر في حضورها المحتشم في الأمم المتحدة، وتحاول تأكيد وجودها على الساحة الدبلوماسية الدولية. وشكّل أول خطابٍ ألقاه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في مناقشات الجمعية العامة في نيويورك عام 2015، بداية عهد الدبلوماسية الصينية متعدّدة الأطراف. إذ أعلن شي قرار بلاده تأسيس صندوق الصين - الأمم المتحدة للسلام والتنمية بمليار دولار على مدى عشر سنوات، وانضمامها إلى آلية القدرة الاحتياطية الجديدة للأمم المتحدة لحفظ السلام، والتزم توفير مساعدات عسكرية دون مقابل بمائة مليون دولار للاتحاد الأفريقي، لدعم بناء القوات الاحتياطية الأفريقية والقوات الأفريقية للاستجابة الفورية للطوارئ.
رحّب المسؤولون الأمميون بهذا الغيث الذي نزل على المنظمة، في الوقت الذي كانت فيه أميركا وحلفاؤها الأوروبيون يدفعون نحو خفض ميزانياتها، وفرض ﺴﻴﺎﺳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻘـﺸّﻒ المالي، وكانت واشنطن، وما زالت، تتخلّف عن دفع مؤخّر مساهماتها المالية الذي يفوق حالياً المليار دولار، فبات يشبه "مؤخر الصّداق" في بلداننا. وعلى الرغم من حرصها على لعب دور شرطي العالم، فإن أميركا لا تساهم اليوم في عمليات حفظ السلام إلا بـ 32 ضابطاً وخبيراً أمنياً. أما الصين، فتنشر على الأرض حالياً 2249 جندياً وشرطياً، بينما لا يتعدّى العدد الإجمالي للقوات الفرنسية والبريطانية والروسية والأميركية المشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية 1246 فرداً، مُوكلين مهمة حفظ السلام للدول النامية في آسيا وأفريقيا، بالإضافة إلى الهند.

لا يتبنّى الديمقراطيون عادة أسلوب الجمهوريين، وإن شاطروهم مواقفهم، لكن حين يتعلق الأمر بالصّين، يبدو أن لغتهم لن تكون أقل حدّة وتحريضاً

اللافت في قصة الأمم المتحدة والصين، أن استفاقة الأخيرة وبحثها عن مكانةٍ تتناسب مع وزنها وطموحاتها تزامناً مع تخلّي إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، عن دور الزعامة في المنظمة وفي النظام العالمي متعدّد الأطراف بشكل عام، عبر انسحابات بالجملة من منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، وترك منصب سفيرة بلادها لدى الأمم المتحدة شاغراً أكثر من تسعة أشهر، بعد استقالة السفيرة نيكي هايلي. وما إن سارعت إدارة جو بايدن إلى التخلص من إرث ترامب، والسعي إلى استعادة دور الزعامة في المنظمة، حتى تصاعد هجومها على الصين، واتهامها بالهيمنة، ونشر قيم الاستبداد في الأمم المتحدة.
واصل الديمقراطيون مشروع الحرب التجارية على الصين التي افتتحها ترامب، لكنهم وضعوه في قالب صراع أيديولوجي بين "الديمقراطية" و"الاستبداد"؛ حرب يحاولون خوضها داخل الأمم المتحدة، فقد تقدّمت السيناتورة الجمهورية، مارشا بلاكبيرن، والنائب مايكل ماكول من الحزب الجمهوري، يوم 28 يوليو/ تموز الماضي بمشروع قانون يسعى إلى مجابهة تسخير الأمم المتحدة لخدمة مصالح "الأنظمة الاستبدادية"، ويقصدان الصين تحديداً، وروسيا إلى حدّ ما. ويسعى المشروع إلى إقناع أعضاء الكونغرس بالتصدّي للدول التي تنخرط في "عمليات التأثير الخبيث"، على نحو يضرّ بمصالح أميركا وأمنها، وإرساء آلياتٍ ترصد هذا التأثير، وتحاسب كبار الموظفين الأمميّين على ممارسته.
لا يتبنّى الديمقراطيون عادة أسلوب الجمهوريين، وإن شاطروهم مواقفهم، لكن حين يتعلق الأمر بالصّين، يبدو أن لغتهم لن تكون أقل حدّة وتحريضاً. في مطلع عام 2021، بالغت ممثلة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفيرة ليندا توماس غرينفيلد، في حديثها عن الخطر الصيني في المنظمة الدولية: "الصين عدو استراتيجي، وأفعالها تهدّد أمننا، وقيمنا وأسلوب حياتنا". وأضافت: "ندرك أن الصين تعمل عبر نظام الأمم المتحدة للدفع بأجندة استبدادية تتعارض مع القيم التي قامت عليها للمؤسسة - القيم الأميركية".

