مزمار الكاظمي المفقود

27 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

في ختام جولته الأوروبية التي بدأها بفرنسا ثم ألمانيا واختتمها ببريطانيا التي يحمل جنسيتها، قال رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، في تصريحات نقلتها صحيفة الغارديان البريطانية، إنه يرقص يومياً مع الثعابين "وإنني أبحث عن مزمار للسيطرة عليها"، محذّراً من إجباره على تحقيق توازن حساس بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. وهو في هذا يشير إلى التركة الثقيلة التي يتحمّلها منذ قبوله تولي مهمة رئاسة الحكومة العراقية، خلفاً لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، وبعد فشل اثنين من المكلفين السابقين، محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، في الفوز بثقة الكتل السياسية لتشكيل الحكومة، خلفاً لعبد المهدي الذي أطاحته التظاهرات الشبابية العراقية التي انطلقت قبل عام في بغداد وعدة مدن في جنوب البلاد.

وبغض النظر عن طبيعة تلك الملفات، فإن الكاظمي أحسن الوصف، عندما قال إنه يرقص يومياً مع الثعابين. ولكن هل كانت هذه الثعابين مخفية على الكاظمي عند قبوله بتكليف رئاسة الوزراء؟ هل كان غير مدركٍ طبيعة الملفات المعقدة التي تنتظره، وهو الذي كان يتولى مهمة إدارة المخابرات العراقية منذ العام 2016، وبالتالي يفترض به أن يكون ملمّاً بتفاصيل المشهد العراقي، بل بأدق التفاصيل؟ فلماذا يريد الآن أن يبين للعراقيين أن الوضع معقد، وألا تنتظروا مني الكثير؟

الوضع العراقي معقد، فهو يعاني من تركة سبعة عشر عاماً من عملية سياسية فصّلها المحتل على مقاسات من جاء بهم

منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو/ أيار الماضي، والكاظمي يوحي للمتابعين بأنه يتحرّك بحذر شديد، كي لا تقع المواجهة بين الدولة واللادولة، غير أنه، في أحيانٍ كثيرة، يفشل حتى في الإقناع بأنه يقوم بهذا الدور، فهو، في أحيانٍ كثيرة، ترك اللادولة، متمثلة بالمليشيات والقوى السياسية المتحكّمة بالمشهد العراقي، تفعل ما تريد من دون أن يحرّك ساكناً، ولنا في ملف اغتيال الباحث الأمني هشام الهاشمي ومجزرة الفرحاتية في محافظة صلاح الدين أمثلة على ذلك، فالكاظمي الذي تعهد بكشف قتلة الهاشمي، وأن يقدمهم للعدالة خلال أيام قلائل، وهو الذي تعهد أيضاً بالكشف عن قتلة المتظاهرين، وهو الذي تعهد بمحاسبة مرتكبي مجزرة الفرحاتية، لكنه لم يفِ بعد بأيٍّ من تعهداته، ناهيك عن فشله في احتواء خلايا الكاتيوشا الذين كانوا يهاجمون السفارة الأميركية كل ليلة، لولا تدخل أممي وتفاوض مع قادة تلك الخلايا انتهى إلى اتفاق إيراني أميركي بوقف الهجمات مؤقتاً، فهل بعد ذلك يريد الكاظمي أن يقول لنا إن ما يفعله هو رقص مع الثعابين، وأنه بحاجة إلى مزمار للسيطرة عليها؟

أليس يفترض بالكاظمي أن يكون ملمّاً بتفاصيل المشهد العراقي، بل بأدق التفاصيل؟ لماذا يريد الآن أن يبين للعراقيين أن الوضع معقد، وألا تنتظروا مني الكثير؟

الوضع العراقي معقد، فهو يعاني من تركة سبعة عشر عاماً من عملية سياسية فصلها المحتل على مقاسات من جاء بهم. ومن جهة ثانية، يعاني من أزماتٍ تبدأ بالفوضى والفساد وانتشار المليشيات المدعومة من إيران، ولا تنتهي بغياب الخدمات والبطالة ونقص السيولة المالية في ميزانية الدولة، والكثير الكثير من الأزمات التي لا يبدو أن الكاظمي قادر على أن يتعامل مع أيٍّ منها بحرفية.

هذا الوضع المعقد غير خافٍ عن الكاظمي الذي قبل بالمهمة الصعبة. بالتالي، كان لا بد أن يقدّم شيئاً في بعض الملفات التي تبدو ضاغطة. صحيحٌ أنه لا يرغب بمواجهة سلاح المليشيات وقواها المتنفذة من كل مفاصل العراق، حتى لا يخوض مواجهةً نتائجها معروفة سلفاً، وهي إقالته أو حتى تغيبيه عن المشهد. ولكن في الوقت ذاته لا ينبغي ترك الحبل على الغارب، بحجة أن الوضع معقد، وأن ألف عام من النقاش أفضل من لحظة تبادلٍ لإطلاق النار، كما عبر عن ذلك في مقابلته مع "الغارديان".

الحديث عن الانتخابات المقبلة محاولة للقفز على ملفات ضاغطة عديدة تمس حياة المواطن العراقي

مزمار الكاظمي المفقود يمكن أن يكون بإرادة الجماهير العراقية التي أقالت سلفه، وبات حراكها اليوم فاعلاً، لا يمكن أن يغيب عن المشهد السياسي في العراق. مزمار الكاظمي المفقود يكمن في قدرته على محاربة الفساد وحيتانه، وليس بمجرد تهديدات متلاحقة لا تسمن ولا تغني من جوع. المزمار المفقود أن يدرك الكاظمي أنه رئيس للحكومة، وأن هناك دعما دوليا كبيرا لحكومته؛ عليه أن يحسن استغلاله، وأن يتعامل مع ملفاتٍ كثيرة بحزم وثقة، لا أن يترك التعقيدات على حالها، ويكتفي بالقول إن الوضع في العراق حساس، وإنه يبحث عن مزمار للسيطرة على الثعابين.

الملاحِظ لخطابات الكاظمي أن سقف تطلعاته ينخفض من خطاب إلى آخر، ففي آخر خطاب له السبت الماضي، أكد أن المهمة الأساسية الملقاة على عاتق حكومته إجراء الانتخابات التي حددها في يونيو/ حزيران 2021، وأن حكومته سوف تعمل لضمان إجراء انتخابات نزيهة لا يعكر صفوها السلاح المنفلت، من دون أن يتحدث عن تعهداته السابقة بملاحقة قتلة المتظاهرين أو قتلة شباب الفرحاتية أو حتى كشف من قتل نخبة من أبناء العراق في الأشهر الماضية. والحديث عن الانتخابات المقبلة محاولة للقفز على ملفات ضاغطة عديدة تمس حياة المواطن العراقي، ومحاولة للهروب إلى الأمام، لأن رئيس الحكومة يبدو أنه وجد نفسه محاصراً بملفات أسهلها معقد، ولا يبدو أن لديه القدرة أو حتى الخبرة في التعامل معها، ليتحوّل بعد ذلك إلى مجرد موظف عند فصائل مسلحة، تمسك بتلابيب الاقتصاد والسياسة في العراق، وتسخرهما لخدمة دولة خارجية، ريثما يعثر الكاظمي على مزماره المفقود الذي يمكّنه من ملاعبة الأفاعي الكثيرة في العراق.