مصر والحل الشرقي لأزمة ليبيا

01 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يثير التغير في السياسة المصرية تجاه ليبيا النقاش حول سياسات متعدّدة، في مقدمتها مدى تماسك انفتاح العلاقات الثنائية واستقراره وانعكاسه على الترابطات الإقليمية والدولية في المدى المنظور. وهنا، تبدو أهمية الاقتراب من تقييم شوط التغير وإمكانية الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة في السياسة الخارجية، فعلى الرغم من الطابع الفني لتكوين الوفد المصري إلى طرابلس، 27 ديسمبر/كانون الأول 2020، فإن تداعياته ارتقت سريعاً للتناول والتأويل السياسي، فقد لقي التواصل المباشر بين البلدين ارتياحاً وتعليقاتٍ دارت حول فرصة لبناء السلم والانتقال إلى الوضع الدائم.

وفي مقال سابق للكاتب بعنوان "عن تحوّل سياسة مصر في ليبيا" في "العربي الجديد (17/9/2020)، تمت الإشارة إلى ظهور مؤشرات تدعِّم إجراء مراجعة المرحلة السابقة وتقييمها. وكانت هناك إشارات خاصة إلى التماسك النسبي لحكومة الوفاق في مقابل تداعي الوضع القائم في شرق ليبيا، وأيضاً، تعمل التغيرات الإقليمية المحيطة بمصر على تكوين مناخٍ غير مريح للمصالح المصرية، سواء فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل أو الوضع في شرق المتوسط والخليج العربي. وكانت خلاصة التناول متمثلةً في أن تنافر العلاقات الإقليمية يراكم خسائر متبادلة لكل الأطراف، كما أن موجة التطبيع سوف تحثّ مصر على حل الصراع في ليبيا وتهدئة المخاطر على الحدود الغربية.

وبشكل عام، تكشف ترتيبات زيارة الوفد المصري العاصمة الليبية عن جانبٍ من التقاليد الدبلوماسية، يضمن في ثناياه تسهيل التواصل بين القاهرة وحكومة الوفاق، وبحيث يقلّ هامش الخطأ في التسيير الإجرائي. كان ذلك واضحاً في التنقل ما بين الطابع السياسي والأمني، بطريقةٍ تعكس الاهتمامات المشتركة، والرغبة في تجاوز المرحلة الماضية، توطئة لبناء الثقة. وخلال الفترة نفسها، شرعت مصر في تخفيف قيود السفر في الاتجاهين، وافتتاح قنصليةٍ في سبها، ما يشكل إقلاعاً عن القواعد المتّبعة منذ 2014.

وقد رحبت حكومة الوفاق بتغير السياسة المصرية، وباتت تتطَّلع إلى بناء الثقة عبر التزام الحياد في التعامل مع التطورات السياسية. وبشكل عام، يقوم التقييم المشترك لحكومة الوفاق على اعتبار أهمية زيارة الوفد المصري، على الرغم من تأخرها. وبمراجعة تصريحات الأطراف الليبية، يمكن ملاحظة وجود تلاقٍ حول تفهُّم السياسة المصرية، فقد أشار حزب العدالة والبناء إلى وجود مصالح مشتركة، تتطلب عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين ودعم المسار السياسي، ويمثل هذا التوجه غالبية القوى السياسية في غربي ليبيا.

بينما تتواتر التغيرات نحو السلام، يتحدّث جزء من حكومة الوضع القائم في شرق ليبيا عن استدعاء ذرائع الحرب، بالحديث عن "إخراج المرتزقة وطرد الوجود التركي"

وبينما تتواتر التغيرات نحو السلام، يتحدّث جزء من حكومة الوضع القائم في شرق ليبيا عن استدعاء ذرائع الحرب، بالحديث عن "إخراج المرتزقة وطرد الوجود التركي". تبدو هذه محاولة للبقاء في المشهد الجدلي لإذكاء الصراع، ويصعب النظر إليها تعبيرا عن الوضع السياسي، فمن جانب، يعد التدخل الدولي متعدد الأطراف، ومن آخر، ترتبط ظاهرة المرتزقة بترتيبات حكومة الشرق للحل المسلح. يمكن السير في نقض خطاب عسكرة ليبيا، ولكن ضحالة حمولته السياسية تُغري بالتوقف عند الإشارة إلى تناقضاته الظاهرية واهتزاز ترابطاته الداخلية والخارجية. قد يتطلب تقارب مصر مع حكومة الوفاق تبنّي مواقف تحترم الوضع القانوني في ليبيا، وإجراء تقييم شامل لتحالفاتها.