مزاعم خطر النفوذ الصيني في الأمم المتحدة تصطدم بقاعدة بيانات أممية، إذ تظهر لائحة الموظفين رفيعي المستوى أن الموظفين الأميركيين يشغلون 22 منصباً رفيعاً

كان هذا التصريح بمثابة إعلان حرب أميركية - صينية في الجبهة الأممية، سبقته سلسلة دراسات عن مراكز الأبحاث والتفكير الأميركية، تداولها الإعلام بتغطية ببغائية، وأطلق عناوين مثيرة من قبيل "الصين تتوغل"، في الأمم المتحدة، التنين الصيني "يتغلغل"، و"يهيمن" على منظماتها، وكأن الخطر الأصفر يزحف على قاعة مجلس الأمن، بعد أن استأثر بباقي أجهزتها ومنظماتها. وشارك في صناعة الخطر الصيني في الأمم المتحدة سياسيون كبار شغلوا مناصب أممية رفيعة، وهم يدركون الحجم الحقيقي للدور الصيني فيها، من بينهم رئيس إدارة الشؤون السياسية السابق، جيفري فيلتمان، الذي اعترف بأن قيادة بلاده الأمم المتحدة ضاعفت قوتها وخدمت مصالحها بشكل كبير، لكنه عاب على الصين تسخير المنظمة لمصالحها هي الأخرى، وانتقد استعمالها المتزايد حق الفيتو في مجلس الأمن، مع أن بلاده تتفوق عليها بكثير في هذا الباب، ودق ناقوس الخطر الصيني في أفريقيا، عبر تعيين غوتيريس السفير الصيني هوانغ كسيا مبعوثاً خاصاً في منطقة البحيرات الكبرى، وتعيين صيني آخر في منصب نائب رئيس بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان.
لكن مزاعم خطر النفوذ الصيني في الأمم المتحدة تصطدم بقاعدة بيانات أممية، تحكي قصة أخرى، إذ تظهر لائحة الموظفين رفيعي المستوى، في مقر المنظمة في نيويورك، أن الموظفين الأميركيين يشغلون 22 منصباً رفيعاً، مقابل أربعة مناصب للصين فقط، وعشرة للهند. وإلى حدود نهاية 2020، بلغ مجموع الموظفين الأميركيين في منظومة الأمم المتحدة 10164 موظفاً، مقابل 1384 صينياً، أي أقل من نصف الموظفين الإثيوبيين الـ2846. الحقيقة أنه بالنسبة إلى بلدٍ عدد سكانه أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة، فإن الصين من أقل البلدان تمثيلاً في سلّم الوظائف الأممية.

عبثا، تحاول واشنطن الحفاظ على القطبية الأحادية، والمسافة التي تفصلها عن الصين تتقلص شيئاً فشيئاً

أما عن مزاعم انقضاض الصين على المنظّمة، فلا تخلو هي الأخرى من المبالغة. إذ يترأس مواطنون صينيون ثلاث منظمات أممية مختصة (منظمة الأغذية والزراعة، الاتحاد الدولي للاتصالات، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية)، وانتخبهم بشكل ديمقراطي أعضاء مجالس إدارة هذه المنظمات، على عكس احتكار واشنطن رئاسة مجموعة البنك الدولي منذ الحرب العالمية الثانية.
لا شك في أن بكين تُسخّر الأمم المتحدة لخدمة مصالحها، كما يفعل جلّ البلدان، فقد أقنع المسؤولون الصينيون منظمات أممية وازنة بتوقيع مذكرات تفاهم لدعم مشروع مبادرة "الطريق والحزام" العالمي والتعاون على إنجازه، في جزء من تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وربما هذا أكثر ما يزعج المسؤولين الأميركيين. وبما أن واشنطن لا تستطيع إنفاق تريليون دولار علـى مشاريع البنى التحتية في البلدان النامية لمنافسة مشروع القرن الصيني، فستحاول قدر الإمكان وضع العصي في عجلاته، عبر التحريض ضدها، والمبالغة في اتهامها بتهديد قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، مع أن سجل حكومة الولايات المتحدة حافلٌ بالانتهاكات الحقوقية، داخل المنظمة وخارجها.
عبثا، تحاول واشنطن الحفاظ على القطبية الأحادية، والمسافة التي تفصلها عن الصين تتقلص شيئاً فشيئاً، فالأخيرة تتقدّم لأن أميركا تتراجع، حتى عن مشروع الأمم المتحدة الذي بلوره رئيسها فرانكلين روزفلت، ورعاه في أوج الحرب العالمية الثانية.