مراحل عسيرة على لبنان

مراحل عسيرة على لبنان

17 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يمكن تسمية المرحلة الحالية من حياة السياسة في لبنان "مرحلة انفجار المرفأ". ولتأخذ هذه التسمية المعنى المطلوب، يمكن أن يطلق على المرحلة التي سبقتها منذ عام 2005 مرحلة "ما بعد اغتيال رفيق الحريري". وكانت مرحلة الوصاية السورية قد سبقت ذلك كله اعتباراً من عام 1990... جاءت كل هذه المراحل بعد فترة شاقّة وعصيبة ودموية عاشها اللبنانيون خلال الحرب الأهلية (1975- 1990)، ويمكن الاستمرار في العدّ خلفاً، وصولاً إلى لحظة الاستقلال، فالحياة السياسية في لبنان مزيجٌ خطيرٌ من المكون المحلي القائم على طوائف ومذاهب ليست بالضرورة متدينة، ولكنها مصرّة على التمسّك بشعاراتها الدينية، ومن المرجعيات الخارجية المتداخلة بالمحلي المذهبي، التي تمارس وصاياتٍ متعدّدة، تبدأ بالنصح والإرشاد، ولا تنتهي بالإملاء وفرض الشروط. وبالطبع، كان الجنرال الفرنسي هنري غورو مهندس الجغرافيا والسكان فاشلاً قبل مائة عام، عندما اختار للبنان أن يكون بهذا التركيب.

مضى الآن ما يزيد على سنة، منذ انفجر مخزن ضخم مليء بمادّة شديدة الانفجار، خُزِّنَت مدة طويلة بطريقة غامضة. ويحاول الرأي العام اللبناني معرفة كيف ولماذا وفي أيّ ظروف حصل ذلك، ونتجت منه استقالة الحكومة التي كانت قد جاءت بعد توافق رخو وتضارب بين ما هو تكنوقراطي وما هو سياسي، لكن قوة انفجار المرفأ لم تكن كافيةً لتحفيز الكتل السياسية المتمذهبة على إنتاج حكومةٍ جديدةٍ، فاستمرّت الحكومة المستقيلة في مكانها تحت اسم حكومة تصريف أعمال، عاماً، قبل أن تحلّ محلها حكومة نجيب ميقاتي الذي جاء هو الآخر من دون توافق كامل، بعد فشل سعد الحريري الذي كان الشخصية المفضّلة الأولى للمهمة... لم يكن حدث المرفأ الوحيد المحفز على إنتاج حكومة، فقد غرق السوق اللبناني، وانهارت العملة، وانهار معها كل أمل بالانفراج مع فقدان الوقود والدواء، والآن بدأ التهديد الأمني يحيق بالمجتمع.

حادث انفجار المرفأ المفجع الذي كان يجب أن يشكّل نقطة انعطافٍ مهمةٍ تجعل الفروق بين الكتل السياسية والمذهبية يتلاشى، أو يخف أثرها، تحوّل إلى نقطة خلاف أخرى! وبدلاً من التعامل معه باعتباره حالة قانونية وجنائية، يجري فيها البحث عن الفاعل، سواء عن قصد أو من دونه، يتم الذهاب إلى اصطفاف جديد أكثر التصاقاً بالطوائف وبالمليشيات ولجوءاً إلى السلاح. وتبدو هنا الطبقات السياسية اللبنانية، المدعومة عسكرياً من خارج الحدود، أكثر سيطرةً على المجتمع ورأيه العام، وتبدو سيطرتها واضحةً في التحكّم بتحريك الشوارع وملئها بالمجاميع الكبرى، أو الاستهانة بالحكومات عسيرة الولادة التي تقود لبنان. وقد قاد حزب الله استعراضاً جسّد فيه هذه الحالة بالتعاون مع إيران وسورية، عبر أرتال صهاريج المازوت التي انتقلت إليه عبر طريق طويل من سورية، تحت أنظار الحكومة مهيضة الجناح.

رسمياً وإعلامياً، انتهت الحرب الأهلية في لبنان، عندما شنّ الجيش السوري مدعوماً بالطائرات هجوماً على منطقة بعبدا مقر الجنرال ميشال عون (13/10/1990). وكان الطيران السوري يتحرّك في الأجواء اللبنانية لأول مرة وآخر مرة منذ عام 1982، عام الاجتياح الإسرائيلي. لكن الحقيقة أن الحرب الداخلية استمرّت، وإن بوسائل ليست عسكرية معلَنة. وتكتيكات الحرب لم تتوقف، وبقيت موجودة تحت السطح، بالسماح لبؤرة عسكرية واسعة بالوجود بعيداً عن أعين الحكومة تحت يافطة "مقاومة إسرائيل"، والقبول ببقاء بذور الحرب من خلال العناية بجذورها مع إخفاء محاولتها التعريش عالياً... عطب النظام الذي مهد للحرب الأهلية ما زالت موادّه الأولية موجودة، وتهدّد بالانفجار في كل لحظة. وما حدث الخميس الماضي يمكن أن يتمدّد إذا سُمح للأزمة الحالية بأن تتفاقم أكثر. ولا تبدو مأساة مرفأ بيروت إلا فرصة جديدة لتظهر عيوب النظام الذي وضعه غورو، واستفادت منه كل دول الإقليم الطامعة، من دون أن تتمكّن الطبقة السياسية من تجاوزه أو مواجهته بطريقة جادّة.