ويمكن القول إن التطورات الحالية هي نتيجة تقييماتٍ مستمرةٍ منذ نهاية 2016، بعد وضوح ضعف الحكومة المؤقتة في طبرق، وتراجع قدرتها على بسط سيطرتها في ليبيا، فقد حاولت اقتراحات مبادرة فبراير 2017، مثلا، معالجة انقسام المؤسسات ودعم الحوار بين طرفي الأزمة، لكن هذه التصورات ظلت في حالة تعثر، بسبب ترابطات السياسة الخارجية وبعض الاختلافات بشأن تقييم الوضع في ليبيا. فمن جهة، ظلت العلاقات مع الخليج تمثل كابحاً، وخصوصاً مع تصاعد الخلاف مع قطر، كما أن التقييمات الداخلية توقفت عند مستوى ترك فرصة أخيرة لـ"حكومة طبرق" للوصول إلى طرابلس. في هذه الظروف، شكّل انحسار الحملة على العاصمة عاملاً مسانداً لتوجه الحل السياسي في الموقف المصري.

وقد أخذ هذا التوجه في التبلور منذ يونيو/ حزيران 2020، وصار خياراً مرجّحاً لدى مؤسساتٍ كثيرة، وتياراً رئيسياً في السياسة المصرية. وبدا الخلاف حول خطوط وقف إطلاق النار محاولة لاستعادة التوازن في الملف الليبي، بعد كثافة الدخولين، الروسي والتركي. وكان واضحاً أنه بعد وقت قليل من تصريحاتٍ مصريةٍ بالتدخل العسكري، كانت القاهرة بصدد استضافة الحوار بين الأطراف الليبية وتفعيله تمهيداً لبدء أعمال "ملتقى الحوار الوطني"، بشكلٍ يعبر عن إمكانية صياغة بدائل أخرى غير الحرب.

تشير التفاعلات الجارية إلى إمكانية تكوين شبكة تواصل مترابطة، تقوم قاعدتها على المصالح المشتركة بين الحكومة الليبية وكل من روسيا وتركيا ومصر

وبجانب العوامل الخاصة بالملف الليبي، يبدو التحرّك المصري مرتبطاً بالتعامل على القضية الفلسطينية، إذ تحاول مصر بناء سياقها الخاص والتقليدي، والذي يقوم على تفعيل المسار التفاوضي بديلا عن الانفتاح التطبيعي على مصاريعه. وفي هذا المسار، تعمل على تكوين إطار مشترك مع الأردن والسلطة الفلسطينية لتحييد أثر موجة التطبيع الحالية، فقد يساهم الخطاب المشترك للأطراف الثلاثة في التأكيد على تسوية قضايا الحل النهائي عبر استئناف المفاوضات، وحق الأسرة الهاشمية في الإشراف على الأماكن المقدسة. من الناحة الرمزية والأخلاقية، تحوي هذه التطلعات فروقاً جوهرية عن قرارات التطبيع غير المتناسقة، ليس أقلها العمل على الانتقال المحسوب من السلام إلى التطبيع، فهي تعمل على إعمال الحد الأدنى من الالتزامات المتبادلة في تسوية القضية الفلسطينية. وسياسياً، على الرغم من تقارب المسارين، يبدو ميل الموقف المصري إلى التريث إزاء التطبيع محاولةً أخيرة لترتيب العلاقات الإقليمية عبر توجهات تطوير العلاقة مع العراق والعمل مع العربية السعودية لتسوية الخلافات الخليجية.

على المستوى الدولي، من المحتمل أن يتشارك التغير في الموقف المصري مع ما يمكن تسميته الحل الشرقي للأزمة الليبية، فقد سارت قراءات مختلفة لتزامن زيارة الوفد المصري مع زيارة وزير الدفاع التركي. وخلص معظمها إلى وجود حالة تنافسية أو تصارعية تعزّز عدم الاستقرار، ولكن يمكن تقديم ملاحظة مقابلة تقوم على أن التفاعلات التركية ـ المصرية في ليبيا كانت من روافع وقف إطلاق النار، كما أن تزامن الزيارتين عزّز شرعية الحكومة في طرابلس، ولاحقاً، يمكن اكتمالها بإعادة تشكيل مجلس النواب، خصوصاً مع اجتماع ثلثي المجلس في تونس وغدامس، فيما لا تتجاوز اجتماعاته في طبرق عن بضعة وثلاثين عضواً. هذه التغيرات يمكن رصدها باهتمام، تعبيرا عن القدرة على إيجاد المصالح والتقدّم نحو حل الصراع.

