هذا التوجسُ الإسباني

31 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تعيش العلاقات المغربية الإسبانية على وقع أزمة دبلوماسية منذ تصريح رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، بشأن عزم بلاده، مستقبلاً، على طلب استرجاع مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا. ولم يكن التصريح ليمرّ من دون أن يثير ردود فعل قوية في الجارة الشمالية، خصوصاً داخل اليمين الإسباني، حيث طالب حزب فوكس، اليميني المتطرّف، بـ''ضرورة الرد على الأطماع التوسعية للمغرب حتى يتجنب طرح الملف مرة أخرى''. ولم تتردّد الخارجية الإسبانية في استدعاء السفيرة المغربية في مدريد، لطلب إيضاحات بشأن ما قاله العثماني. وقد كان لتزامن هذا التصريح مع التداعيات التي خلّفها اعتراف الرئيس الأميركي، المنتهية ولايته، دونالد ترامب، بمغربية الصحراء، وقعٌ أشد في مدريد، التي اعتبرت أن هذا الاعتراف سيُعقّد النزاع أكثر، في غياب حلٍّ متفاوض عليه. 

أعاد تصريح العثماني إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسيةً في العلاقات المغربية الإسبانية. صحيحٌ أن التعاون بين البلدين يشهد منحىً تصاعدياً في المجالات التجارية والاقتصادية والأمنية، إلا أن ملف المدينتين ظل عقبة كبرى أمام انتقال هذه العلاقات نحو أطوار أخرى. ومن غير المستبعد أن يكون تصريح العثماني قد استهدف الارتدادات الإقليمية التي خلفها اعتراف ترامب بسيادة المغرب على صحرائه، بغاية إرسال رسالة مشفّرة إلى الإسبان، مفادها أن ما يبدو تراخياً مغربياً في المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية يعود، بالأساس، إلى الإكراهات الجيوسياسية التي واكبت قضية الصحراء، وفرضت على المغرب مواجهتها والتكيّف معها. فكان من الصعب فتح جبهة أخرى في شمال البلاد، والدخولُ في مواجهةٍ غير مأمونة العواقب مع إسبانيا. هذا على الرغم من أن ذلك لم يمنع الرباط من البحث عن مداخل موازية للضغط على مدريد، ودفعها إلى الموافقة على طرح مستقبل المدينتين على طاولة التفاوض. ومن ذلك بناء ميناء ''طنجة المتوسط'' الذي يكبّد اقتصاد المدينتين خسائر كبيرة، وإغلاق المعبريْن الحدوديين المُفضييْن إليهما، ومنع أنشطة التهريب عبرهما.

يُدرك الإسبان أن نجاح المغرب، مستقبلاً، في حسم نزاع الصحراء لمصلحته سيعيد ملف المدينتين إلى الواجهة، مع ما يطرحه ذلك من إشكالاتٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ وقانونية، فالمدينتان على الرغم من أنهما تحت السيادة الإسبانية، إلا أنهما جغرافياً تقعان داخل التراب المغربي، ما يُضعف السردية الإسبانية وينسفها من أساسها. وتعي مدريد جيداً الارتجاج الذي يمكن أن يسببه استرجاعُ المغرب المدينتين بالنسبة إلى مستقبل الدولة الإسبانية التي تعرف انتعاشاً للنزعات الانفصالية في أكثر من إقليم.

أمر آخر يثير مخاوف الإسبان، ويتعلق بمستقل جبل طارق (تحتله بريطانيا منذ 1704). فالمبرّرات الجغرافية والتاريخية التي تسوقها مدريد في مطلبها، إنهاء الاحتلال البريطاني للصخرة التي تقع قبالة سبتة، هي ذاتُها المبرّرات التي يستند إليها المغرب. بمعنى أن مطالبة مدريد بجلاء الاحتلال البريطاني عن جبل طارق لا تستقيم من الناحية السياسية والاستراتيجية، ما دامت تُنكر على الرباط مطالبتها باسترجاع الثغريْن المحتلين. ويحيل هذا التناقض في المقاربة الإسبانية إلى الصراع الإسباني البريطاني على مضيق جبل طارق بكل أهميته الاستراتيجية الكبرى. ويرفع، في الوقت ذاته، منسوب التوجّس داخل مختلف مواقع القرار الإسباني من أن يُفضي حل نزاع الصحراء، وفق الأطروحة المغربية، إلى تغيير في الموقع التفاوضي للمغرب بشأن المدينتين، مع ما لذلك من تبعاتٍ على إعادة توزيع الأدوار في هذه المنطقة الحساسة.

من ثَمَّ، تبدو إسبانيا متضرّرة من اعتراف ترامب بمغربية الصحراء على المدى البعيد، لأن ذلك، من ناحية، يعزّز موقع الولايات المتحدة في منطقة الساحل وجنوب الصحراء. ومن ناحية أخرى، قد يرجّح كفة الأطروحة المغربية، إذا ما قُيض لخطوة ترامب أن تتحوّل، مع إدارة بايدن، إلى موقف أميركي رسمي بشأن النزاع. ومن المتوقع أن تنصبّ جهود الدبلوماسية الإسبانية مستقبلاً على الحيلولة دون تعديل المقاربة الأممية للنزاع، لأن أي حل يحفظ السيادة المغربية على الإقليم سيخفّف من الضغوط الجيوسياسية على المغرب، ويمنحه هامشاً للمناورة، بغاية إعادة جدولة ملف سبتة ومليلية في ضوء أولوياته الإقليمية.