مواقع التواصل ووهم الحياد .. فيسبوك نموذجا

مواقع التواصل ووهم الحياد .. فيسبوك نموذجا

27 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

لا أحد ينكر أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تملك من النفوذ والقدرة على تشكيل الرأي العام ما منحها تأثيرا متزايدا، وحوّلها إلى مجال للصراع بين التوجهات الفكرية والأيديولوجية المختلفة. وفي هذا السياق، يمكن تنزيل ما يقوم به موقع فيسبوك الذي امتلك نفوذا متزايدا نظير دوره الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهو مجال تختلط فيه الدعاية بمحاولات التوجيه والتحريض. ولا يتعلق الأمر هنا بما ينشره رواد هذا الموقع الاجتماعي فحسب، وإنما بالسياسة العامة التي تتوخّاها إدارة "فيسبوك"، وما تضعه من ضوابط لما تسميها سياسة النشر.
إذا كان من الممكن تفهّم الضوابط التي تمنع أشكال التنمّر والتحرّش، إلا أن ما تعمد إليه إدارة الموقع من تبني سياساتٍ داعمةٍ لجهات معينة هو من قبيل الانخراط والتموقع ضمن الصراعات السياسية، بل والحرب الدعائية الموجهة، وهو ما انكشف، أخيرا، في أثناء تغطية أحداث حي الشيخ جرّاح في القدس، مرورا بمحاولات المستوطنين الصهاينة اقتحام المسجد الأقصى، وصولا إلى الحرب العدوانية على قطاع غزة.
المعلوم أنه في الميديا الحديثة لم يعد إيصال الخبر حكرا على أحد، والرقابة بمعناها التقليدي لم تعد كافية، فمن أي مكان أصبح في وسع الجمهور العام مشاهدة صور المجازر والاقتحامات والاعتداءات. وعلى سبيل المثال، لعبت هذه المواقع دورا مهما في نقل معاناة حي الشيخ جرّاح في القدس بسبب اعتداءات جنود الاحتلال. هذه الانسيابية في نقل الأخبار خارج الأطر الرسمية، والمتمرّدة على الأساليب الرقابية، مثّلت تهديدا فعليا لفكرة التحكّم في نوعية الأخبار والصور والمعلومات المسموح بانسيابها للناس. ومن هنا، نشأت فكرة محاولة فرض رقابة معينة على ما تنشره مواقع التواصل، خصوصا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

في أثناء العدوان أخيرا على قطاع غزة، اكتشف الجمهور العربي على مواقع التواصل حالة المنع التي تمارسها إدارة "فيسبوك" على المضامين المتعلقة بالقضية الفلسطينية

لقد تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي بدورها إلى ساحة أخرى للحرب. ولهذا ازدادت أهمية إستراتيجية الحضور الصهيوني على شبكات التواصل، بسبب تضاعف تأثير الحضور الفلسطيني والعربي على شبكة الإنترنت. هنا تتدخل إدارة مواقع التواصل لترجيح الكفة لمصلحة الخطاب الصهيوني، عبر تعطيل انتشار الرؤية المضادة لدعاية الاحتلال.
دأب موقع "فيسبوك"، في السنوات الأخيرة، على فرض رقابة صارمة على كل النشرات التي تندّد بجرائم الاحتلال الصهيوني، حيث يحجب التدوينات والصور التي تفضح انتهاكات هذا الكيان وممارساته اللاإنسانية، لينتهي به الحال إلى حجب حسابات فلسطينية وعربية كبرى، ترفع شعارات مقاومة الاحتلال، بل وتجاوز الرقابة على المواقع، ليمرّ إلى حالة من الرقابة على الحسابات الشخصية، وما ينشره الأفراد لإبداء تعاطفهم مع القضية الفلسطينية، وليجعل من أسباب منع النشر والتهديد بالحظر مجرّد إيراد كلماتٍ معينة، لها علاقة بالمقاومة الفلسطينية، أو تندّد بالممارسات الصهيونية، فمجرّد كلمات معينة أو صور قادة المقاومة أصبحت سببا كافيا لدى إدارة "فيسبوك" لحظر ما ينشر، وإرسال التحذيرات إلى أصحابها، بما يجعل بعضهم يتردد قبل نشر أي شيء يدعم المقاومة الفلسطينية، في نوع من الرقابة الذاتية التي تناقض حرية الإعلام وحقوق التفكير والتعبير.
وفي أثناء العدوان أخيرا على قطاع غزة، اكتشف الجمهور العربي على مواقع التواصل حالة المنع التي تمارسها إدارة "فيسبوك" على المضامين المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وكل الخطابات التي تنتصر للحق الفلسطيني، وهو ما أثار ردّة فعل واسعة، تجلت في مقاومة توجهات إدارة "فيسبوك"، ومحاولة إيجاد آلياتٍ للتحايل على أساليب الرقابة الإلكترونية، وتمرير خطاب المقاومة في مواجهة كل محاولات التعتيم والحجب.

كان من الواضح تصاعد حالة الرفض الشعبي لكل أشكال التقارب مع العدو، وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال خفوت صوت أبواق التطبيع

تدرك إدارة "فيسبوك" أن هناك موجة من التطبيع الرسمي بين الأنظمة العربية، بدأت بعلاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الصهيوني أقامتها الإمارات، وما يستتبعها من تعاون أمني واقتصادي وثقافي. وتابعتها على موقفها هذا البحرين والسودان والمغرب، إلا أن الأكيد أيضا أن المشرفين على الموقع يلاحظون مدى انتشار الرفض الشعبي لدى المواطنين العرب لأي تطبيع مع الكيان الصهيوني. وكان هذا التناقض المستمر بين تطبيع رسمي ورفض شعبي هو المعضلة الحقيقية التي واجهت صانعي القرار في الغرب من المؤيدين للاحتلال الصهيوني، وظل السؤال دائما: كيف يمكن إيجاد حالة تطبيع شعبي تجعل من دولة الاحتلال كيانا طبيعيا لا يرفضه الرأي العام العربي؟
كان من الواضح تصاعد حالة الرفض الشعبي لكل أشكال التقارب مع العدو، وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال خفوت صوت أبواق التطبيع، على الرغم من الضخّ الإعلامي الدائم، فقد فشلت في إيجاد قبول شعبي للتوجهات التطبيعية. وعلى الرغم من صمت الشارع العربي، خصوصا في ظل أنظمة الاستبداد، حيث مجرد التعبير جريمة، فإنه لمجرّد حصول مواجهة بين المقاومة والكيان الصهيوني، يكشف الرأي العام العربي عن دعمه القوي للمقاومة، ورفضه الاحتلال.
أسطورة الحيادية وتقديم الخدمة العامة للناس ليست إلا وهما، فالمنصّات الاجتماعية والأدوات الإعلامية تقوم بدور ما في صنع الرأي العام وتوجيهه، غير أن الفرق حاسم بين هذه المواقع ومدى انحيازها لقضايا الحقوق والحريات، ورفضها كل أشكال القمع التي يمثل الاحتلال الصهيوني نموذجها الأقصى.