تشير التفاعلات الجارية إلى إمكانية تكوين شبكة تواصل مترابطة، تقوم قاعدتها على المصالح المشتركة بين الحكومة الليبية وكل من روسيا وتركيا ومصر

وفي سياقٍ مواز، بدت العلاقات التركية ـ الروسية أقرب إلى التفاهم على تثبيت وقف إطلاق النار ودعم العملية السياسية، فقد مرّت هذه العلاقات بشد وجذب من توقيع مذكّرتي التفاهم مع الحكومة الليبية، ولكن العلاقات بين البلدين آلت، في النهاية، إلى القبول المتبادل. لعل العامل المشترك فيما بينهما في كثافة التداخل في الشؤون الليبية، والاستبعاد الأميركي والأوروبي لهما منذ 2011، ما يمثل دافعاً قوياً إلى التلاقي حول تكييف دورهما السياسي، خصوصاً مع كثافة انتشار نفوذهما، السياسي والعسكري.

وتشير التفاعلات الجارية إلى إمكانية تكوين شبكة تواصل مترابطة، تقوم قاعدتها على المصالح المشتركة بين الحكومة الليبية وكل من روسيا وتركيا ومصر، فقد نشطت حكومة الوفاق في تقوية علاقاتها مع البلدان الثلاث، لحثّها على تقديم مبادراتٍ لدعم الحل السياسي ووقف إطلاق النار. وعلى الرغم من صعوبات تقريب المواقف السياسية، تساهم كثافة التواصل بين الحكومات الأربع في تحييد الاختلافات والتقييمات السلبية، خصوصاً ما يتعلق بمساندة الحرب على طرابلس من جانب روسيا ومصر، خطوة انتقالية إلى تحييد التدخل السلبي في الشؤون الليبية.

من المحتمل أن يتشارك التغير في الموقف المصري مع ما يمكن تسميته الحل الشرقي للأزمة الليبية

ويشكل السعي إلى تنسيق المواقف في المنتديات الدولية بدايةً قويةً لفرض السلام في ليبيا، فقد كشفت تجربة الحل الغربي في 2011 عن ترك الفرصة لاستمرار حالة الحرب بداية من تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإسقاط معمر القذافي وصولاً بالبلاد إلى حالة الدولة الفاشلة. وقد اتسمت هذه الفترة بنمطٍ احتكاري، استبعد روسيا وتركيا من التأثير في السياسة الدولية، سواء فيما يتعلق بصياغة القرارات الدولية، أو سعي أوروبا إلى فرض الوصاية على الحدود الليبية. وقد ساهم تنافر مواقف البلدان الثلاثة في تأخر فاعليتها في التعامل الدولي. كان تشتت مواقفها واضحاً في مؤتمر برلين في يناير/كانون الثاني الماضي. ولذلك، تبدو ملامح الخطاب التركي حول التنسيق مع مصر في المنتديات الدولية مؤشراً حيوياً على التساند في بناء السلام في ليبيا. ووفق السياقات الجارية، يمكن لروسيا أن تشكّل حافزاً لتيار دولي يعزّز سلطة الحكومة الوطنية عبر مسار الحل السياسي.

ونظراً إلى التشابك بين القاهرة وموسكو وأنقرة، تبدو أهمية ما يمكن أن نطلق عليه الحل الشرقي للأزمة الليبية، فهو لا يعتمد فقط على كثافة مصالحهم في ليبيا، ولكنه يرتبط أيضاً بوجود أشكال من الاعتماد المتبادل والقدرة على تسوية الاختلافات الثنائية أو الجماعية، فالوضع الحالي يعدّ تطوراً نوعياً ومواتياً لدعم الحوار السياسي في تشكيل الحكومة الوطنية، فضلاً عن تهدئة المنطقة الشرقية وإتاحة الفرصة لإعادة تشكيل نخبتها السياسية، والتخلُّص من حالة التصلّب السائدة وتمحور السياسة الليبية حول مصالح شخصيةٍ لتنتقل إلى القضايا الموضوعية.