من الإسلام السياسي إلى المجتمعي

من الإسلام السياسي إلى المجتمعي

31 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

شهد إشهار كتاب إبراهيم غرايبة "من الدعوة إلى السياسة: الإخوان المسلمون في الأردن تاريخهم وأفكارهم"، يوم الأربعاء الفائت، (أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية الذي يعمل غرايبة باحثاً فيه) نقاشاً عميقاً ومهماً، بحضور رئيس الجامعة الأردنية ومدير المركز ونخبة من الأكاديميين من أساتذة السياسة والشريعة والاجتماع، ومن مهتمين سياسيين ومثقفين من مختلف المدارس الفكرية.

يتسم الكتاب، كما أغلب كتب غرايبة، بقدر كبير من الجدلية، ويرتدي فيه غرايبة ثوب المثقف الناقد، وليس الباحث المحايد، ويبدأ، منذ افتتاحية الكتاب، بالإشارة إلى منهجه المغاير للمناهج السائدة في دراسات الإسلام السياسي، إذ يعتمد مقاربة سوسيولوجيا الثقافة (أو علم الاجتماع الثقافي)، ويمكن تلخيص ثيمة الكتاب الرئيسية بأنّها تقع ضمن مشروع غرايبة الفكري عموماً، الذي ينتمي إلى المدرسة الثقافية - التنويرية في الإصلاح والتغيير، والتركيز على تمكين المجتمعات من خلال التنمية والنهضة، بديلاً عن الانشغال بالعمل السياسي الحزبي غير المنتج (مقاربة شبيهة بمقاربات الإمام محمد عبده ومالك بن نبي وجودت سعيد وغيرهم من مفكرين ومثقفين إسلاميين).

ينطلق المؤلف من فرضيةٍ رئيسيةٍ، أنّ جماعة الإخوان المسلمين أتت لتنفيذ مهماتٍ معينةٍ ارتبطت بشروط وظروف ومرحلة تاريخية، وقد تغيرت الظروف والشروط واستنفدت الجماعة وظيفتها التاريخية، ولم تعد تصلح تلك التصورات للمرحلة المقبلة. لذلك من الضروري مراجعة المشروع بصورة جذرية، وبالتالي القول بالانتقال من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع فالحكومة الصالحة، هي مقولاتٌ انتهت وأصبحت اليوم الجماعة أمام تحدّ مختلف ومغاير يتمثل بالبطالة والدخول إلى المستقبل والتنمية الاقتصادية والمجتمعية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتطوير مهارات الأجيال الصاعدة وبناء قدراتها، وهي جميعاً تحدّيات لا تقع ضمن الأسس المفاهيمية لمشروع الإخوان، بل تمثل تحدّيات مهمة وجديدة، تستدعي استدارة وتغييراً جوهرياً في نظرة الجماعة إلى نفسها والمجتمع والآخرين.

ترتبط الرؤية السابقة بأنّ في المشروع السياسي للجماعة إشكالات عديدة، منها مفهوم الدولة الإسلامية، وصبغه بطريقة أيديولوجية بعيدة عن الواقع، والالتهاء بأمور حزبية وسياسية وصراعات داخلية وخارجية لا قيمة مضافة لها في المهمة الرئيسية لأي مشروع، وهو التنمية والنهضة المجتمعية. ومن هنا، على الأغلب إذا أردنا أن نفهم "الوظيفة الأيديولوجية" لكتاب غرايبة فهي التركيز على المجتمعات والتنمية. وعلى صعيد "الإخوان" الانتقال من الإسلام السياسي إلى المجتمعي، أو العودة إلى الدعوة والتأثير، لكن بالضرورة من منظور جديد، يأخذ العلاقة بين الدين والمدنية والتحضر والنهضة المجتمعية ركيزة رئيسية للمشروع المنشود.

شهدت جلسة نقاش الكتاب طروحات مهمة، من بينها مداخلة رئيس الوزراء الأسبق، عبد الرؤوف الروابدة، التي اختصرها بجملة رئيسية "نشكر جماعة الإخوان التي حفظت لنا شبابنا، وغرايبة الذي أزال القداسة عن الأحزاب السياسية ونقدها"، فعلى الرغم من الوجبة الثقيلة من النقد للجماعة خلال النقاشات، إلا أنّ الروابدة أشار إلى دور مهم قامت به الجماعة في المجال الاجتماعي في مجال التربية الأخلاقية لأجيال عديدة من الشباب، حمتهم من الوقوع في أخطار مجتمعية كثيرة ودفعتهم إلى الإنجاز والتقدّم وتطوير الذات، وربما يتقاطع ذلك مع ما أراده غرايبة في الكتاب من ابتعاد الجماعة عن العمل الحزبي والسياسي، والتركيز على المجال المجتمعي.

ثمّة تساؤلٌ طُرح، وتردّد صداه لدى أغلب الموجودين، في النقاشات، إذ إنّ أغلبيتهم؛ من الشباب والشيّاب، من الإخوان السابقين، ومنهم نسبة كبيرة من السياسيين والنواب والحزبيين ورؤساء الوزراء السابقين، فلماذ غادر أغلبهم الجماعة؟ هل هي بيئةٌ طاردةٌ لمن يفكّر بصورة مستقلة خارج "غيتو التنظيم" (على حد تعبير غرايبة)؟

كان الروابدة نفسه إخوانياً في مرحلة الجامعة، وكان غرايبة منظّراً في الجماعة، وهنالك إشارات في الكتاب لشخصيات أردنية تاريخية بارزة، مثل: هزّاع المجالي (رئيس وزراء أسبق استشهد في 1960)، عبد خلف داودية، وغيرهما من شخصيات سياسية مهمة في تاريخ الأردن ارتقت إلى مواقع الوزارة وغيرها، لكنّ علاقتها مع "الإخوان" لم تصمد كثيراً، كما هي حال قيادات إخوانية عديدة انشقت عن الجماعة، وأسّست تجارب سياسية وحزبية أخرى.